الأثنين: 2 أغسطس، 2021 - 23 ذو الحجة 1442 - 03:05 صباحاً
اقلام
الثلاثاء: 30 مارس، 2021

كتب: د. عمار طاهر

أتيح لي زيارة العديد من البلدان العربية والاجنبية، وفي كل مرة كنت حريصا على زيارة جامعات تلك الدول، والتجول في اروقتها، والاطلاع على مساقاتها العلمية، وسياقاتها الادارية، مثلما احرص على زيارة متاحفها ومعالمها الاثارية، ربما بدافع المعرفة، أو بحكم التخصص، ثم أطلق لمخيلتي العنان، واقارن بين تلك الشواهق العلمية.. وجامعة بغداد.
فالمدن تفتخر بمؤسساتها الاكاديمية، بل ان بعض الجامعات أضحت عنوانا عريضا، ومعلما شهيرا لمدن نائية، او ضواح منسية هجرها التاريخ، فأبقاها العلم على قيد الجغرافية، وجعلها مقصدا لطلبة يشدون اليها الرحال من بقاع الدنيا كلها، وقد تحولت هذه الجامعات بحد ذاتها الى مدن، وراء أسوارها تجد أي شيء.. وكل شيء.
بغداد زهرة المدائن تفتخر ايضا بجامعتها العريقة فقد تأسست قبل إنشاء وزارة التعليم العالي نفسها.. كانت ولا تزال منارة للعلم، فقوسها الاشبه بالهلال جعله المصمم الألماني الشهير والتر كروبيس مفتوحا، حيث يمتد أفق المعرفة ليعانق الفضاء، في فلسفة معمارية تبشر بالخلود والازل، فهي مركز اشعاع دائم، وحرم أمن، لذا حاميها الملك كما جاء في ديباجة تشريعها الأول.
ام الجامعات لم تهرم او تشخ، من يراها يحسبها شابة جميلة في الخامسة والستين، بدليل منجزها العلمي المتواصل على مدار الأعوام، اذ تمتلك 218 براءة اختراع، وقدمت 1083 مؤلفا في شتى مجالات المعرفة، وانتجت 7258 بحثا في المستوعبات العالمية المعروفة، لذا تعتلي الترتيب المحلي دائما في جميع التصنيفات العالمية.
جامعة بغداد اليوم محاصرة.. تختنق رويدا رويدا رغم كثرة المناشدات، وتعالي النداءات، اذ تشهد يوميا دخول ومغادرة 45 ألف شخص بين طالب واستاذ وموظف عبر منافذ محدودة جدا، لا تتسع الى عشر هذا العدد الهائل، مما يجعل نهارها جحيما سواء على مرتاديها، او العابرين من الناس، في تراجيديا يومية بلا نهاية، مع ان بعض الحلول متاحة، ولكن الإرادة غائبة للأسف.
إنشاء جسر للمشاة، أو توسيع استدارة، او رفع جزرة وسطيه، او فتح طريق مغلق بفرمان من جهة سياسية نافذة، أو تخصيص بوابات جديدة، حلول بسيطة، لا تتطلب اجتراح معجزات، او اتخاذ قرارات صعبة، إلا أنها تجعل الجامعة تتنفس هواء نقيا، لا ابخرة طوابير السيارات، وهي تحاول عبثا اجتياز أمتار قليلة، فتمكث ساعات طويلة.
من المتوقع ان يكون نداء اليوم بلا صدى أيضا، وكأننا نكلمهم.. وكأنهم لا يسمعون، فهموم الناس وعذاباتهم ليست أولوية بالوقت الراهن.. ننتظر ونترقب.. لعل ضميرا هاجعا يدرك ذات يقظة ان هذه الجامعة التي خرج من معطفها مئات العلماء والباحثين والأدباء كالسياب والوردي تستحق ان تكون بعراقتها ومكانتها وحجمها علامة فارقة في العاصمة، فينقذها من هذه المعاناة الدائمة، والوجع المزمن.