الأثنين: 21 سبتمبر، 2020 - 03 صفر 1442 - 02:26 صباحاً
سلة الاخبار
الخميس: 16 يناير، 2020

عمار السواد

لم يعانِ التمدد الإيراني في العراق بعد سقوط صدام حسين من تدهور مثلما يحصل الآن. اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ليس مجرد ضربة للكبرياء الفارسي، ولا مجرد تصفية لشخصية محورية لها هالتها الإعلامية ذات الأثر البالغ في مناطق النفوذ، إنما هو مؤشر على حراك أمريكي جاد لإغلاق مداخل نفوذ الجمهورية الإسلامية في بلاد ما بين النهرين.

في المقابل، كان اقتحام جمهور الحشد الولائي (الجزء الإيراني من الحشد الشعبي) للسفارة الأمريكية في بغداد، بعد مقتل العشرات من عناصر كتائب حزب الله في قصف أمريكي على معسكرات حدودية بين العراق وسوريا، مؤشراً واضحاً على ضعف الخيارات الإيرانية في العراق.

وسواء كان الهجوم على القاعدة العسكرية الأمريكية العراقية المشتركة في كركوك (K1) حقيقياً، أو من صناعة التبرير الأمريكي، خصوصاً مع عدم الكشف عن اسم المقاول الذي تقول واشنطن إنه قُتل في الهجوم، فإن واشنطن تحركت بخطوات واضحة نحو تحجيم النفوذ الإيراني عبر ضرب منافذه وإغلاقها أو إضعافها.

استدراج إيران

من الناحية الظاهرية، قد يبدو أن الاحتجاجات العراقية خدمت الاتجاه الأمريكي لمواجهة نفوذ إيران في بلاد ما بين النهرين، لكن المرجح أنها كانت محاولة عراقية لخلق واقع يفيد العراقيين قبل أن يستغله القادمون من وراء الأطلسي.

الحاكمون لم يحاولوا استثمار الحركة الشعبية لخلق إصلاحات جادة. ما فعلوه هو أنهم قنصوا المتظاهرين. التعنّت السياسي والانفصال عن الشارع، أعطى الولايات المتحدة ما تريده.

غرور إيران، وشعورها بالقوة واستفحال نشوة النصر لدى حلفائها وأذرعها ووكلائها، أبعدها كثيراً عن الفعل المتعقل. طهران وحلفاؤها العراقيون وغيرهم لم يروا شيئاً سوى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يرد ولن يفعل شيئاً كونه غير راغب بالحرب.

أدرك ترامب نقطة ضعف إيران. فهم، مع إدارته السياسية، أين سيكون الخصم متهافتاً ومندفعاً ويتصرف بدون تفكير. أقال مستشار الأمن القومي جون بولتون، وهو أكثر المطبلين للحرب ضد طهران، وقبل ذلك لم يعاقب النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيميائية إلا بقصف صاروخي محدود، واستمر بالحديث عن أن حربه لن تكون سوى بمزيد من العقوبات الاقتصادية، مقدماً نفسه كباحث عن الحوار والسلام. ولم يردّ على إسقاط إيران لطائرة أمريكية في مضيق هرمز، رغم أن ذلك كان مهانة، ولم يتخذ خطوات عملية رداً على قصف إيران أو حلفائها لمعملين تابعين لشركة أرامكو السعودية.

إنه استدراج لإيران عبر طريق الغرور الذي ساعد على تعبيده أن لا أحد انبرى إلى مواجهتها. في سوريا، أعطت واشنطن تركيا فرصة القيام بما كانت تريده، وسحبت قواتها كي لا تكون ضمن أرض معركة مفتوحة الجبهات وعرضة لاحتمال تلقي ضربات موجعة. آبار النفط فقط هي المحميات. كان واضحاً أن سوريا لن تكون منطقة نفوذ أمريكية واسعة. هي أرض نفوذ روسي. والكبار في مرحلة مثل هذه يحافظون على شروط اللعب وحدودها. ولكن الإيرانيين لم يحترموا تلك الشروط، بل أرادوا أن يصنعوا شروط لعبتهم هم، حتى لو في بلد كالعراق، لا يمكن أن يتخلى الأمريكيون عن وجودهم فيه.

العراق هو البلد الوحيد الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تلعب داخله بحرية، وهو البلد الوحيد الذي يظهر فيه حلفاء إيران العسكريون بدون أي احتياطات أمنية كبيرة، فهم موجودون فيه بقوة. وهو أيضاً الوحيد الذي يتواجد فيه قاسم سليماني باستمرار وبإجراءات استخبارية لا تبدو محكمة.

 رأى الأمريكيون كيف جن جنون الإيرانيين بسبب ترشيح مَن ترضى عنه لرئاسة الحكومة، ورأوا أيضاً كيف كان يتحرك سليماني لتحقيق توافق سياسي. كان لا بد من استدراج.

الأمريكيون والتظاهرات

واشنطن استثمرت تظاهرات العراقيين وليس العكس. المشهد بدا ملتبساً في العراق والشارع أصبح قوة رئيسية، وهناك قطيعة كبيرة بين المنتفضين وبين الميليشيات المرتبطة بإيران. خسرت الأخيرة شرعيتها، خصوصاً أنها متورطة بعمليات اغتيال واستهداف للمتظاهرين، وعلى رأسها في هذا الشأن كتائب حزب الله. لكن الفرصة تلك لم تكتمل بالطبع. بدا وكأن واشنطن تضعف إيران عسكرياً، لكنها تعيد إليها التعاطف مجتمعياً.

استهداف مقاتلين على الحدود مع سوريا بأعداد كبيرة، مهما بدت مفيدة عسكرياً ومقوّمة للدور الأمريكي على الأرض، بدأ بإحراج التظاهرات. على هذه النقطة لعب الحشد الشعبي بإرسال حشوده إلى السفارة الأمريكية، وكانت هذه فرصة للتظاهرات في التحرير لاستعادة مكانتها، لأن مسرحية سيئة الإخراج كان يقودها مسؤولون في السلطة، تعني بالضرورة خسارة.

في هذه اللحظة، جاء قتل سليماني والمهندس كعملية تمثل بركاناً ثائراً على النفوذ الإيراني، من الناحية العسكرية والسياسية، غير أن البركان قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأرض، بما يعيد لإيران ما خسرته أو بعضه.

أمريكا برا برا

أهم ما خسرته إيران بسبب الاحتجاجات العراقية هو أنها لم تعد مرغوباً بها. لم يعد لوجودها طعم إلا في حدود جماهير الحشد وبعض الطائفيين. غير أن سياسة أمريكا القائمة على استعادة نفوذها يعطي للإيرانيين فرصة اللعب على العواطف الشعبية، وإعادة المجتمع إلى هتاف “أمريكا برا برا”، بدلاً من “إيران برا برا. ليست “أمريكا برا برا” التي رفعها متظاهرو الحشد الموالون لقاسم سليماني هي المهمة، بل التي سيرفعها متظاهرو الشعب الذين رفضوا دوره.

“اغتيال قاسم سليماني ليس مجرد ضربة للكبرياء الفارسي، ولا مجرد تصفية لشخصية محورية لها هالتها الإعلامية ذات الأثر البالغ في مناطق النفوذ، إنما هو مؤشر على حراك أمريكي جاد لإغلاق مداخل نفوذ إيران في بلاد ما بين النهرين”

“جاء قتل سليماني والمهندس كعملية تمثل بركاناً أمريكياً ثائراً على النفوذ الإيراني، من الناحية العسكرية والسياسية، غير أن البركان قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأرض، بما يعيد لإيران ما خسرته أو بعضه”

بمعنى آخر، قد تساهم المستجدات في إعادة العراقيين إلى الانشغال بمواجهة أزمة خارجية، بدلاً من ملفاتهم الداخلية، فضلاً عما يعنيه الأمر من إعادة أهل بغداد والجنوب والفرات الأوسط وشرق البلاد إلى حضن إيران، كونها الشبيه المذهبي الذي يروّج حلفاء طهران لفكرة أنهم سيتضررون إذا قوّضت واشنطن نفوذه.

إذا لم تمتلك الولايات المتحدة مشروعاً أبعد من نشر قواتها، وفرض لغة القوة، وإذا لم تدفع باتجاه بناء دولة حقيقية تعيد إنتاج ثقة العراقيين بوطنهم، لن تجد أكثر مما وجده الإيرانيون أنفسهم: العداء ولحظة حاسمة تجعلها في مواجهة مستمرة معهم، وتعطي إيران ما يفيدها.

بالتأكيد إن إيران ليست قوية لتواجه أمريكا مواجهة الند. ربما هي قادرة على فعل ما يوجع واشنطن، لكنها ستخسر وتتوجع أكثر. ها نحن نرى كيف أن صواريخ في جنح الليل أنهت أهم رجالها. لكن بالتأكيد لن تكون قوة أمريكا ذات نفع إنْ لم تحترم العراقيين.

العراقيون ليسوا منظمة خيرية

نعم، الولايات المتحدة ليست منظمة خيرية ليُطلب منها أن تتصرف بموجب مصلحة العراقيين أو أن تحترم رغباتهم. وفي المقابل، إن انتفاضة عراقية طالبت بإنهاء نفوذ الجمهورية الإسلامية، ليست منظمة خيرية أيضاً لتنهي نفوذاً فاسداً بنفوذ سبق وجاء بسادة الفساد أنفسهم.

العالم تغيّر. هناك متربصون. الروس والصينيون والأتراك والأوروبيون جميعاً يخلقون عالماً لا يشبه ذلك الذي ساد في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وجميع هؤلاء ليسوا بعيدين الآن عن مناطق التوتر في الشرق الأوسط، وعن بغداد طبعاً. والعراق لن يكون مع الولايات المتحدة إنْ لم تحترمه، كما حصل مع طهران حين لم تحترمها.

ليس الأمر مرتبطاً بالسيادة هنا، فلا سيادة مع حكومة لا تمتلك أدنى تصور عما يجري، لأنها استسلمت لقدرها بأن تكون بيدقاً مرتبطاً بمتغيرات اللعبة الجيوسياسية التي تفرض استحقاقات عدة، بعضها بالتأكيد يخلقه مجتمع كشف عن قوّة غير مسبوقة له