السبت: 20 يناير، 2018 - 03 جمادى الأولى 1439 - 08:48 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 6 يناير، 2018

فايز علام

اثنا عشر شهراً من عام 1967 يكتبها “صنع الله إبراهيم” على امتداد اثنا عشر فصلاً، مخصصاً لكل شهر فصلاً يروي فيه وقائع هذا الشهر من عام النكسة، عام “67” الذي اختار أن يضعه كعنوان لروايته التي تأخر نشرها أكثر من 45 عاماً.

اختار “إبراهيم” عدم نشر الرواية في حينه بسبب ظروف الرقابة في مصر، وبعد تغيّر هذه الظروف خشي أن تستغلها القوى اليمينية كما حدث مع روايته الأولى.

هكذا، ظلت الرواية قابعة في مخبأ سري إلى أن قرر أخيراً إخراجها إلى النور، فنشرها دون أي تعديل فيها، لسببين: الأول، أنها وثيقة عن عام الهزيمة، العام الذي شكّل منعطفاً مهماً في حياة كل المثقفين العرب، والسبب الثاني، أنها وثيقة عن أسلوب “صنع الله إبراهيم” في تلك الفترة، تُبيّن بعد قراءة ما تلاها من أعمال مقدار تطور كتابته فنياً وجمالياً.

تبدأ الرواية من ليلة رأس السنة. الكل مجتمعون في أحد المنازل لاستقبال العام الجديد. بطل الرواية صحافي غادر السجن حديثاً بسبب أفكاره اليسارية ويعيش في بيت أخيه المتزوج. وفي تلك الليلة تنشأ شعلةٌ ما غامضة بينه وبين زوجة أخيه.

“سألتهما: لماذا لا ترقصان؟ قال أخي أنه لا يعرف. وقفت زوجته قائلة: سأرقص معك. أحطتها بذراعي وأرحت أصابعي على ظهرها العاري. قالت إن غرامي فيما يبدو لم تأت. حركت أصابعي على ظهرها ولمست العقد الثمين الذي أهداه لها أخي بمناسبة العام الجديد. قلت: لو عرفتك قبل أن تتزوجي أخي لتزوجتك أنا”.

دون أحداث كبيرة تتوالى شهور السنة. راوٍ يسجل يومياته التي لا شيء فيها يستحق الوقوف عنده. علاقات صداقة وقرابة وعمل. روتين يومي. أحداث يومية عابرة. والكثير من الجنس، وكأن هذا الفعل تعبير عن حالة قلق داخلي يعيشه كل الناس في تلك الفترة دون أن يظهر ذلك في همٍّ سياسي أو اجتماعي مثلاً، بل كل الشخصيات مشغولة بتفاصيل ثانوية بسيطة.

حتى العلاقات التي تعيشها، على اختلاف أنواعها سواء كانت علاقات عاطفية أم اجتماعية فإنها علاقات باردة وخالية من الطعم، وكأن ثمة ثقلاً غير معروف يخيّم على الجميع.

في هذا الجو يأتي شهر حزيران. لا يغيّر الراوي أسلوبه في تدوين اليوميات، وسط كل التفصيلات اليومية، وبطريقته نفسها يحكي عن الغارات الجوية وعن هزيمة عام 67 وأصداء كل ذلك على الناس، وكيف استقبلوا خبر تنحي الرئيس جمال عبد الناصر بعد إعلان قرار وقف إطلاق النار.

“في السابعة تجمعنا أمام جهاز تلفزيون. وعندما أعلن الرئيس قراره بالتنحي انفجرت سلوى باكية. وتشنجت مايسة. وانهار زكي على مكتبه باسطاً ذراعه أمامه دافناً وجهه فيها وهو ينشج. وغادرت الجريدة إلى الشارع وكان الظلام ينتشر بسرعة والناس تجري في كل اتجاه وهم يصيحون ويهتفون، ثم أخذوا يشكلون اتجاهاً واحداً إلى مصر الجديدة وهم يرددون في جنون اسم ناصر”.

دون أي اختلاف يتابع البطل بعد تلك الكارثة تسجيل تفاصيل حياته، كأن شيئاً لم يكن، بل كأن الهزيمة كانت الشيء الطبيعي الوحيد الذي يمكن أن يحدث في مجتمع مقموع يعيش الحالة السياسية التي خلقها نظام عبد الناصر في تلك الحقبة.

أقوال جاهزة

شاركغردمراجعة لرواية 67، الرواية التي أخفاها صنع الله ابراهيم أكثر من 45 عاماً قبل نشرها دون أي تعديل فيها

شاركغرديتابع البطل بعد تلك الكارثة تسجيل تفاصيل حياته، كأن شيئاً لم يكن، بل كأن الهزيمة كانت الشيء الطبيعي الوحيد الذي يمكن أن يحدث في مجتمع مقموع يعيش الحالة السياسية التي خلقها نظام عبد الناصر

هكذا، يعاود بطل الرواية الذي لا نعرف اسمه عيش حياته التي لا شيء فيها ينمو باستثناء علاقته مع زوجة أخيه، وقد بدأت هذه العلاقة تأخذ أبعاداً غير آمنة.

الشوق الذي لا يهدأ، الجنس غير المنضبط وغير الحافل بالعواقب، شكوك الأخ الذي بدأ يشعر بتغيّرات زوجته وصار يفتش عن دليل في أغراضها، محاولات الثنائي لهجر بعضهما دون قدرة على ذلك، إذ يفشلان في كل مرة يحاولان فيها.

لا يقول “صنع الله إبراهيم” شيئاً بوضوح في روايته، يخلق شخصيات ويجعلها تمارس حياتها، ليرمز من خلالها إلى ما يريد أن نفهمه.

ربما تكون شخصية “إنصاف” إضافة إلى شخصية الراوي هما الشخصيتان الأكثر تعبيراً عما تريد الرواية قوله في النهاية. فالسيدة التي يكون لها الحظ بأن تتكلم في آخر فصول الرواية ستقول جملتين مختصرتين تختزلان مأساتها ومأساة شعب وبلد.

“كلكم ذاهبون ولن يبقى أحد بجواري. قالت إن هذه هي قصة حياتها فقد قضتها جالسة تشهد الآخرين وهم يذهبون إلى السجن أو الخارج أو الحياة الأخرى”.

صنع الله إبراهيم، روائي مصري من مواليد عام 1937. سجن أكثر من خمس سنوات بعد أن شنّ عبد الناصر حملة على اليسار في مصر. اشتهر بكتاباته المثيرة للجدل، وهو من أبرز الروائيين الذين استخدموا الوثيقة في رواياتهم.

أصدر عدداً من الروايات من بينها: “اللجنة”، “بيروت بيروت”، “ذات” التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، “شرف”، “أمريكانلي”، “الجليد”، “برلين 69″، وقد ترجمت رواياته إلى عدد من اللغات الأجنبية.