الأثنين: 21 مايو، 2018 - 06 رمضان 1439 - 08:31 مساءً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 16 يناير، 2018

 

علي شاكر

 

شأننا شأن أهل الكويت، أفقدتنا صدمة اجتياح جيشنا لجارتنا الجنوبية توازننا وأصابتنا بالذهول، مثلهم مررنا بمراحل عدم التصديق والغضب ثم الانغماس في الحزن والمخاوف.

تواترت علينا نشرات الأخبار محمّلة بالتطورات اللاهثة، سذاجة السيناريو المُقترح عن اندلاع ثورة على حكم آل الصباح لم تنطلِ على أحد، فأي مصادفة عجيبة أن تقوم ثورة بالتزامن مع حشد القوات العراقية على امتداد الحدود بين بلدينا؟ ثم كيف يستقيم أن يطالب الثوّار بضم وطنهم إلى أراضي بلد آخر؟

لو كان ذلك فعل الثائرين، فماذا يكون فعل الخونة؟

سيناريوهات ركيكة كتلك ما كانت لتقنع طفلاً غرّاً، فكيف لها أن تقنع الرأي العام العالمي في نهايات القرن العشرين؟

ما الذي راهن عليه صدام حسين لتمرير فعلته الشنيعة دون تدخّل من القوى العظمى لحماية مصالحها في منطقة ملتهبة ذات إرث هائل من الصراعات والاحتقان السياسي؟

أي ضمانة حصل عليها جعلته يصدر أوامره بتحرك القطعات العسكرية دون أن يشاور وزير دفاعه ورئيس أركان جيشه في عواقب قراره أو  يحيطهم علماً بما انتوى فعله على أقل تقدير؟

تناقلت وسائل الإعلام أنباء لقاء مريب تم بين الرئيس وسفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد قبل فترة قصيرة من الغزو.

زعم كثيرون أن السفيرة أعطت صدام خلاله الضوء الأخضر للمضي قدماً في تنفيذ ما عقد العزم عليه، أو لعلها وعدته بعدم تدخّل بلادها عسكرياً في النزاع بين الأشقاء…

هل تم استدراج الرئيس العراقي لابتلاع طُعم سامّ أعده الغرب للتخلّص من رجله الأثير في الشرق الأوسط، بعد أن انتفت الغاية من وجوده؟ هل هو طفل غر كي يُخدع بتلك السهولة؟

القمة العربية الطارئة التي عُقِدت في القاهرة بعد قرابة أسبوع من الحدث الصدمة سادها كثير من الصخب وتبادل الشتائم وحتى الضرب بين الوفود التي انقسمت بين معارض صريح للغزو ومتحفظ عليه ومؤيد له (ضمنياً)…

على الرغم من ذلك، دان القرار النهائي الصادر عن القمة العراق بشكل واضح ورفض الاعتراف بشرعية احتلاله، الأمر الذي مهّد لانتقال الصراع من محافل السياسة إلى الأرض حيث انطلق حشد دولي بقيادة الولايات المتحدة لتشكيل تحالف عسكري لإجبار جيشنا على الانسحاب.

واجه صدام حسين الضغوط العربية والدولية المتزايدة عليه بصلف وعناد، فقام بتنصيب أفراد من عشيرته لتسيير أمور “المحافظة الجديدة” أو بعبارة أصح، لتنظيم واحدة من أكبر عمليات النهب في القرن العشرين، إذ تم تقسيم الغنائم الكبيرة في مرحلة مبكرة بين أبناء الرئيس والمُقرّبين منه.

ثم أعطى الضوء الأخضر لكوادر الحزب وضباط القوات المسلحة بالاستحواذ على ما تبقى من الفتات: الأسلحة، مقتنيات المتاحف والمختبرات، تجهيزات الجامعات والمستشفيات وسائر الوزارات، رفوف الأسواق وأثاث المنازل، السيارات، حلي النساء والعطور والملابس ولعب الأطفال، الأجهزة الكهربائية وشرائط الأفلام والمسلسلات والأغاني والمناسبات الشخصية، كلها تم الاستيلاء عليها ونقلها إلى مدننا التي شهدت أسواقها وفرة وتنوعاً لم تعهد مثلهما منذ عقود.

صدام حسين يزور الجنود العراقيين في الكويت بعد الغزو

أسرتي كانت واحدة من آلاف الأسر التي أخذت عهداً على نفسها في البداية بمقاطعة البضائع القادمة من الكويت، رغم انخفاض أسعارها.

اشترينا فقط المنتجات المحلية أو تلك التي استوردتها الدولة قبل الغزو، لم يكن مقبولاً أخلاقياً ولا انسانياً أن نُدخل إلى أجوافنا طعاماً أو شراباً مسروقاً من بيوت ومحلات آمنة، خصوصاً أن الإذاعات الدولية كانت تبث في كل مساء رسائل صوتية للكويتيين الذين اضطروا للفرار من بلدهم مع نشيج حار لفراق أحبة لهم سقطوا تحت نيران رشاشات الغزاة من بني جلدتنا.

أقوال جاهزة

شاركغردأسرتي كانت واحدة من آلاف الأسر التي أخذت عهداً على نفسها في البداية بمقاطعة البضائع القادمة من الكويت، رغم انخفاض أسعارها… يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت

شاركغردبين لحظة وأخرى كنت أتوقع الاحتراق بفعل عصف القنبلة التي ستهوي على بغداد فترتفع في سمائها كرة هائلة مضيئة يخيل لمن يشاهدها من بعيد أنها حبة فطر عملاقة…

فقرة الخزي المسائية تلك كانت تستدر الدموع الغزيرة من مآقي كثر من العراقيين الذين خبروا وجع الظلم والفقد، بالتحديد الأمهات اللاتي فجعن بابنائهن خلال سنوات الحرب الطويلة مع إيران.

لكن ذلك لم يكن حال الجميع، فقد انغمس عدد كبير في وحول السرقة حتى قمم رؤوسهم وأثروا ثراءً فاحشاً.

الحدث كان سابقة فريدة من نوعها، فقد تمت السرقة على نطاق واسع تحت مظلة الدولة ودعمها في خطوة خطيرة شرّعت للفعل الدنيء وجعلته مستساغاً في الوعي الجمعي للعراقيين، لم يعد السلب جرماً يعاقب عليه القانون، بل بدا كحفل ضخم كانت دعوة العامة للمشاركة فيه.

… لكن، عن أي قانون ومنطق أتحدث وكل ما كان يدور من حولي ماثل في ديستوبيته أحداث رواية جورج أورويل الشهيرة “1984”.

تم استدعاء وجبات من المواليد لأداء خدمة الاحتياط بعد مضي شهور قليلة على تسريحها عقب انتهاء الحرب مع إيران.

علت الكآبة والوجوم الوجوه وترقرقت الدموع من جديد في عيون الزوجات والأمهات والآباء والأبناء.

لو كان القتال مع إيران مُبرّراً بالوقوف سداً أمام مطامع الفرس في البوابة الشرقية للأمة العربية ومنع محاولات تصدير ثورتهم الظلامية إلينا، فغزونا لجيراننا من العرب كان اعتداءً صريحاً لا يمكن بأي حال من الأحوال إيجاد مسوّغ أخلاقي له، كما أن الزج بجيشنا المتعب في مواجهة حشد عسكري دولي هائل القدرات كان أقرب إلى فعل انتحار جماعي، محض جنون!

بعيداً عن تهريج إعلامنا الرسمي وترهاته، مضت بنا الأيام والأسابيع ونحن متأرجحون بين التصديق والإنكار. كنا نحدث بعضنا البعض بأن فتيل الأزمة، كما في أفلام التشويق، سيتم نزعه في اللحظة الأخيرة، فيعلن الرئيس الانسحاب وينتهي بذلك الكابوس المقيت الذي كنا نعيش تحته.

… لكن مهلاً!

ماذا لو وقعت الحرب بالفعل؟ ماذا لو لجأ صدام حسين إلى استخدام أسلحته السرية التي هدّد الغرب بها؟ ماذا لو جاء الرد بتوجيه ضربة نووية لنا تمحقنا محقاً؟ هل هي النهاية؟ هل نجونا من سعير الحرب مع إيران كي تهلكنا حرب أخرى، أشد وطأة وأكثر فتكاً من سابقتها؟

أي استعدادات يتعين علينا القيام بها لمواجهة مثل ذلك الاحتمال المريع؟

كل ما تعلمناه من تجربة السنوات الماضية كان أن الزجاج المتطاير بفعل الانفجار القريب والعصف الناتج عنه، لا يقل خطورة عن الاستهداف المباشر بالصواريخ وقذائف الطائرات.

قمنا بلصق عشرات الأمتار من شرائط الإسعافات الأولية السمراء على النوافذ كي تمنع تشظيها، ابتعنا كل ما استطعنا العثور عليه من المواد التموينية، طريئة وجافة ومعلبة، وقمنا برصّها في الثلاجات والمجمدات وعلى سطوح الأرفف.

أصرت والدتي على تخزين المياه أيضاً فاشترينا أحواضاً بلاستيكية ملأناها بالماء وكذلك قدور الطبخ الكبيرة حتى لم يتبق عندنا وعاء فارغ.

سألتُ أمي مداعباً هل نملأ أفواهنا بالماء أيضاً تحسباً للظرف الطارئ، لم تلقَ مزحتي استجابة، فالجميع كانوا مشغولين باعداد قوائم المهام التي تحتم إنجازها قبل انتهاء المهلة الممنوحة للعراق للانسحاب في الخامس عشر من كانون الثاني.

مر شريط الأحداث خلال الشهور القليلة الماضية في ذهني، كنا على مشارف امتحانات نصف السنة في الجامعة، لم نعد قادرين على المذاكرة في ظل جو متوتر ومشحون، كان علينا أن نقدم مشاريعنا الجامعية النهائية لمادة التصميم الداخلي صبيحة يوم السابع عشر.

انكببت على طاولة الرسم الهندسي في غرفتي محاولاً أن أضع شيئاً على الورق الأبيض المفرود أمامي بينما علا صوت مذيع محطة مونتي كارلو، ناقلاً آخر تطورات الموقف، مؤكداً سماعه زمجرة الطائرات المتأهبة للانطلاق في مهمتها المروعة.

عقارب الساعة كانت تشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل، أقنعت نفسي بأن لا شيء سيحدث، فها قد مضى يوم آخر بسلام.  سمعت صوتاً مألوفاً من بعيد، كان دوي انفجارات وازداد قوةً وقرباً قبل أن ينطلق من صافرات الإنذار نعيق كئيب.

ما التالي؟ هل سيسقطون علينا قنابل ذرية كتلك التي دكّت هيروشيما وناغازاكي وأجبرت اليابان على الاستسلام في الحرب العالمية الثانية، أم سيستخدمون أسلحة أشد تطوراً وفتكاً؟ هل كبس صدام زر إطلاق صواريخه التي هدد باستخدامها؟ هل أحرق نصف إسرائيل كما توعّد؟ هل هي الحرب العالمية الثالثة؟

بين لحظة وأخرى كنت أتوقع الاحتراق بفعل عصف القنبلة التي ستهوي على بغداد فترتفع في سمائها كرة هائلة مضيئة يخيل لمن يشاهدها من بعيد أنها حبة فطر عملاقة من لهيب ودخان، أو أن تفوح في الجو رائحة نفاذة بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية.

كم تبقى من الوقت قبل أن أفقد كياني المادي فأصير روحاً، شبحاً؟