السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 14 ربيع الأول 1442 - 03:58 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 10 يناير، 2017

اليكسي كوسيجين قال لي لا تقربوا النفط، النفط يعني حربا عالمية ثالثة!
“سوريا يحكمها أطباء …. لابد أنها مريضة”.. كان هذا عنوان لجريدة فرنسية في أحد أعداد عام 1968م، وكان ذلك عقب تولي الدكتور الطبيب نور الدين الأتاسي رئاسة الجمهورية، والدكتور(الطبيب ) يوسف زعين رئاسة الوزراء، والدكتور (الطبيب) إبراهيم ماخوس وزارة الخارجية. كان هؤلاء الأطباء جزء من تاريخ سوريا وتاريخ العرب الحديث، وعاشوا أكثر الفترات سخونة ومفاجآت، فكانوا جديرين بالذاكرة والتذكر، وكان لهم وعليهم الكثير مما ينبغي على الأجيال أن تعرفه.

 
يوسف زعين: مولود في البوكمال 1931 وهو طبيب، عمل وزيرا للإصلاح الزراعي 1963-1964، وسفيرا في بريطانيا ،وفي 1965 انتخب عضوا في القيادة القطرية، ومن فبراير (شباط ) 1966 إلى أكتوبر ( تشرين الأول ) 1968، كان رئيسا للوزراء حتى عام 1970.

 
الدكتور يوسف زعين مناضل حقيقي، ذهب إلى الجزائر أثناء حرب التحرير، واشترك في علاج جرحى حرب التحرير الشهيرة، وعالج الجروح والإصابات، وحمل نفسه وسلاحه وأدويته. وتنقل من صحراء ليبيا إلى تونس إلى الجزائر، وتجول داخل مخيمات لاجئي حرب التحرير ، وحين عاد إلى دمشق اندفع بقوة الطموح والشباب وحيوية المبادئ إلى قمة هرم السلطة في سوريا، فقد كان بعثياً أيديولوجياً حاداً، ويسارياً متمرداً، لكنه حين صار رئيس وزراء اصطدم بالواقع ..

 
شاءت الأقدار أن يمضي سنوات من عمره في السجون السورية عقب انقلاب رفاق الأمس، وتولي الرئيس الراحل حافظ الأسد مقاليد الأمور في بداية السبعينات، ولم يشفع له نضاله وعطاؤه، فالسلطة لا ترحم، ولكن القدر تدخل، وأصيب الدكتور يوسف بمرض (خبيث) في رأسه فقال الأطباء أنه سيموت قريباً، هنا تحركت إنسانيات “رفاق الأمس” وأفرجوا عنه وأرسل إلى بريطانيا ثم السويد للعلاج, حيث أجريت له عملية جراحية خطيرة، تماثل على أثرها للشفاء، وانتقل إلى العاصمة المجرية “بودابست”. قبل عامين توفي هذا المناضل ، الا أنه مثلما كان مناضلا صامتا ، ظل صامتا لفترة طويلة . وما ننقله عنه في هاتين الحلقتين شهادة رجل خبر العسف ونذالة السلطة وفضائح ذلك الزمن .

 
يقول الكاتب المصري الهامي المليجي لـ”العربية.نت” إنه تعرف عليه في هنغاريا، والتقاه كثيراً، واستمع إليه طويلاً “لم أناقشه ولم أسأله كنت أستمع إليه فقط، لم يكن يريد أن يناقشه أحد أو يسأله فهو قد تحول إلى مجرد شاهد على الأحداث، ومعلق ملييء بالتفاصيل لكنها تفاصيل خارج السياق، كأنه عائد من الماضي ليكتشف أن الحاضر مختلف لغة وأدوات ومعطيات. كان الاستماع إليه مدعاة للدهشة، مجرد أن تستمع إلى خطابه وكلماته تنتابك أحاسيس متناقضة، أقلها عدم الارتياح لممارسة السياسة في الوطن العربي”..

 
ويضيف المليجي: تجرأت مرة وسألته: لماذا لا تنشر مذكراتك ؟..
لم يرد. في المرة الثانية كررت السؤال.. صمت.. في المرة الثالثة قال لي: هناك كثيرون طلبوا مني ذلك لكنني لست متحمساً، ثم صمت وأضاف (في إشارة للمليجي ): إذا أردت أن تلخص شيئاً افعل.. وضحك وهو يقول: لكن لا تنشرها إلا بعد – .. قاطعته ( الله يعطيك طول العمر ).. شيء ما دفعني لممارسة نشر ما التقطته منه، شيء غامض مثل نظراته الشاردة والحالمة.. وها أنا أفعل وأنقل ما استمعت إليه، مع اعتذاري المسبق له لأنني لم أطلعه على ما لخصته من أحاديث معه” .

 
ويستطرد الهامي المليجي أن أحاديث الدكتور يوسف زعين معه تناولت عناوين مهمة للغاية ستجعلها مذكرات مثيرة للجدل عندما يتمكن من استكمالها ونشرها كاملة، تفيض بكثير من المعلومات التي تقال لأول مرة، ومن هذه العناوين: ” نصبنا كمينا للاسد في طريق المطار 1970 لقتله وأن مجيئه للحكم يأتي ضمن ترتيبات القرار 242″ مشيرا إلى أنه قبل أن يتولى الحكم “قررنا عزله، ولكن تراجع أحد الأشخاص عن التصويت أوقف القرار، ثم اعتقل الأسد هذا الشخص بعد ذلك عندما وصل إلى السلطة”.

 
وفي موضع آخر ينسب إليه المليجي قوله إن “ابوجهاد كان يعطي الدولارات لحافظ الأسد الذي كان يشتري بها ذمم الضباط، وإن الأمريكان والروس ساعدوه في انقلابه، ويضيف أن ” اليحياوي توسط بيني وبين حافظ الأسد”.

 
ومن ضمن ما تناوله قصة انقلاب سليم حاطوم، وحين ينتقل بالحديث إلى حزب البعث العراقي فإنه يتهم ميشيل عفلق بأنه أفسده، ويرى أنه ليس ثوريا، وإنما إنسان حالم يجلس في “الحمام” 3 ساعات. ويقول إن “حزب البعث العراقي تأسس على قاعدة نضالية لكن تصفية مناضليه الحقيقيين حولته إلى إدارة قمع وسلطة، وتلك نتائج سيادة خط ميشيل عفلق، الذي ازحناه واعتقلنا طارق عزيز 1968”. ويشير إلى أن حافظ الأسد كان يخشى من طموحات صدام حسين.

 
ويتكلم بحزن شديد عن هزيمة يونيه “حزيران” 1967 والإنكسار النفسي الذي تسببت فيه “”بعد هذه الحرب مكثت سبعة اشهر لم اظهر في مناسبة علنية” متهما الملك حسين بأنه “وضع قشرة الموز أمام قدم عبد الناصر وورطه في حرب 1967″، مستطردا بأن “عبد الناصر قال لي في ذلك العام: لدينا جيش من الكشافة” ويوضح أن الجيش السوري انهار عندما سمع بالانهيار على الجهة المصرية، وبعد ذلك ينتقل بالحديث إلى قرار مجلس الأمن 242 الذي يطالب اسرائيل بالانسحاب إلى حدود ما قبل 5 يونيه “حزيران” قائلا إن عبد الناصر هو صاحب صيغته”. ثم يتناول التعهد الإسرائيلي باستعادة الجولان ويصفها بأنها “جاءت نتيجة مفاوضات سورية إسرائيلية بدأها رفعت الأسد عندما كان نائبا للرئيس”.

 

ويكشف القصة الحقيقية للقبض على “كوهين” قائلا إن أمين الحافظ طلب منه قراءة بعض آيات القرآن فلم يستطع فقال لمرافقيه هذا جاسوس.ويرى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان منزعجا من عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري في ذلك الوقت والذي كان بمثابة الرجل القوي داخل الجيش، وكذلك من مجموعة المؤسسة العسكرية وكان يريد تصفيتهم، وجاءت هزيمة 1967 فاتاحت له فرصة ازاحة مراكز القوى ووضع كل مقاليد الحكم في يده، وأنه غيّب قوى كثيرة لو أقام تحالفا واسعا معها وديمقراطية شعبية لاختلف الوضع كثيرا .

 
كذلك من هذه العناوين أن عبد الناصر قال ليوسف زعين: “إن هيكل وحمروش والعالم وغيرهم يأخذون مني مرتبات”. ويؤيد النظرية التي تزعم أن عبد الناصر مات مسموما، قائلا: “إن هيكل يعرف الكثير لكنه صامت، وكتب عن أشياء غير حقيقية، وأنه ملغوم ويتلاعب بالمعلومات، ويجب ان تنتبه الاجيال وهي تقرأ له”. ثم وضع هوامش كثيرة على كتاب “الانفجار” لهيكل، مضيفا أنه “أورد وجهة نظري محرفة ومضحكة”.ويقول زعين إن “ما قاله باتريك سيل حول البروتوكول مع ديجول ليس صحيحا، هو ملفق للاحداث، كما لفق قصة اختبائي، وأن الفرنسيين في عهد ديجول كانوا أكثر تفهما”.

 
يبدأ الهامي المليجي تلك المذكرات التي التقطها من حواراته الخاصة مع يوسف زعين بالمقدمة التالية:
“أنا أريد أن أموت.. لا أتشبث بالحياة..عملت عملية جراحية لمدة 6 ساعات على مرض (ورم) في رأسي، الآن أعاني من حصى في المرارة، لا أريد أن أقوم بالعملية لأنه ليس هناك داع للبقاء على قيد الحياة، انظر إلى حقبة الستينيات بل السبعينيات، وانظر إلى التسعينيات.. كل من له إحساس بالوطنية إما أنه مات أو أنه يريد الموت.أنا لم أمت.. لذلك أريد الموت.

 
هذا ليس موقفا هروبيا، هذا، منطق جدلي.إذا لم تنحن للعاصفة فستنكسر النخلة.

 
” ياسر عرفات وطني لكنه طوعته العاصفة، من زواجه إلى اتفاقية غزة أريحا، كل ذلك بسبب أنه لم يمت، لذا فهو مسلوب الإرادة إلى أن مات. أنا أعرفه منذ أن كان صغيرا، الرجل وطني لكنه كان مسلوب الإرادة”.

 
” الملك حسين غرر بعبد الناصر، عبد الناصر أدرك اللعبة حاول إدخال الروس على الخط، أبلغهم أنه لا يستطيع القيام بالحرب ولا خوضها، أرسل لهم شمس بدران.الملك حسين من خلال الانجليز وضع “قشرة الموز” أمام قدم عبد الناصر، الإنجليز قالوا للملك حسين إن الإسرائيليين لن يحتلوا شبرا واحدا من حدود مملكته، لذلك طلبوا منه أن يدفع عبد الناصر باتجاه التوتر”.

 
“وعندما طار الملك حسين إلى القاهرة في بداية يونيو وأعلن اتفاقية الدفاع المشترك صعقنا في سوريا للخبر.قلت لعبد الناصر إن الموضوع مشبوه . قال إنه في انتظار معجزة لكن المعجزة لم تأت بل أتت أسراب الميراج”.

 
قديما قال شاعر عربي بيتا صار مثلا سائرا هو قوله: كفى بك داءا أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وصاحب هذه الكلمات التي تفوح من بين سطورها رائحة الموت وتكاد تهب عواصفه، اسم قادم من الماضي بأطيافه المزركشة وأحزانه الداكنة وآماله العريضة وهزائمه الكبيرة . ودون مقدمات فقد قرر يوسف زعين أن يتكلم، بعد ما يقرب من أربعين عاما من الخروج من السلطة. فتح يوسف زعين قلبه قبل أن يفتح “خزانة أسراره”، وقد اختار أن يكون حواره مع الكاتب المصري الهامي المليجي بعد أن اعتذر لآخرين وجهوا له الدعوة للكتابة أو التحدث عبر حوار مفتوح طويل.

 
والحوار يكتسب أهمية خاصة من أسباب عدة أولها أن المتحدث – كما يبدو من العبارة الواردة في بداية هذا الموضوع – حديث رجل يتمنى الموت ويفلسف موقفه هذا على نحوخاص قد نخالفه فيه – أوبالقطع نخالفه – لكنها تظل أمنية لها دلالاتها التي سوف تساعد حتما على وضع ما يقوله في سياقه الصحيح، على الأقل من الناحية الإنسانية.

 
الحوار يستعيد محطات مهمة من الماضي الشخصي والوطني والقومي، ويوسف زعين يفجر الكثير من المفاجآت تتصل بصدام حسين وميشيل عفلق وحافظ الأسد ورفعت الأسد وهواري بومدين وياسر عرفات ومحمد حسنين هيكل وغيرهم.

 
وهوبطبيعة الحال يدافع عن بعض ما تناله سهام النقد من تاريخه، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على بعض أحداث الماضي في ضوء ما استجد من تطورات دولية وإقليمية.ويقول المليجي إن هذا الحوار “الذكريات” تم خلال لقاءات متعددة تمتد بين 16 – 5 – 1994 و23 – 10 – 1999.

 
في العشرين من ديسمبر 1994 قبل الدكتور يوسف زعين الذي اختار الصمت لسنوات أن يودع صمته، واستهل حديثه قائلا في مرارة: “كثيرون طلبوا مني الكتابة عن فترة التوتر التي عشناها، والوطن العربي، كانت فترة تستحق الدراسة لكن طمسوها، لم يشوهوها فقط بل غيروها، سحقوها تماما. لا يراد للأجيال أن تعرف شيئا مما حصل. جورج طرابيشي طلب مني أن يقوم هوبالصياغة أوالحوار معي لكنني لم أسترح، أنا مشتت، العملية الجراحية التي قمت بها خطيرة جدا، لذلك لم أجد متسعا من الظروف يسمح لي بالتركيز. أنت (إلهامي المليجي) قم بهذه المهمة، بإمكانك تدوين ما أقوله”.

 
وفي ما يشبه المانشيتات الصحافية أطلق عبارة كانت مفتاحا للحوار: “أليكسي كوسيجين قال لي لا تقربوا النفط ، النفط يعني حربا عالمية ثالثة، هذا كلام ليس فيه غموض”. ثم انتقل ليروي قصة تجربته في حكم سوريا مبتدئا بقصة لها دلالاتها: “كتب شاب بعثي هو”مروان خلاص” مقالة صغيرة في مطبوعة أومجلة القوات المسلحة السورية فقامت القيامة، هوقال إن الدين يجب التعامل معه “بشكل آخر”، فقامت قيامة الجميع. كنا في مرحلة لا تسمح بذلك الطرح, هولا يمثل وجهة نظر أحد، كان المقال يخصه هو، طبعا هناك قوى تترصد. حافظ وخطه استغلوا الموضوع ودفعوا التناقضات للسطح. المهم حوكم الشاب وحكمت عليه المحكمة بثلاث سنوات سجنا”.

 
وكمن يستجمع شتات الذاكرة طاف الدكتور يوسف زعين بأشتات من الذكريات المتقاطعة: “نحن أتينا بالمفتى “محمد كفتارو” وهورجل يملك ثلث باصات الشام، كان معه شيخ متفهم ناصري هوالسيد الطويل على ما أذكر، كان المفتي يذهب إلى الخارج في زيارات، يعني المفتي كان من مؤسسة السلطة”.. . “كانت هناك تنازلات، نحن حكمنا ضمن جبهة وطنية حتى لو لم تعلن. لم نحكم بالطائفة أوالأقلية، بل حمكنا وفقا لتحالف كبير”.

 
وبالنسبة لتجربته في الحكم يؤكد الدكتور زعين أن “هناك طمسا لفترتنا لأن الجميع لا يريد تسليط الضوء على تلك المرحلة لأنها كانت بمثابة المادة المشعة التي يجب ردمها ودفنها: مقاومة، تأميمات، معركة نفط، قتال يومي مع العدو، جذرية في حل مشاكل المجتمع، ضرب لكل القوى غير الجذرية، مواجهة مع البورجوازية، دعوة لتثوير الوطن العربي. لذلك كله تآمرت كل القوى الداخلية والخارجية واعتبرت تلك الفترة “فترة التهور” في سوريا”.

 
وبداية الصراع داخل البعث السوري كما يروي كانت مع ميشيل عفلق: “دعونا البعث لاجتماع قومي، ميشيل عفلق أراد التخلص منا وتشكيل بدائل، لكننا انقلبنا عليه ووضعنا بدلا منه منيف الرزاز من الأمانة القومية وهومن جماعته ولكنها كانت خطوة وسيطة لابد منها. دعونا البعث لاجتماع قومي حضره بعث اليمن ولبنان وسوريا والأردن وكل فروع البعث، تغيب العراقيون لكنهم كانوا على اتصال بنا قبل ذلك. بعد تسلمهم للسلطة مجددا في 1968 أخذوا ميشيل عفلق من لبنان ثم شكلوا القيادة القومية ووضعوه على رأسها، وعندما عينوه كانوا يريدون “الشرعية البعثية.”