الأثنين: 21 مايو، 2018 - 06 رمضان 1439 - 08:35 مساءً
دفاتر
الثلاثاء: 16 يناير، 2018

محمد نعيم

كشفت وثائق إسرائيلية ما اعتبرته أسراراً تتعلق بحياة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، تناولت علاقته بزوجته تحية وأولادهما، ومواقفه غير المعلنة في عدد ليس بالقليل من قضايا المنطقة العربية، لا سيما قضية أكراد العراق، بالإضافة إلى موقفه من السلام مع إسرائيل.

وتضمنت الوثائق التي تزامن ظهورها مع الذكرى المئوية لميلاد عبد الناصر توقعات الإسرائيليين حول خليفته أنور السادات.

ارتباك أسري

نشر الأرشيف الإسرائيلي وثائق سرية تناولت حياة عبد الناصر الخاصة وعلاقته بزوجته تحية وأولاده.

يعود تاريخ تلك الوثائق إلى 13 ديسمبر 1959، وموجهة من شعبة الشرق الأوسط في الخارجية الإسرائيلية إلى جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، وهي عبارة عن تحرير لنص لقاء أجراه رئيس الشعبة في حينه يوسف عدس، سوري الأصل، مع سيدة يهودية تبلغ من العمر 50 عاماً، وابنتها البالغة من العمر 20 عاماً، بعد هجرتهما من مصر إلى إسرائيل.

وادعت الأم وابنتها أنهما كان يقيمان في منزل متاخم لمنزل عبد الناصر، وتمكنتا من جمع معلومات عن حياته الخاصة.

وجاء في الوثائق الممهورة بعبارة “سري للغاية”، أن عبد الناصر كان يتعامل مع زوجته بقسوة واستخفاف بالغين، وانتقل هذا الأسلوب منه إلى أولاده، الذين لم يدخروا وسعاً في إهانتها، ما حداها إلى التطاول عليهم وعلى والدهم الذي كانت تصفه وقت غضبها بـ”الصعيدي”.

وفي ظل هذه الحالة الأسرية المضطربة، اعتاد عبد الناصر النوم في غرفة خاصة بعيداً عن زوجته، واقتصرت رغبته فيها على إعداد الطعام فقط، لا سيما أنها كانت لا تغادر المنزل إلا قليلاً، ولا تهتم بمظهرها أو بثقافتها.

وفي ما يخص علاقة عبد الناصر بأولاده، قالت الوثائق على لسان السيدة وابنتها: “عبد الناصر يهتم فقط بابنه الأكبر”، لكن السيدة أخطأت في اسمه وقالت إنه “عمر” وليس خالد.

وتابعت: “ذات مرة خضع ابنه الأكبر لجراحة في المستشفى القبطي، ولم يغادر ناصر المستشفى نهائياً إلا بعد خروج الابن”. وعن ابن عبد الناصر الأكبر قالت الوثائق: “كان يلعب القمار، ويدخن السجائر سراً من دون علم والده”.

 

وفي العموم، كان عبد الناصر، بحسب هذه الرواية، حريصاً على عزل أبنائه عن المجتمع المحيط بهم، ولم يكن لابنه الأكبر سوى صديق واحد، وكانت السينما هي المكان الوحيد المسموح بارتياده خلال العطلة.

وعن سلوك عبد الناصر اليومي، قالت الوثائق: “كان شخصاً أكولاً، ويميل إلى قائمة الطعام الشعبي، خاصة الفول والملوخية، كما كان حريصاً على الاستحمام فور عودته إلى المنزل، لا سيما أنه كان شديد الاهتمام بمظهره الخارجي. ورغم أنه كان يصلي في الصباح، ويصوم شهر رمضان، كان يشرب الويسكي، ولكن داخل المنزل، أو بين دائرة ضيقة جداً من المقربين”.

أما في ما يتعلق بزيارات الشخصيات التي كانت تتردد على منزل عبد الناصر فكانت قليلة، ومنها زيارات صديقه وزير الحربية عبد الحكيم عامر، ومدير مكتبه أمين شاكر.

وأبدى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ورئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط الدكتور طارق فهمي تحفظاً كبيراً على ما جاء في الوثائق الإسرائيلية، مؤكداً أن “تعمّد تشويه صورة الزعيم الراحل واضحة جداً، ولا يبدو ذلك مستغرباً على دولة اعتبرت ناصر واعتبرها هو أيضاً العدو الأول”.

وأضاف فهمي لرصيف22 أنه رغم العداوة بين ناصر وإسرائيل، فإن الأخيرة كانت تحاول باستماته التواصل معه من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ولكن على طريقتها الخاصة التي ترفض فيها حتى اليوم الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، ومواقف الأسرة الدولية من النزاع العربي الإسرائيلي.

ناصر والسلام والأكراد

وثائق أخرى نشرها الأرشيف الإسرائيلي حول لقاء أجراه مراسل الإذاعة الإسرائيلية (صوت إسرائيل) عاموس غوردون مع الصحافي اليهودي المصري الفرنسي إريك رولو عقب لقاء أجراه الأخير مع عبد الناصر في باريس لصحيفة لوفيغارو الفرنسية.

اللقاء الإسرائيلي مع رولو جرى في 15 يوليو 1963، وحاول المراسل فيه إلقاء الضوء على انطباعات الصحافي الفرنسي عن عبد الناصر الذي كانت تربطه به صداقة.

ومن بين القضايا التي نقلها رولو عن عبد الناصر أنه “يسيطر جيداً على جيشه، لكنني لم أحصل على انطباع باستعداده لحرب قريبة على أية جبهة، وما يبدو لي أيضاً هو أنه لا يعتزم البدء بالحرب، لذا أكد مراراً أن خطر الحرب سيكون دائماً من جانب إسرائيل وليس مصر”.

“تعمّد تشويه صورة الزعيم الراحل في هذه الوثائق واضحة جداً، ولا يبدو ذلك مستغرباً على دولة اعتبرت ناصر واعتبرها هو أيضاً العدو الأول”

ورد رولو بالسلب على إمكان عقد لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول وعبد الناصر، وأوضح: “نهائياً، ناصر، لن يلتقي بشخصية إسرائيلية، ولن يتفاوض حتى مع الإسرائيليين، ويعتقد أن أي اتفاق مع إسرائيل سيكون من خلال الأمم المتحدة فقط، كما أنه يرفض التطرق إلى الحرب أو السلام مع إسرائيل، لكنه يرى أن النزاع العربي – الإسرائيلي تكمن في حل مشكلة عودة اللاجئين، وتنفيذ قرار الأمم المتحدة بعودة إسرائيل إلى حدود التقسيم”.

وحول أزمة أكراد العراق، نقل رولو موقف عبد الناصر منها، مشيراً إلى أنه يعترف بوجود الأمة الكردية، اعتماداً على اعتراف العراقيين أنفسهم بهذه الأمة في وقت معين، إلا أنه يرى أن حل تلك القضية لا بد أن يكون بالتفاوض فقط، فالحل النهائي سيُعتمد وفقاً لرأي عبد الناصر من خلال وحدة عربية تنطلق من القاهرة، وهو ما يمنح الأكراد حكماً ذاتياً قوياً، لكن ما يخطط له عبد الناصر، وفق تقييم رولو، هو حكم ذاتي يبتعد تماماً عن تصوّر الأكراد، من دون أن يحدد رؤية ناصر.

ملف حول السادات

لم تتجاهل إسرائيل قراءة ملامح عقل وشخصية خليفة عبد الناصر، فبعد وفاة الأخير أعدت الخارجية الإسرائيلية ملفاً خاصاً حول أنور السادات، لكنه انطوى على بعض الأخطاء، منها أن السادات من مواليد 1911، والثابت هو أنه من مواليد عام 1918 مثل عبد الناصر، وأن زوجته الثانية جيهان ألمانية الأصل، في حين أن والدها مصري يحمل الجنسية البريطانية ووالدتها بريطانية.

رغم ذلك أورد ملف السادات، الذي نشره الأرشيف الإسرائيلي أن وريث عبد الناصر لا يتمتع بأفق سياسي، وأنه اعتاد تدخين مخدر الحشيش حتى أصبح مدمناً عليه، وأن ذلك يبدو بوضوح من خلال نظرات عينيه، كما أنه يمثّل اليمين المصري، ومعروف بمعاداة إسرائيل، ولم يخف في حواراته تأييده وإعجابه بألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

أما عن ملفه الصحي فأشارت معلومات الملف الذي يتألف من 6 وثائق إلى أن السادات سافر إلى بريطانيا بغرض العلاج من مرض في القلب على ما يبدو، وربما منعته إحدى أزمات هذا المرض من المشاركة في تشييع جثمان صديقه عبد الناصر، إذ راجت الشائعات حينذاك بأنه تعرض لأزمة قلبية مفاجئة.

وبشأن تقييم الدوائر الأمنية في إسرائيل للسادات، أوضح فهمي أنها كانت بالفعل تميل إلى اعتباره شخصية مهمشة في حاشية عبد الناصر، ولم تعوّل يوماً على احتمال تمتعه بكاريزما قيادية كالتي كانت تميّز عبد الناصر، لكن السادات استغل تلك التقديرات واعتمد عليها إلى حد كبير، عندما اتخذ قراراً بالحرب على إسرائيل وانتصر عليها في 6 أكتوبر 1973.