الأثنين: 22 أكتوبر، 2018 - 11 صفر 1440 - 04:02 صباحاً
ملفات
الأثنين: 11 يونيو، 2018

تحوَّلت قضية مقتل الفتاة سوزانا فيلدمان المنحدرة من مدينة ماينز الألمانية إلى قضية رأي عام، يُعلق عليها كبار المسؤولين، ويشغل كشف ملابساتها الجهات الأمنية في البلاد، ما جعل عملية القبض على المشتبه به الرئيسي في الجريمة، العراقي علي بشار، تكتسب أهمية بالغة.

تسابقت وسائل الإعلام المحلية على تصويره ومرافقته على متن الطائرة التي تم ترحيله على متنها، من مدينة أربيل إلى فرانكفورت، يوم أمس السبت لرصد تفاصيل الواقعة.

ابني بريء

لكن يبقى السؤال لماذا سافر علي إلى ألمانيا بالأساس، ولِمَ قدَّم على طلب للجوء، طالما كان بمقدوره العودة إلى أربيل؟ فكان لنا لقاء مع والدة علي بشار لتجيب عن تساؤلاتنا. السيدة صرَّحت لـ”عربي بوست” أن ابنها بريء من التهم المنسوبة إليه، وأن ما يلاقيه من اتهامات لا أساس له من الصحة، وأضافت “صديقه اللاجئ التركي قد يكون هو من قتل الفتاة الألمانية (سوزانا فيلدمان)، علي لا يذكر شيئاً عن الحادثة بسبب الحبوب المخدرة التي كان يتعاطاها”.

وتقول “علي وسوزانا والشاب التركي (الذي) لا أعرف اسمه أصدقاء خرجوا أكثر من مرة في مدينة فيسبادن الألمانية، حسب ما تحدث عنه ابني، مستدركة “علي أخطأ في شيء ما لكن ليس هو القاتل، على السلطات الألمانية اعتقال اللاجئ التركي المشتبه به، والتحقيق معه لمعرفة ملابسات الجريمة”.

تشير السيدة بذلك إلى طالب لجوء تركي الجنسية (35 عاماً)، كانت الشرطة قد أعلنته مشتبهاً به أيضاً في الجريمة في البداية، قبل أن تطلق الشرطة سراحه بعد أن أثبتت عدم إدانته.

أوضحت والدة المشتبه به “مرض زوجي بشار والد علي هو ما دفعني إلى العودة إلى العراق، لا أعرف شيئاً عن الجريمة، ما تناقلته وسائل الإعلام عن سبب عودتنا إلى العراق غير صحيح”.

إلى ذلك دعت المسؤولين في إقليم كردستان والحكومة العراقية إلى إعادة ابنها المشتبه به بقتل الفتاة الألمانية ومحاكمته في العراق وفق القانون العراقي.

ولا تعلم الأم فيما يبدو أن الألمان الغاضبين من ابنها عبروا عن أملهم على شبكات التواصل الاجتماعي في أن يُحاكم في العراق وليس في ألمانيا. إذ ليس هناك حكم إعدام في ألمانيا، على عكس ما عليه الأمر في العراق. ووجد هؤلاء أن الحكم عليه في ألمانيا سيكون مخففاً بالمقارنة بالوضع في العراق.

وعلى الرغم من نفي والدة المشتبه به التهمة عن ابنها، لكنها قدمت في مقابلة مع تلفزيون دويتشه فيله، اعتذاراً لأسرة الضحية وعبَّرت عن أسفها عمَّا جرى.

متى وصل ألمانيا وكيف عاش فيها

وصل الشاب إلى ألمانيا، عاش فيها قبل أن تشهد حياته هذا التحول الدرامي ويصبح ملاحقاً دولياً، وفيما يلي تسلسل زمني لما جرى معه، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام ألمانية، وصرَّح أشخاص يعرفونه في مدينة فيسبادن حيث كان يقيم مع عائلته أخيراً في ألمانيا.

* وصل علي بشار (20 عاماً) إلى ألمانيا، في شهر أكتوبر/تشرين الأول العام 2015، أي في وقت ذروة وصول اللاجئين إلى البلاد. رئيس شرطة فيسبادن شتيفان مولر قال إنه جاء عبر تركيا واليونان، وأقام في مركز استقبال أولي في مدينة غيسن بولاية هيسن لفترة، قبل أن ينتقل للعيش في مأوى للاجئين بمدينة فيسبادن، رفقة والديه و5 من أشقائه وشقيقاته. الضحية سوزانا شوهدت في المأوى مراراً لأنها كانت تعرف شقيق المشتبه به علي.

* قدم في شهر أيلول/سبتمبر 2016 طلب الحصول على ما يُسمى “الحماية الفرعية”، معبراً عن خشيته من الموت أو التعذيب. خلال جلسة الاستماع في الشهر التالي، زعم أنه مهدد في موطنه العراق من حزب العمال الكردستاني.

بعد أن رُفض طلب لجوئه، في شهر ديسمبر/كانون الأول 2016، قام بالطعن في القرار أمام المحكمة وبات مقيماً بشكل قانوني في البلاد حتى الانتهاء من النظر في القضية.

* شهادة من قلب مركز الإيواء

نقل موقع شبيغل أونلاين عن 4 طالبي لجوء من المنطقة العربية مقيمين في مدينة فيسبادن (اثنان منهما في نفس المأوى الذي كانت تقيم فيه عائلة علي) قولهم إن المشتبه به في هذه القضية كان يتاجر بالمخدرات، ويبدو متعالياً ويشعر بأنه لا يمكن لأحد المساس به. يقولون إن العائلة كانت تقيم في 4 غرف متجاورة في الطابق الأرضي من المأوى، وكان الأب مريضاً جداً، مشلولاً نصفياً، وكانت الأم (زوجته الثانية) ودودة، لكن الاهتمام بالأطفال أثقل كاهلها.

يتحدث الأربعة كيف أن عدة أولاد (منهم علي) انحرفوا بشكل متزايد عن جادة الصواب، وباتوا يتاجرون بالمخدرات. وأن علي أكبر الأبناء كان في البداية صامتاً وانعزالياً، يتحدث بالألمانية بشكل سيئ، لا يشارك في أي دورات لغة بعد أن تم رفض طلب لجوئه. ويشيرون إلى أن علي التقى شخصاً أدخله عالم المخدرات، فبدأ بشكل متزايد ببيع الحشيش والماريجوانا، وبات يتواجد يومياً وسط المدينة ليبيع المخدرات، على بعد أمتار قليلة من مخفر الشرطة، التي لم ترصد أي علاقة له بالمخدرات، كما تشير النيابة العامة في فيسبادن.

يقول الشهود إن علي كان يشتري، من المال الذي كان يجنيه من الاتجار بالمخدرات، ثياباً غالية الثمن من ماركات شهيرة وأحذية رياضية يصل ثمن كل زوج منها إلى أكثر من 100 يورو.

ويتحدثون عن مصاحبة علي لفتاة على مدار أشهر، لكنه كان يحادث فتيات صغيرات أخريات في الشارع أيضاً. يقول موقع شبيغل أونلاين إن الضحية سوزانا كانت مهتمة بشقيق علي الأصغر، لكن الأخير لم يبادلها الشعور ذاته.

* بعد فترة بدأت الشرطة تحقيقاتها ضده في عدد من القضايا، منذ شهر فبراير/شباط الحالي، بينها مشاركته في مشاجرة، ومهاجمته شرطية والبصق عليها، وتهديده رجلاً وسلبه في قضية أخرى، إلى جانب الاشتباه فيه في اغتصاب فتاة (11 عاماً) تعيش في مأوى اللاجئين، الذي لم يتعزز حينها، لأن القضية كانت غامضة، ولم تكن السلطات متأكدة مما إذا كان الاغتصاب حصل بالفعل، وقول الفتاة إن المعتدي عليها اسمه علي، الأمر الذي لم يكن كافياً فيما يبدو لتحديد هويته، نظراً لعيش 4 أشخاص باسم علي في المأوى.

بداية الشكوك

* لم تعد الضحية سوزانا إلى منزلها في مدينة ماينز يوم الثاني والعشرين من شهر مايو/أيار الماضي، وتشير تحقيقات السلطات إلى أنها اغتصبت وقُتلت في مساء ذلك اليوم أو ليلتها، عبر ممارسة عنف على عنقها، ودُفنت في حفرة وتمت تغطيتها بأخشاب وأغصان شجر. الأم أبلغت الشرطة في ماينز عن اختفائها في اليوم التالي.

* حصلت الشرطة في ماينز، نهاية شهر مايو/أيار، على معلومة أرسلتها فتاة مقربة من الضحية للأم، تفيد بمقتلها ودفنها قرب سكة قطار، بحسب موقع “هيسنشاو“. في الثالث من شهر يونيو/حزيران الحالي، توجه فتى لاجئ (13 عاماً) يعيش في نفس المأوى لمخفر الشرطة، وأخبرهم عن المكان المحتمل لحصول الجريمة، مشيراً إلى أن علي بشار أخبره بنفسه بمسؤوليته عما جرى.

* ترك علي في الثلاثين من شهر مايو/أيار، قبل إصدار مذكرة اعتقال بحقه مع عائلته على عجل، بحسب الشهود، المأوى الذي كانوا يعيشون فيه.  بجوازات مرور بديلة وبتذاكر طائرة تم قطعها بأسماء مختلفة عن الأسماء الموجودة على وثائق إقامتهم في ألمانيا، سافروا، في الثاني من شهر يونيو/حزيران، من دوسلدورف إلى إسطنبول. ومن تركيا عبروا براً إلى كردستان العراق.

* أصدرت الشرطة مذكرة بحث بحق علي، في الرابع من يونيو/حزيران، وبدأ ما بين 300 و400 من عناصرها بالبحث عن الجثة حتى تم العثور عليها في السادس من الشهر.

* بعد أن أعلنت السلطات عن تفاصيل الجريمة وهوية المشتبه بهما في السابع من يونيو/حزيران، أعلن وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر، يوم الجمعة الثامن من يونيو/حزيران، عن اعتقال علي في كردستان العراق.

* قائد الشرطة الألمانية الاتحادية ديتر رومان تحدث لصحيفة بيلد عن إلقاء الأمن الكردي القبض على المشتبه به في اللحظة الأخيرة،مشيراً إلى أنه كان ينوي الفرار إلى بلد مجاور للعراق.

وكانت الصحيفة قد نقلت في وقت سابق عن اللواء طارق أحمد، توضيحه أنهم حددوا مكان أقارب المشتبه به في زاخو، وأفصح أحدهم لهم عن مكانه، عندما علم بالتهم الموجهة له.

وقال اللواء أحمد لـ”عربي بوست”، إن “قوات الأمن الكردية اعتقلت المشتبه به علي بشار، في أحد منازل أقاربه في مدينة زاخو التابعة لمحافظة دهوك”.

 قائد شرطة محافظة دهوك في كردستان العراق أعلن من جانبه أن علي بشار اعترف بقتل فتاة الألمانية، بعد ساعات من اعتقاله.

وأضاف أن بشار اعترف أثناء التحقيق بجريمته بقتل فتاة سوزانا فيلدمان الألمانية الجنسية، لكن أعطى رواية مختلفة للمحققين، مشيراً إلى أن سوزانا كانت صديقته. قتلها بعدما اندلع بينهما شجار وهددته بالاتصال بالشرطة”.

وبين أحمد للقناة الألمانية الثانية، أن المشتبه قال إنه وسوزانا مارسا الجنس وشربا المخدرات، وتملّك علي الخوف عندما قالت سوزانا إنها ستتصل بالشرطة، نظراً لوجود المخدرات ولأنها قاصر، فخنقتها بيدي.

جدير بالذكر أنه إن تم الحكم على بشار بحسب قانون العقوبات المخصص للقاصرين، وتمت إدانته، فإن أكبر عقوبة تتهدده هي السجن 15 عاماً، أما إن تم اعتباره بالغاً، فالعقوبة القصوى هي السجن المؤبد.