الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 10:36 صباحاً
اقلام
الأربعاء: 10 أكتوبر، 2018

عبد الله بشارة / كاتب كويتي

تابعت بكل اهتمام أحداث العراق، ونقف عند كل خطوة من هناك، في تحليل أبعادها ورصد أهدافها، هذه حالة موجودة في علاقتنا أيضاً مع إيران، وهما جوار الشمال والشرق، وكل منهما له سجل معروف مع الكويت، ونترك الآن إيران لأن خطواتها الدبلوماسية تتعرض للتغيير وفق خريطة المصالح وغلاظة التهديدات، ونركز على العراق الذي شهد تطوراً جيداً في اختيار رئيس الجمهورية الجديد برهم صالح، المتميز بالخبرة في العلاقات الدولية وعلى اطلاع بضرورة شروط تلاقي العراق مع الأسرة العالمية وانسجام سياسته مع أصول العمل العالمي، والتناغم مع الضوابط التي تتطلبها معاني حسن الجوار وطيب السلوك مع جميع الدول، لا سيما مع الجوار الخليجي في الكويت والمملكة العربية السعودية.

ومهما كانت التحليلات عن مغزى اختيار الرئيس برهم صالح، فبلا شك أن العراق حقق مكسباً كبيراً في اختيار الشخص الذي سيسهم في بناء قنوات التواصل العراقية – الدولية بالأسلوب الذي يستذوقه العالم ووفق القواعد المرسومة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

كان العبادي رئيس وزراء العراق السابق واعياً لضرورات العراق، وأبرزها التوافق الشعبي والتعايش بين الطوائف والأحزاب مرتكزاً على الدستور الذي ينصف الجميع ويستحضر همومهم ولا يهمش منهم أحداً، ويؤمن لهم حق التعبير وحق التقاضي في مجتمع محصن بالعدالة وسيادة القانون.

وأكبر الأخطاء التاريخية التي أضرت العراق وولدت ما يعانيه الآن من حساسيات ومخاوف، هي ظاهرة التهميش التي عاشتها مختلف الطوائف تحت حكم البعث الفاشستي، وحتى قبل ذلك منذ الانقلاب المؤذي عام 1958، ولن ينسى الشعب الكردي جريمة استعمال الغاز، ولا ما ذاقه من تنكيل ونكران آدميته.

كل ذلك من الماضي، فإذا أراد العراق أن يخرج من واقع اليوم، فمسؤوليته الأولى الوصول إلى التراضي الاجتماعي والسياسي المرتكز على اقتناع عام بالحاضر والمؤمن بحصيلة المستقبل.

وتبقى العلاقات العراقية مع الجيران، ونحن منهم، وسجل العراق السابق موحش وعنيف وطامع وهدام، استغل حسن الجوار فحوله إلى ابتزاز واستفاد من طيب المعشر فصنع منه الغزو، وحطم النظام العربي، وفتح قنوات العداوات بين الشعوب العربية، ولوث الذمم، وخدع قيادات ثم استعلى بالغرور الذي جاء إليه من كتائب فاسدين عرب وغيرهم متصوراً قدرته على هزيمة الكبار، ومتوهماً دوراً خاصاً به يوحد العرب ويقودهم إلى المجد مقتبساً أسماء كثيرة من التاريخ.

ليس من السهل القول اننا طوينا الصفحة، وإنما ندعو إلى عراق المستقبل الذي يتعامل معنا ومع دول الخليج باحترام فيه التقدير والمساواة وفيه الاستفادة من حصيلة هذه الدول في الاعتدال البناء المستخرج من شرعية تاريخية بتجارب تبعدها عن المبالغات والمغامرات، من دون تدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول كما كان يفعل صدام حسين، ومن دون التلميح بوسائل الابتزاز التي كان يلجأ إليها.

اتسم أداء الفريق الحكومي العراقي السابق تحت رئاسة العبادي بالتعقل العارف بأن دول الجوار الخليجية تدرس التاريخ وتستفيد من عبره، فما كان سهلاً في الماضي صار مستحيلا في الحاضر، كما أدرك العبادي وجماعته أن للخليج مكانة دولية سياسياً واقتصادياً واستثمارياً، ورصيداً للاعتدال وللدبلوماسية الاقليمية البناءة، وليس كما كان يراه حزب البعث اقليماً ثرياً بحكومات مترفة، وأن الخليج، منذ سقوط صدام، حمل الهموم العراقية السياسية والمعيشية إلى المنصات العالمية مدافعاً عن حصة العراق في العدالة والمساواة في العلاقات الدولية، وأن القيادات الخليجية تستفيد من ثقة العالم بها دافعاً عن العراق بنظام يحترم شرعية الدولة الوطنية العربية، ويستند على عطائها بمفردات ترفع الاعتزاز بها لدورها في حياة الفرد وفي تعليمه وترفع مكانته كمنبع الرقي والتقدم.

يوجد في الكويت تعاطف كبير مع واقع العراق برز في اتصال سمو الأمير برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فضلاً عن تبنيه تنظيم المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق، وتأكد هذا التعاطف داخل شبكة المجتمع الكويتي، المتعطش للاستثمارات في العراق والراغب في الحضور كصانع من صناع العراق الجديد.
يواجه العراق الجديد قضايا معقدة لن تحل إذا ما لم ينظم العراق أموره الداخلية وإذا لم ينفتح على الجيران في الجنوب الذين يشاركونه الهدف في بناء نظام عربي جديد فيه انفتاح انساني ديموقراطي مسنود بقوة القانون.

ويدرك المسؤولون في العراق حجم السنوات التي ضاعت فيها امكانات العراق بفرض العزلة عليه، واخفاق حكامه في بناء علاقات مفيدة مع مختلف تجمعات العالم، وعليهم الآن أن يشيدوا الجسور في مجالات السياسة والاستثمار والتعليم واقتباس الوسائل التي تساعد الحكم الجديد على منافع تعزز مسيرته، فقد أضاع العراق حيويته في شعارات بعثية وتجمعات وهمية أهدرت طاقته وأضاعت وقته في مشاحنات وجدل وخصومات حزبية وحروب مع دول الجوار، لأن حكامه من طبقة متخلفة مهووسة بالبقاء، دمرت الوطن، وأتلفت روحه، وهي المسؤولة عن مآسي اليوم.

سيكسب العراق الجديد الكثير مع تحقيق التوافق الاقليمي والدولي مع دول الجوار، وبالذات مع جيرانه الخليجيين، وأقربهم الكويت، التي لم تتأثر إرادتها كشريك للبناء في مسيرة العراق المستقبلية، مترفعاً عن مخلفات خديعة العصر، المتمثلة في الغزو المشؤوم، ومتطلعاً إلى دور ديناميكي لتشييد وطن عراقي ينضم إلى كتائب الخير في عالم مستقر ومسالم.