الأحد: 19 أغسطس، 2018 - 06 ذو الحجة 1439 - 09:50 مساءً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 5 يونيو، 2018

محمد عبدالرحمن عريف

تعود بدايات المرافق الشيعية في الشمال الإفريقي لكونه —برأي البعض—أرضاً مُهيأة لنُصرة المذهب الشيعي الإسماعيلي، وذلك أن التشيع منذ نشأته اتخذ صيغة مقاومة للعصبية العربية؛ فكما اعتمد في المشرق على الموالي من الفرس، اعتمد في المغرب على الموالي من البربر، وهي فرضية يدعمها الباحث أيمن فؤاد سيد، في كتابه الدولة الفاطمية في مصر: تفسير جديد، الصادر عام 1992.

التنوع العرقي والسياسي: البربر والعرب؛ الأدارسة والأغالبة

في مفاصل سياسية معينة، ثارت العصبية بين البربر والعرب الذين سكنوا بلاد المغرب. وقد كان عددٌ من مجتمعات البربر ينظرون إلى العرب على أنهم عناصر مغتصبة ودخيلة، وكانت تلك المواقف تدفعهم من فترة لأخرى إلى حركات انفصالية.

ولكن، كما يشير حسن ابراهيم حسن، في كتابه “تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب ومصر وسورية وبلاد العرب”،  لا يمكن اعتبار تمرد البربر على الولاة خروجاً على الدين، وإنما رغبة في التحرر من السلطة الحاكمة التي فرضت من الضرائب ما لم يفرضه الدين.

وكانت الدولة العباسية قد خلقت دولة الأغالبة لمواجهة دولة الأدارسة التي قامت على يد إمام علوي هو إدريس بن عبد الله، وقد خلفه ابنه ادريس، الذي قام بأمر البربر، فولى أمرهم أحسن ولاية.

ويرى البعض أن بربر شمال أفريقية كانوا مدفوعين في تشيعهم، بحبهم لآل البيت، حتى أنهم لم يفرقوا كثيراً بين هذا الحب وبين التشيّع.

كان لا بد أن يصطدم المجتمع الشيعي الوليد بدولة الأغالبة، وبالقبائل التي تريد الاحتفاظ بنظمها القبلية القديمة، وفي سنة 291ﻫ، توفرت الظروف لممهد الدولة الفاطمية، والداعي للخليفة المهدي في المغرب، أبي عبد الله، الملقب بالمعلم، فبدأ نشاطه العسكري، لتوسيع نطاق دعوته.

فبدأ جهاده من أجل نشر الدعوة، وأصبح من المحتم أن يغزو أراضي المجتمعات القبلية ومجتمع بني الأغلب، ومارس نشاطاً عسكرياً واسع المدى، وخاض معارك حربية كثيرة، لا مجال في هذا البحث في ذكر تفاصيلها العسكرية.

استمر جهاد أبي عبد الله، وتوالت انتصاراته، ففتح مدينتي ميلة وسطيف، وبعث برسائل إلى جميع المدن، يطمئن أهاليها، وأمر بقراءة هذه الرسائل من فوق المنابر، وحاول في أول أمره أن يقنع العلماء بمذهبه ويناظرهم عليه.

عملة الدولة الفاطمية، من مقتنيات المتحف البريطاني

مصر حفظت للخلافة الفاطمية مكانها في التاريخ

الواقع أن الدولة الفاطمية قد أصبحت حقيقة واضحة بعد جهود كثيرة وكفاح طويل. ومهما كان الرأي، فقد بدأ معها عهد جديد.

وما كاد القرن الثالث الهجري يُشرف على نهايتهِ إلا وكانَ الفاطميون الشيعة قد نجحوا في تتويج نشاطهم المكثف الذي قام به “تنظيم الدعاة” الذي استمر أكثر من مائة وخمسين عاماً، بإعلان قيام الخلافة الفاطمية في أفريقية في سنة 297هـ/908م.

ومع مرور الوقت بدا أنّ السياسة التي اتبعها الفاطميون في إفريقية وبـلاد المغـرب، كانت غير ثابتة، وتوالت المعارك والثورات، ومات القائم فتولى ابنه المنصور وأخفى موت أبـيه. ويمكن القول أنّ هذه الثورات الخارجية لم تعرف الدولة الفاطمية أخطر منها، حيث كادت تهدم أركانها وتقضي عليها، وهو ما يذكره النعمان في رسالة افتتاح الدعوة (تحقيق الدكتورة وداد القاضي، 1970).

مع كل هذا فقد كان الفاطميون يرون أن بلاد المغرب لا تصلح لتكون مركزاً لدولتهم، ومن ثم اتجهت أنظارهم إلى مصر، فأنفذوا إليها في مستهل القرن الرابع الهجري عدة حملات أخفقت جميعُها في تحقيق غايتها، وتعددت هذه المحاولات، فقد أرسلوا ثلاثة جيوش لتحقيق هذا الهدف فى السنوات 301هـ و307هـ و321هـ، كما يذكر محمد جمال الدين سرور، في كتابه تاريخ الدولة الفاطمية (الصادر عن دار الفكر العربي، عام 1995).

وقد نشط الدُعاة نشاطاً عظيماً في بداية الدعوة، فاستجابت لهم بعضُ قبائل كنانة في الفسطاط وجنوبها، وأخذت تُنادي بالخليفة الفاطمي المُعز لدين الله إماماً وارتبطوا به عقائدياً. وكان الخُلفاء بعد ذلك يخلعون على الدُعاة النعم والأموال تقديراً لخدمتهم المذهب الإسماعيلي وإخلاصهم للإمام.

وقف مع علامات بارزة في طريق الفتح، منها إعداد الجيش، الذي تم بعناية فائقة من ناحية الُعدة والعَتاد، وكذلك من الناحية النفسية، عن طريق الدعاية السياسية المنظمة التي مهّد بها الفاطميون لهذا الحدث.

شارع المعز في القاهرة: يشكل التاريخ الفاطمي جزءاً من النسيج المعماري والثقافي في مصر

التعددية الإسلامية التي رعاها الخلفاء الفاطميون في مصر

بدأت رحلة الفتح بعد أن رحل جوهر الصقلي، على رأس جيشه يوم السبت 14 ربيعِ الأول 358هـ/969م، لينجز مهمة وصفت بالعظيمة، ووصل مصر في الثامن عشر من شعبان أي السادس من يوليو/تموز، ونزل بموقع اسمه “المناخ”، ويُذكر أنه لم يواجه مقاومة، وسار الطريق نحو التفاوض.

وتم بذلك فتح مصر.

أدرك القائد جوهر فور دخوله مصر طبيعة المجتمع المصري، فمنح الأمان للمصريين في وثيقة كتبها بخطه، كما يذكر المقريزّي في كتابه الخطط المقريزيَّة. ما سلكه الصقليّ كان سُلوكاً دبلوماسيّاً هادئًاً مع المصريين، فأعلن في خِطبة الجُمعة الأمان لأهل السُنَّة وللمسيحيين واليهود، وهو ما يثبت براعة الفاطميين البالغة في الدعاية.

فالوثيقة مقبولة تماماً من أي قارئ مصري، فقد تعهد فيها الحكم الجديد بترك الحرية الدينية للمصريين، وعرض برنامج الإصلاح الذي سيقوم به.

ويعتبر البعض أن فتح الفاطميين لمصر سنة 358هـ/969م، هو أعظم انجازاتهم التي حفظت لهم مكاناً بارزاً في التاريخ.

عندما أصبحت الظروف مهيأة لاستقبال الخليفة المعز لدين الله، هنا كتب جوهر إلى المعز يدعوه للحضور إلى مصر، وكان انتقال الفاطميين لمصر انتقالاً بمعنى الكلمة، ولم يكن توسعاً بغرض كسب أرض جديدة للخلافة الفاطمية، وحلت القاهرة محل المنصورية (وقبلها المهدية)، كعاصمة جديدة.

وعلى نهج جوهر وسياسة الحريات استمر المعز، فلم يعمد إلى نشر الدعوة الشيعية في مصر إلا في أضيق الحدود، ونادراً ما جرت أي محاولة لدعوة الشعب المصري على اعتناق المذهب الاسماعيلي.

لقد شكَّل العصر الفاطمي عصر ازدهار، واعتبر امتداداً لما يعرف بـ”العصر الذهبي” للإسلام، ففي مجال نشر دراسة المذهب الشيعي، أنشأ الفاطميون الجامع الأزهر سنة 361 هـ/972م. وفي عهد الخليفة الثاني العزيز بالله، عُيّن فيه خمسة وثلاثون فقيهاً منقطعين للدراسة وتعليم الناس مبادئ التشريع الشيعي. حتى أن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن المصريين أقبلوا علي حلقات الدرس هذه إقبالاً شديداً.

وأنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395هـ/1005م، وزودها بالكتب من كل نوع في العلوم والآداب والعقائد وكان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار.

من القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، من شمال أفريقيا، من مقتنيات Chester Beatty Library في إيرلندا.

أنصفتها الدراسات البحثية، فهل تنصفها الثقافة الشعبية؟

تضاربت الآراء في الدولة الفاطميَّة لقلَّة الوثائق والمراجع العلميَّة الحياديَّة، فالأبحاث المُتوافرة اعتمدت إمّا آراء أعداء الفاطميين والذين شككوا في نسبهم وطعنوا في تصرُّفاتهم، أو آراء المُغالين في التشيع لهم.

يتّجه الرأي العام الشيعي القديم والمُعاصر إلى تمجيد الدولة الفاطميَّة، رغم أنَّ غالب الشيعة يتبعون المذهب الجعفري الاثنا عشري، عكس الدولة الفاطميَّة التي اتبعت المذهب الإسماعيلي

كان تاريخ الخلافة الفاطميَّة في مصر غامضاً للغاية، إذ كانت مُعظم مصادره التاريخيَّة لا تستقي من منابعها، أو أنها غير موجودة، أو مُزيفة أو مُضطربة، أو جافة، أو مُختصرة، فضلاً عن أن مُعظمها مصادر أدبية لا تُعطي فكرة مباشرة عنهم إلا بعد بحث وتمحيص، ومُعظم المُؤرخين نقلوا المعلومات دون مُناقشة، وقليلٌ منهم من درس التاريخ الفاطميّ دراسةً أكاديميّةً من بدايتهِ إلى نهايتهِ.

لذا فإنَّ الآراء والأقوال المُتعلقة بهم وبدولتهم كثيراً ما كانت إمَّا مُذمَّة أو كثيرة المدح، وبعضها القليل يقفُ موقفاً وسطيّاً، فيذكر ما للفاطميين من فضل على الحضارة الإسلاميَّة، وما كان لها من عُيوب.

بدأت الدراسات التاريخية العربية تُنصف الدولة الفاطمية بعض الإنِصاف بعد التدقيق في تاريخهم، وبدأ اعتماد الوثائق والمخطوطات، مما مكَّن الباحثين من تكوين فكرة عن تاريخ هذه الدولة.

عموم ما يقال أن عصر الدولة الفاطمية الذي امتدّ من عام 358-567هـ حتّى عام 969-1171م، يموج بعدد من الجنسيات المختلفة والعقائد المتباينة، فكان هناك العرب، والقبط، والروم، والأرمن، والأتراك، والسودان، والحبش، والبربر، والديلم، والأكراد، وغيرهم. وإن دل ذلك على شيء فيدل على التعددية الإسلامية التي تمتع بها الخلفاء الفاطميون، وهو ما يعرضه محمود أحمد محمد قمر، في كتابه “التسامح والإخاء الإنساني في الإسلام: دراسة تاريخية” (الصادر عن عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، عام 201).

تبقى إدارة شؤون الدول والأمم قائمة على محاولة كسب ود الرعايا سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، ودون خلل أو ما يضر بمصلحة الدولة، أمّا أصحاب الهوس الديني والعرقي-وهو موجود في كل دولة- إنما يتهافتون نحو أغراض سياسية أو اجتماعية أو دنيوية، وكثيراً ما تكون بعيدة عن نصوص الشرائع السماوية التي جاءت لسعادة الإنسانية جمعاء.

الآن وقد بدأت الدراسات والأبحاث تتناول عصر الفاطميين وخلافتهم، هل تتشربها الثقافة الشعبية لتنسج في المخيلة الجمعية صورة منصفة لهم؟

صورة المقالة، قطعة نسجت في العهد الفاطمي، من مقتنيات متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون (The Nasli M. Heeramaneck Collection, gift of Joan Palevsky‎).

المصادر: أيمن فؤاد سيد، الدولة الفاطمية في مصر: تفسير جديد؛ حسن ابراهيم حسن، تاريخ الدولة الفاطمية؛ المسعودي، مروج الذهب؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ؛ النعمان، رسالة افتتاح الدعوة؛ ابن خلكـان، وفيـات الأعيـان؛ المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، والخطط المقريزيَّة؛ أبو العرب تميم، طبقات علماء إفريقية وتونس؛ محمد جمال الدين سرور، تاريخ الدولة الفاطمية؛ أحمد بن حميد الدّين بن عبد اللّه الكرماني، راحة العقل؛ أحمد فكري، مساجد القاهرة ومدارسها: العصر الفاطميي؛ جلال الدين السيوطي، تاريخ الخُلفاء؛ عبدالمنعم سلطان، المجتمع المصري في العصر الفاطمي؛ محمود أحمد محمد قمر، التسامح والإخاء الإنساني في الإسلام.