الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:16 صباحاً
ملفات
الخميس: 30 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

احمد الدباغ

«لم يدر في خلدي أبدًا أن يشهد العراق يومًا يوشك أن تتحول فيه القوانين من المدنية إلى الطائفية»، هذا ما قالته الناشطة في حقوق المرأة زينب البستاني لـ«ساسة بوست» وهي تتحدث عن قانون الأحوال الشخصية الجديد المراد إقراره في العراق؛ ليحل بديلًا عن قانون الاحوال الشخصية العراقي لعام 1959 المعدل.
ما هو قانون الأحوال الشخصية الجعفري المقترح؟
في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وزير العدل العراقي السابق، حسن الشمري، المنضوي ضمن حزب الفضيلة الاسلامي، أحد مكونات التحالف الوطني الشيعي، أكبر كتلة نيابية في البرلمان العراقي، اقترحقانون الأحوال الشخصية «الجعفري» الموافق لمرجعه الشيعي والفقهي «اليعقوبي».
لم يفلح حينها السياسيون العراقيون في تمريره داخل قبة البرلمان، لكن وبعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، نجح المؤيدون لمشروع القانون في الأول من نوفمبر 2017 في عرضه أمام البرلمان العراقي، ونجح مروجو القرار في أن ينتزعوا تصويتًا برلمانيًا على القانون من حيث المبدأ، مع رفع مسمى «الجعفري» من القانون، وإبقاء مواده.
ينص هذا القانون في تفاصيله على السماح للصبي بالزواج فوق سن الـ15 عامًا، والبنت التي أكملت التاسعة من العمر، وإلغاء أي مواد وفقرات وبنود كانت تحدد سن الزواج بـ18 عامًا كعمر أدنى للزواج، ويفرض التعديل الجديد الزواج وفقًا لمذهب المتزوج والمتزوجة، سنيًا كان أم شيعيًا، مع أن القانون القديم كان يعطي الحرية للمتزوجين في اختيار المذهب الذي يشاءون.
ويفوض القانون دائرتي الوقفين: السني، والشيعي، بالزواج إلى جانب المحكمة، كذلك في حالات الطلاق والميراث، موجبات القانون الجديد – من وجهة نظر مشرعيه – أن القانون القديم لا يتوافق مع المذهب الشيعي، مع أن قانون 1959 المعدل استند إلى أحكام وثوابت الشريعة الإسلامية، واعتمد مزيجًا فقهيًا من المذهبين: الشيعي، والسنّي، وأعيد تعديل القانون القديم في ستينات وسبعينات وثمانينات الماضي، حتى صار مرجعًا لجميع المذاهب الإسلامية في العراق.
تقول الناشطة في حقوق المرأة زينب البستاني لـ«ساسة بوست»: «إن القانون الجديد، فيما لو أقر، فإنه سيكون بمثابة الكارثة، وسيكون القانون شبيهًا بقانون الأحوال المدنية اللبناني، ولكن بشكل أكثر طائفية؛ حيث إن القانون اللبناني يمنع الزواج بين الأشخاص من أديان مختلفة، في حين أن القانون الجديد في العراق سيعقد المسألة داخل الدين الواحد، بحسب البستاني».
ما موقف الأمم المتحدة من القانون الجديد؟
صدى دولي وأممي ناله القانون المقترح الجديد، حيث دعت بعثة الأمم المتحدة في العراق «يونامي» إلى تكثيف المشاورات حول التعديلات المزمعة لمسودة قانون الأحوال الشخصية العراقي؛ لأجل ضمان احترام كامل لحقوق المرأة.
من جهته، دعا الممثل الخاص للأمين العام في العراق «يان كوبيش» مجلس النواب لانتهاز فرصة تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي انتقدته الهيئات الحقوقية مرارًا بموجب معاهدات الأمم المتحدة بحسبه، لإجراء مشاورات موسعة ومناقشة مسودة التعديلات، بما يضمن التأكيد والالتزام بحقوق النساء والأطفال في العراق، وضمان هذه الحقوق، وحمايتها، وتحقيقها فيما يخص المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق والمسائل ذات العلاقة.
بم سيضر القانون الجديد المرأة؟ وهل يدعم القانون زواج القاصرات؟
الزواج برضا الطرفين، ربما لن يكون ممكنًا، فيما إذا أقر القانون الجديد، يقول رئيس اتحاد الحقوقيين العراقيين محمد نعمان الداودي: يعد عقد الزواج عقدًا رضائيًا متمثلًا في: إيجاب من أحد طرفيه، وقبول من الطرف الآخر، وهذا ما تنص عليه المادة الرابعة في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
ويضيف الداودي «أن التعديل المقترح لا يجعل عقد الزواج رضائيًا، بذريعة أن الفتاة البالغة الرشيدة البكر مهما بلغت من العلم أو الرفعة المهنية أو الوظيفية تتزوج بشرط إذن الأب أو الجد للأب، في حال غياب الأب، وأن حقها في اختيار شريك حياتها لا يكون، إلا من خلال الولي عليها».
ويرى الداودي أن التعديل الجديد فيما لو أقر نهائيًا، واعتمد كقانون؛ سيحرم المرأة حرية اختيار شريكها، وهذا يخالف أحكام المادة 16/1-ب من اتفاقية «سيداو» التي منحت نفس الحق في اختيار المرأة للزوج؛ ما يعني أن المرأة البالغة الرشيدة غير المتزوجة ستعامل معاملة الطفل أو فاقد الأهلية من حيث الولاية، بحسبه.
Embed from Getty Images
تجمع مجموعة من النساء يطالبن بحقوقهن في بغداد
ومن حيث مخالفة القانون الجديد لأحكام الدستور، أوضح الداودي أن التعديل الجديد يشكل مخالفة لأحكام المادة 14 من الدستور، والتي تنص على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس.
هل يكرس القانون الجديد المقترح الطائفية في العراق؟
يعيش العراق وضعًا غير مستقر منذ عام 2003، وأثر ذلك على النواحي الأمنية والاجتماعية؛ ما تسبب في توترات طائفية لم تزل البلاد تعاني منها. قانون الأحوال الشخصية الجديد سيكرّس الطائفية في العراق، بحسب نقابة المحامين العراقية، حيث طالبت النقابة مجلس النواب بسحب مقترح قانون الأحوال الشخصية، معتبرة إياه تكريسًا للهوية الطائفية على حساب مبادئ المواطنة في البلاد.
وفي بيان صدر عن نقابة المحامين جاء فيه: أن القانون المقترح «يؤدي إلى تكريس الهوية الطائفية على حساب مبادئ المواطنة، وخسارة الحقوق المكتسبة للمرأة بموجب القانون النافذ للأحوال الشخصية»، كما أوضح بيان النقابة، أن القانون الجديد سيؤدي إلى تعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات في البلاد؛ ما سيجعل السلطة القضائية غير مستقلة خلافًا للمواد الدستورية (19-87-88)، إضافة إلى أن القانون سيشرعن الجريمة، ويجعلها مباحةً بالنسبة للزواج خارج المحاكم.
كما أكد البيان أن القانون سيحرم الزوجة من التعويض في حال الطلاق التعسفي، فضلًا عن حرمانها من إرث الأراضي التي تركها الزوج، إضافة إلى إلغاء الوصية الواجبة؛ بما يضر بالأولاد المتوفى عنهم والدهم.
ما الموقف السياسي من القانون الجديد؟
كتل برلمانية ونواب رفضوا مشروع القانون الجديد، واعتبروه إهانة للمرأة وتكريسًا للطائفية، إذ دعت، عضو اللجنة القانونية في البرلمان العراقي، فرح السراج، أعضاء مجلس النواب، إلى رفض مسودة قانون الأحوال الشخصية المقترح، وعدم التصويت عليه، في حال عرضه على البرلمان للمصادقة.
Embed from Getty Images
جلسة نقاشية في مجلس النواب العراقي
وقالت عضو اللجنة القانونية في البرلمان العراقي عن كتلة «القوى العراقية»، النائب فرح السراج، في تصريح خاص لـ«ساسة بوست»: «نتمنى أن لا يقر القانون في نهاية المطاف، لكن هناك محاولات حثيثة من أطراف وشخصيات برلمانية نافذة لإقراره».
وأضافت فرح، أن هذا القانون هو محاولة من أطراف برلمانية لمغازلة جمهور «فئة معينة» قبيل الانتخابات، وأنه يدخل ضمن الدعاية الانتخابية المبكرة للكتلة التي قدمت القانون، وعن فقرات ومواد القانون الجديد قالت السراج: «إن بعض فقرات القانون تصادر الحريات التي نصت عليها العهود والمواثيق الدولية التي كان العراق قد صادق عليها».
مضيفة أن القانون النافذ يحدد فترة حضانة الأم للطفل الذكر بتسع سنوات، بعدها يخير الطفل بين أبيه أو أمه، وهذا معمول به الآن، أما القانون المزمع تمريره في البرلمان، فسيجبر المرأة على التنازل عن طفلها الذكر، وهو في عمر السنتين، إلى والده، وأوضحت فرح أن أخطر ما في القانون هو إرجاع العراق إلى ما فعله تنظيم «داعش» وتقسيم الناس على أساس: مسلم، وذمي، ومرتد، بحسب وصفها.
وأكدت السراج «أن مثل هذه الألفاظ لم ترد علانية في نص القانون، لكن مآلات القانون ستصل بنا إلى ما وصل إليه داعش»، وذلك من خلال الطلاق التعسفي الذي قد يصدر عن الزوج، فيما لو تلفظت الزوجة بكلام يعده المذهب مخرجًا عن الدين.
وفيما يخص النصوص المتعلقة بالمواريث في القانون الجدي، أوضحت فرح أن القانون النافذ في المواريث يوجب على الشخص استحصال القسام الشرعي الذي يخير توزيع الإرث بين ما نصت عليه الشريعة، أو اتباع القانون المدني الخاص بذلك، أما في القانون الجديد، فعقد الزواج عندما يبنى على مذهب معين، فإن جميع التفاصيل اللاحقة ستبنى وفق المذهب الذي عقد على أساسه الزواج، ومن ضمن هذه التفاصيل الإرث، فمثلًا عندما تتكون العائلة من أكثر من فرد، وكل واحد منهم كان قد عقد قرانه على مذهب معين، فعندما يحين وقت تقسيم الإرث، فإن ذلك سيجبرهم على العودة الى دار الإفتاء في كل مذهب، والدخول في مشكلة كبيرة، والبلد في غنى عنها، بحسبها.
الكتلة السنية من جانبها رفضت مشروع القانون الذي صوت عليه البرلمان في الأول من نوفمبر الماضي، صلاح الجبوري، رئيس الكتلة النيابية لتحالف القوى العراقية السنية، أكد رفض الكتلة لتعديل قانون الأحوال الشخصية، وقال: «إن القانون يمثل إهانة للمرأة، وتكريسًا للطائفية والاختلاف المذهبي، ويساهم في القضاء على الأسرة بشكل عام»، وأضاف الجبوري، أن المرحلة المقبلة توجب على البرلمان الاهتمام بتشريع قوانين ذات بعد اجتماعي وسياسي تصالحي، لا مشاريع تساهم في دق إسفين التفكك الأسري والمجتمعي في البلاد، فضلًا عن ترسيخها الاختلاف المذهبي، بحسب الجبوري.
ما رأي خبراء القانون في القانون الجديد؟
«قانون يخالف الدستور والمعاهدات الدولية، وحتى الشريعة الإسلامية»، يقول المستشار القانوني أحمد الجبوري لـ«ساسة بوست»: «إن نص القانون الجديد يخالف في بعض بنوده مبدأ الفصل بين السلطات في البلاد، والمنصوص عليها في المادة 47 من الدستور، حيث إن القانون الجديد يلزم المحكمة باتّباع ما يصدر عن المجمع العلميّ في ديوان الوقف الشيعيّ والسنّي، تبعًا لمذهب الزوج، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي المرجع الدينيّ الأعلى في النجف، أو برأي المفتين وفقًا للمشهور من الفقه السنّيّ، وبهذا يكون رأي السلطة القضائية محكومًا بعوامل وضوابط خارجة عن سياقاتها من خلال ربط المحكمة بالمجلس العلمي للإفتاء في كلا الوقفين الشيعي والسني».
وأضاف الجبوري، أن القانون فيما لو أقر فإنه سيمثل خرقًا آخر يتعارض مع نص المادة 14 من الدستور، التي تنص على أنّ «العراقيّين متساوون أمام القانون، دون تمييز بسبب الجنس، أو العرق، أو القوميّة، أو الأصل، أو اللون، أو الدين، أو المذهب، أو المعتقد، أو الرأي، أو الوضع الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ».
وعن تأثير القانون في حرية الزواج وفق المذهب الذي يشاؤه الفرد، يقول الجبوري: إن العراق يتجه الى «لبننة» قانون الأحوال الشخصية، مع إضافة مزيد من التعقيدات التي لا يحتويها القانون اللبناني أصلًا.