الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:18 صباحاً
ثقافة وفن
الأربعاء: 29 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

أحمد متاريك

نشأت الحاجة إلى “تصحيف” سُوَر القرآن عقب ارتداد معظم قبائل العرب عن الإسلام فور وفاة الرسول، فبسبب الحروب الضارية التي خاضها الخليفة الجديد أبو بكر معها لإعادتها إلى رشدها وطاعة راية الدولة الإسلامية، مات قسم كبير من صحابة الرعيل الأول؛ حَفَظة القرآن الذين عاشوا أيام الرسول واستودعوا آياته في صدورهم، وهنا بزغ التفكير الأول لجمع القرآن في كتاب لا يموت مهما مات خَزَنته في المعارك التي يبدو أن الدولة الناشئة لن تفرغ منها قريباً.
التجميع في عهدي أبي بكر وعمر
في العام 11 هـ/632م، وفي عهد أبي بكر جُمع القرآن من الصُحف (الورق) والعسب (جريدة النخل) واللخاف (حجارة رقيقة)، بعدما استحرَّ القتل بالقُرَّاء في اليمامة وغيرها، ورُتب كل هذا معاً وإن بقي “صحائف متفرقة” لم تُدمج بين غلافين في كتاب واحد، وشمل كافة القراءات السبعة التي نزلت على الرسول بلهجات العرب في “العَرْضة الأخيرة” من ملاك الوحي جبريل.
حُفظت هذه الوثيقة في منزل الخليفة بطبيعة الحال، لذا حَمَل اسمه في كتب التاريخ، وفي صُحُف أخرى لُقب بـ”الرَّبعة”، إلا أن اللقب الأبدي الذي التصق به هو “مصحف حفصة”، وهي زوجة الرسول “الصوامة القوامة”، وابنة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب التي حافظت على نُسختها ما يزيد على 30 عاماً، ولم تتركها من يدها حتى ماتت عام 41 هـ.
بعد وفاة أبي بكر انتقل الكتاب لعُهدة خليفته عمر بن الخطاب، الذي خالَف مسار الحِفظ في ختام حياته وأوصى بأن يوضع “المصحف” تحت رعاية ابنته، ربما لأنه لم يختَرْ لنفسه خليفة بشكل مباشر، وإنما استودع الأمر للجنة سداسية من صفوة الصحابة، لذا تدخل بشكل مباشر ليُبقي قُدس الأقداس بأمان في معية ابنته.
أقوال جاهزة
شاركغرد لم تكن لفظة “مصحف” قاصرة على القرطاس الذي يحفظ الوحي الإلهي، وإنما كانت لفظة تُطلق على أي كتاب يضمُّ عدداً من الأوراق مهما زاد أو قل
شاركغردجمع القرآن في مصحف واحد جاء على يدي “لجنة” كلفها عثمان بهذه المهمة، واعتمد على اختيار ونقاش وحوار بين أعضائها
شاركغردلم يعرف رسم القرآن الكريم التقديس الحرفي الذي نشهده اليوم إلا في نهاية عهد عثمان
بقي الكتاب في حوزة حفصة رغم كل المِحَن التي مرت بها الدولة الإسلامية، حتى عصر معاوية، ولم يخرج من بيتها إلا مرتين، الأولى حين كان جزءاً من انتفاضة عثمان على كثرة طُرق قراءته فاستعان به لوضع مصحفه الإمام، والثانية لحظة حرقه على يد حاكم المدينة، حينها، عبدالملك بن مروان، وهو الرجل الذي سيصير أحد أعظم خلفاء بني أمية فيما بعد.
الجَمْع “العثماني”
قصة الجَمْع “العثماني” معروفة، فبعد أن عاش الخليفة الثالث لحظات الاختلاف على قراءة القرآن عام 25 هجرياً، بعدما روّعه الصحابي حذيفة بن اليمان من مدى تباين المسلمين من أهل العراق والشام على قراءة القرآن في معسكرات القتال خلال فتح أرمينية وأذربيجان.
بعدها تكاد تجمع المصادر التاريخية على مسار قصصي واحد؛ شكّل لجنة رباعية ترأسها كاتب الوحي زيد بن ثابت الأنصاري “أكتب الناس”، وألحَقَ بها عبد الله بن الزبير الأسدي، وسعيد بن العاص الأموي “أعرب الناس”، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، جمعت المصاحف والرقاع من كل البيوت، بما فيها وثيقة حفصة، التي أبَت أن ترسلها إليهم حتى “عاهدها (عثمان) ليردنها إليها”، ثم قارنت اللجنة كافة الوثائق ببعضها بالإضافة إلى ما رسخ في صدورهم من آيات، حتى أتمّوا عملهم.
أسفرت مجهوداتهم عن أول كتاب للقرآن مُجمع بين “جِلدتين” في تاريخ الإسلام، استُودِع في دار الخليفة وسُمي بالمصحف العثماني، تيمناً باسمه. يورد ابن كثير في “البداية والنهاية” أن هذا المصحف صُنع منه سبع نُسخ وُزعت على مصر والبصرة والكوفة ومكة والمدينة واليمن والشام، درءاً لأي نزاع مستقبلي في الأنحاء، ثم أمَر عثمان بحرق كافة النسخ التي جُمعت، ولم ينجُ منها إلا مصحف حفصة الذي عاد معززاً إلى صاحبته فبقي في صونها لا يُمَس حتى ماتت.
مصحف حفصة ومصحف عثمان
“يتكون من 1087 ورقة من الرق، القطع الكبير وقياسها 57سم/68سم، وعدد الأسطر 12 سطراً، وارتفاعه 40 سم، مكتوب بمداد داكن وبخط مكي يناسب القرن الهجري، خالٍ من النقط والزخارف الخطية وتوجد فواصل بين السور عبارة عن رسوم نباتية متعددة الألوان.” هذا ما أقره الشيخ خالد الجندي في وصف المصحف العثماني في إحدى حلقاته التليفزيونية.

من الثابت تاريخياً أن عدداً من الاختلافات ميَّزت بين النسختين لأسباب ترجع إلى فلسفة عملية جمع كل واحد منهما، فبينما كان جَمْع أبي بكر مجرد حصد لكل الرقاع التي كُتبت عليها آيات الله وترتيبها دون الانتصار لأيٍّ من لهجات العرب ودون إلزام لأحد بضرورة اتباع ما فيها.
وهو ما يناقض تماماً المهمة “الأثقل من نقل الجبال” التي قامت لأجلها لجنة عثمان، التي قامت لوأد فتنة الاختلاف في مهدها، والتي لم تقتصر أشكاله فقط على نطق الآيات بطريقة مختلفة وإنما زادت في فِعل البعض بكتابة التفاسير في الحواشي وإضافة الأدعية والأحاديث إلى المتن باعتقاد أنها جزء من النسق القرآني، ما أورد قدراً من الاختلافات و”عَوَج اللسان” ليس بالهين، لم تخجل كتب التاريخ من التحدث عنه باستفاضة شَغَل مصحف حفصة أحد فصولها.
تجميع أبي بكر كان هدفه حصد كل الرقاع التي كتبت عليها الآيات، أما تجميع عثمان فكان هدفه وأد فتنة الاختلاف
شاركغرد
استند الأربعة على ركيزة أولى هي تغليب لهجة قريش على سائر الألسنة التي نطقت القرآن بعيداً عنها، ومثال ذلك قصة الخلاف الشهيرة بين أعضاء اللجنة حول كلمة “التابوه” تكتب هكذا أم “التابوت”، وانتصر فيها ذو النورين لشكل الكتابة المعروف حتى الآن لها قائلاً “اكتبوه بالتاء”، وكذا كتابة “الصراط” بالصاد بدلاً من السين، فقط لأن هذا ما درج عليه القريشيون، وهو توجه لم يخلقه الخليفة الثالث وإنما ظهر على استحياء بعهد عمر حين سمع رجلاً يقرأ الآية رقم كذا من سورة كذا قائلاً “من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه عتى حين”، فسأله “من أقرأكها؟”، فأجابه “ابن مسعود”، فصححها له عمر “حتى حين” وليس “عتى”، ثم كتب إلى ابن مسعود: “أما بعد فإن الله أنزل القرآن بلسان قريش فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام”.
والأخير كان له قدر كبير من الاعتراض على عملية جمع المصحف وحتى على تشكيل لجنة الحِفظ، فمن باب اعتباره لنفسه أن لا أحد أعلم منه بكتاب الله، هوّن أيضاً من شأن رئيسها قائلاً “أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ فوالذي نفسي بيده، لقد أخذت من فِي رسول الله بِضعاً وسبعين سورة، وزيد بن ثابتٍ عند ذلكَ يلعبُ مع الغِلمان”، كما أنه اعترض على حرق نسخته داعياً الناس إلى “غَل المصاحف” أي إخفائها بدلاً من إتلافها، وأصرَّ على أن الفاتحة والمعوذتين لسن من سور القرآن وإنما مجرد أدعية.
هل وُجد اختلاف بين النسختين؟
من الصعب بديهياً شيوع نسخة قرآن “مختلفة” في مجتمع وَقَرت الآيات في صدور أغلب سكانه، ولم تتمتع بأي قدر من الكهنوتية أو السرية ما جعل النص منذ لحظة نزوله متاحاً للمشاع، الأمر الذي يفضح فوراً أي محاولة تغيير أو إخفاء أو تبديل عما تركه الرسول من قرآن، لكن ظل عدم جمعه في حياته وتفرُّق رقاع الآيات هنا وهناك عُرضة لشبهة نسيان آية أو إضافة أخرى لحظة الجمع، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لأنباء شتّى حملتها كتب التاريخ، مُبرزة ظهور عدة “مصاحف” عدة لم تتباين فقط في أسماء مدونيها، وإنما في فحواها، فكيف ذلك؟
تميز المجتمع الإسلامي الأول عن غيره، بأن أغلب الناس حفظت الآيات القرآنية التي لم تتمتع بأي قدر من الكهنوتية أو السرية ما جعل النص منذ لحظة تلاوته متاحاً للمشاع
شاركغرد
كلمة “مصحف” لم تكن قاصرة وقتها فقط على القرطاس الذي يحفظ الوحي الإلهي، وإنما كانت لفظة تُطلق على أي كتاب يضمُّ عدداً من الأوراق مهما زاد أو قل.
يقول الشيخ عبد الله الجديع في كتابه “المقدمات الأساسية في علوم القرآن”: “لم يثبت حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله في إطلاق هذه التسمية على القرآن المجموع فيما بين الدَّفَّتين، لأنه لم يكن في عهده بين دفتين على هيئة المُصحف؛ وتسمية المصحف جاءت من الصُّحف التي جُمع بعضها إلى بعض فأصبحت على هيئة الكتاب”.
من جانبه يقول المستشرق تيودور نولدكة في موسوعته “تاريخ القرآن”، إن أقدم ما وَصَلنا من القراءات غير العثمانية للقرآن موجودة في كتاب “باب الزوائد من الأحرف التي خُولِف بها الخط”، لأبي عبيد والذي احتوى على أكثر من مئة صياغة أو قراءة مخالفة لنص عثمان.
التفرقة بين كلمتي “مصحف” و”قرآن”
لذا وجبت التفرقة بين كلمتي “مصحف” و”قرآن”، وعدم الاستغراب من انتساب الأولى في بعض كتب التاريخ بأسماء عدد من معاصري الرسول الذين اجتهدوا بتدوين القرآن في حياته، مثل مصحف عائشة وأبي بن كعب وابن مسعود وأم سلمة وحفصة وعبد الله بن الزبير وحتى مصحف فاطمة الذي يحتل ركناً أساسياً في العقل الديني الشيعي، وجلها آوَت ما ناله صاحبه من بعض سور القرآن أثناء صُحبته للنبي، وزاد عليها ابن أبي داود في كتابه الموسوعي “المصاحف” 11 مصحفاً عن أناس من التابعين خرجت منهم بعض القراءات المتفردة مثل عكرمة مولى ابن عباس وعبيد الله بن عمير الليثي وغيرهم.
يقول إبراهيم الجرمي في “معجم علوم القرآن” أن جميع هذه المصاحف الفردية لم تُطابق العرضة الأخيرة على الرسول، وأغلب الظن أنها المصدر الرئيسي لكل القراءات الشاذة التي عرفها المسلمون، وكلها الآن انمحت آثارها إلا من بعض المرويات في كتب الحديث والتفسير.
ابتكرت لجنة عثمان ترتيباً جديداً للمصحف، عما سبقها، وفقاً للطول، فكانت السورة الأطول في البداية تليها الأقصر منها تليها الأقصر وهكذا، فباستثناء الفاتحة “صيَّر عثمان الطوال مع الطوال والقصار مع القصار من السور” وفقاً لما ذكره اليعقوبي في “الإتقان”.
ولم يعرف رسم القرآن الكريم التقديس الحرفي الذي نشهده اليوم إلا في نهاية عهد عثمان، الأمر الذي فتَح المجال للصحابة بعهد الرسول لإضافة تفاسيرهم وشروحهم الخاصة على ما تضمنته “مصاحفهم” من آيات ومتون، لذا لم يكن غريباً أن تستعرض بعض الكتب التاريخية “زوائد” شهدها مصحف حفصة عن النسخة الأم من القرآن التي بين أيدينا الآن.
فيورِد الطبري في “جامع البيان” أنه شَمَل تغييراً للآية رقم 238 في سورة البقرة بإضافة عبارة “صلاة العصر” إليها تفسيراً لعبارة “الصلاة الوسطى” على نص “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (صلاة العصر) وقوموا لله قانتين”، وهو قول سرده السمعاني والنسفي وابن كثير والرازي وغيرهم في تفسيرهم للقرآن، وأورده جلال الدين السيوطي في “الدرر المنثور”، ومبدأ اعتمد عليه الزمخشري في “كشّافه” لبيان مدى أهمية صلاة العصر.
ويسير على ذات الدرب القرطبي في تفسيره، لحديث عمرو بن رافع، مولى حفصة، والذي أمرته فيه أن يكتب مصحفاً أملت عليه به “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى –وهي العصر– وقوموا لله قانتين”، وقالت: هكذا سمعتها من الرسول، ويعلّق القرطبي قائلاً “هذا دليل على أن رسول الله فسّر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو (وهي العصر)”.
وفي الآية 40 من سورة التوبة خلال الحديث عن نصر الله الذي أنقذ النبي وأبا بكر وهما في الغار رغم الحصار المضروب عليهما، إلا أنه “أنزل الله سكينته عليه”، يتسع الضمير في مصحف حفصة ويثبت أنها “عليهما” لتشمل الاثنين معاً وليس الرسول وحده، كما أورد السمعاني وابن عطية أبي حيان الأندلسيان في تفسيرهم، وغيرها من الأمثلة التي خلّدتها كُتب التاريخ والتفاسير.
مصير الصُحُف الأولى
في كتاب “المصاحف” لابن أبي داود، أنه لَما تولى مروان بن الحكم إمرة المدينة في خلافة معاوية، طلب الصحف من حفصة، ليحرقها؛ حتى لا يرتاب في شأنِها أحدٌ، فيظن أن فيها ما يُخالف المصحف الذي استقرَّ عليه الأمر، أو يظن أنَّ فيها ما لم يكتبه عثمان في المصاحف، فأبت أن تعطيها إياها، فبقيت تلك الصحف عندها إلى وفاتِها، فلمَّا توفيت حضر مروان جنازتَها، ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر (شقيق حفصة) بالعزيمة أن يرسل الصحف إليه، فنشرها بين الناس وأحرقها.
وبرر عبد الملك بن مروان فِعلته تلك، في رواية يسردها الزرقاني في “مناهل المعارف”، بأنه “خشي إن طال بالناس زمانٌ أن يرتاب في شأن هذه الصحف مُرتابٌ”، لأنها حتى وقتهم ظلت صحفاً منثورة لا تأخذ شكل الكتب المنظمة، فقرر حرقها كي لا يعتقد أحد أنها تختلف عن مصاحف عثمان الأئمة السبعة.