الثلاثاء: 21 نوفمبر، 2017 - 02 ربيع الأول 1439 - 02:36 صباحاً
على الجرح
السبت: 4 نوفمبر، 2017

د.حميد عبدالله

 

اذا كان للنجاح قتلى في العراق فان حيدر العبادي سيكون اولهم!
لا ازعم ان الرجل اجترح المعجزات ، لكنني لن اتردد عن القول انه حقق نجاحات جعلته هدفا لمن فشلوا قبله ، وصنع انتصارات اغاضت الذين انهزموا في المعركة ذاتها، وفي الميدان ذاته ، وضد العدو ذاته !
لخص رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني منجزات العبادي بثلاثة مكاسب من اهمها انه (جعل الجيش العراقي مرحبا به من المواطنين العراقيين) !
الاعتراف الايراني بان العبادي قد كسر حاجز الكراهية بين الجيش والشعب هو ، في وجهه الآخر، اعتراف بوجود هذا الحاجز في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ، وهذا الاعتراف، بقدر قسوته على المالكي كونه صدر من الدولة ( الحامية) له ، فانه يفسر اسباب الانهيار السريع للقوات العراقية المتمركزة في الموصل ، وهروب جنرالات النكسة امام نفر من عناصر داعش من غير مقاومة ولا ثبات ، ماتسبب بالنتيجة بكارثة عسكرية وسياسية وانسانية واخلاقية سيظل العراق يعاني منها لزمن ليس بالقصير!
لو كان العبادي قد حصل على اسلحة متطورة غير التي كانت بحوزة المالكي ، او اعتمد على جيش قد اعيد تأهيله وبناؤه ، أو استنجد بجيوش الحلفاء والاصدقاء لتقاتل معه على الارض ، لما كان له الفضل في تحقيق ماتحقق من مكاسب ، لكن الذي جعل للانتصارات دلالة ومغزى هو ان المدن العراقية تحررت بمعارك شرسة ، وربما غير مسبوقة في السياقات المعروفة لحرب المدن على ايدي الضباط والجنود العراقيين انفسهم الذين هزموا وفروا يوم كان المالكي وفريقه العسكري والسياسي هو الذي يقودهم !
عناصر المعركة نفسها لم تتغير اذن ، الذي تغير فقط هو القيادة السياسية والميدانية!
بين نكسة حزيران 1967 وانتصار اكتوبر 1973 ست سنوات لم تطرأ خلالها تغيرات او تطورات جوهرية في بناء الجيش المصري ، باستثناء انواع معينة من الاسلحة السوفيتية التي حصل عليها السادات ، غير ان القيادة المصرية وضعت نكسة حزيران واسبابها تحت المجهر وهي تعد الخطط لحرب تشرين !
لاتجوز المقارنة ، بالطبع ، بين عبد الناصر والمالكي، ولا بين السادات والعبادي ، غير ان المشترك الوحيد في الحالتين هو ان الجيش الذي يهزم في صفحة قتالية معينة يمكنه ان يمسح هزيمته بانتصارات باهرة في صفحة لاحقة ، اذا شخصت قيادته اسباب الهزيمة بشجاعة وجرأة ووضوح ، والفارق بين الحالتين ان قادة الجيش المصري لم يهربوا من الميدان ، ولم ينخرهم فايروس المحسوبية والفساد ، ولم يشتروا مناصبهم بمئات الالاف من الدولارات ، وعبد الناصر لم يكابر ،ولم يعلق الهزيمة على عوامل واسباب تحميه من تحمل المسؤولية ، ولم يزدد ،بعد الهزيمة ، اصرارا على التمسك بالسلطة ، على العكس وقف امام شعبه ، واعلن استقالته منصبه ، ومعها اقر بانه وحده ( يتحمل المسؤولية كاملة ) ، ثم بدأ صفحة اخرى من المواجهة مع اسرائيل بمعنويات اعلى ، وعزيمة أشد واقوى في حرب الاستنزاف التي استمرت حتى وفاته في ايلول 1970
استفاق العراقيون على ولادة سياسي هادئ ، يفعل اكثر مما يخطب، ويخطط اكثر مما يهرج ،فيما كانت اكثر الاستقراءات تفاؤلا ترى انه سيقضي سنواته الاربع ويغادر تاركا العراق ينوء باحمال تتصدع من ثقلها الجبال !
بالامس دخل العراق في مرحلة مابعد داعش بعد تحرير القائم، وتبددت اسطورة ( الخلافة) على ايدي العراقيين جيشا وحشدا وشرطة ومتطوعين ، وقبل اسابيع عادت كركوك الى مظلة السيادة العراقية لنشهد آخر فصل من مسرحية الكر والفر بين بغداد واربيل التي استغرقت مايقرب من 90 عاما !
في القادم من الايام سيدوس العبادي على راس ( الجني) حين يشكل لجنة تحقيقية عليا لفرز الجبان من المتواطئ من الخائن من الفاسد في قضية تسليم كبريات المدن العراقية الى داعش من غير مقاومة ولا استبسال، ثم يضع الجميع في سلة (التقصير او لتخاذل )وعندها يصمت اصحاب الخطب النارية و يلقمون حجرا !!
وبالتوازي والتوازن مع تلك الخطوة لابد من لحظة تامل للمشهد الامني لاعادة فرز البنادق وتصنيفها على اساس التوصيف القانوني لكل مسلح ، وهنا تبدأ ( ام المعارك) ، وهنا سيكون العبادي امام الاخطر من التحديات!
لا اظن ان رجلا بحصافة العبادي سيختار طريق المواجهة مع الفصائل التي ترى ان لها استحقاقات رتبتها فواتير من التضحيات والدم الذي سفح في جبهات الحرب ضد داعش ، ولن يسمح لذلك التحدي ان يصبح فتنة تتسع شرارتها لتصبح حريقا في عراق لم تفلح فرق الاطفاء بعد في اخماد حرائقه السابقة !
ارى ان السلاح سيبقى بايدي حامليه ولو الى حين شريطة ان تكون فوهاته الى الاسفل وصواعقه بعيدة عن البارود ، ثم ، وبعد حين ايضا، سيفاجئنا العبادي بحل يفض الاشتباك بين سلاح الدولة وسلاح( النشاط الخاص) بصفقة تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن شعوره المفقود بالامن منذ عقود ، ويبقي ل( المسلحين) شيئا من ماء الوجه الذي سيراق معظمه امام عتبة دولة مهابة شاء من شاء وابى من ابى
هي ليست احلام لكنها رؤية عساها تتحقق ، وهي تمنيات مشفوعة بامل كبير باننا امام عراق ينمو ولا يتآكل ، يتماسك ولا يتبعثر ، يستقر ولا يتبدد
اذا تحقق كل ذلك او بعض منه فان العبادي سيكون في مرمى رصاص الحسد والكراهية من خصومه ومنافسيه ، وربما سيكون قتيل نجاحاته لاقتيل حماقاته كما يقتل الفاشلون والمغامرون والمتسلطون على رقاب بني البشر بالعنجهية والصلف !