الجمعة: 22 نوفمبر، 2019 - 24 ربيع الأول 1441 - 02:10 صباحاً
بانوراما
الأحد: 23 يونيو، 2019

عواجل برس/ أن تكون ضدّ المكان، تطويّ التراب، وتتسّع حتى تملأ الكون

لا قداسة كصفةٍ خالصةٍ في “الأشياء” و”الأشخاص”، ونركّز على استخدام “لا” النافية للجنس، لأنها تنفي كلّ صفة جوهريّة، فأيّ تصوّرٍ عن قيمةٍ خفيّةٍ تعلو ولا يُعلى عليها، ليس إلّا تكويناً ثقافياً، وهنا يظهر شخص المتصوّف، الذي لا ينفي فقط الصفات ومعانيها وتقلّباتها، بل ينفي المادي أيضاً سواء كان حدود جسده أم غرضاً موجوداً في العالم، وحتى لو صُنّفت المقدسات الخمس، أفعالاً وأشخاصاً في جملةٍ واحدة، فظهورها وترتيبها هذا ثقافي أيضاً، وخَرْقُ هذا الترتيب يتحرّك بين الهرطقة، والكفر والتصوّف والشعر والفنّ، كلّها مجرّد إعادة تعريف وخلق تصوّرٍ جديدٍ لما هو قائم.

حتى لو صُنّفت المقدسات الخمس، أفعالاً وأشخاصاً في جملةٍ واحدة، فظهورها وترتيبها هذا ثقافي، وخَرْقُ هذا الترتيب يتحرّك بين الهرطقة، والكفر والتصوّف والشعر والفنّ. 

أبرز أشكال النفي هذه، وكَسْرِ الألفة التي يمارسها المتصوّف تتجلّى في علاقته مع المكان، وكأنه يطفو ضمن عالمٍ لا تتطابق صفاته مع حقيقته، فالأخيرة (الحقيقة) ليست إلا افتراضاً نضعه نحن ونسلّم به، ليأتي النفي المكانيّ هنا، كإعادة إنتاجٍ للحقيقة اللغويّة، وهذا ما يتجلّى في الحجّ، وطقسه الذي أعاد بعض غلاة الصوفيّة نفيه، كأبو مغيث الحلّاج، الذي يُقال إنه حُكم عليه بالقتل كونه جعل من غرفةٍ في بيته حَرماً و من حجرٍ في وسطها كعبة، إذ نُسب له:

“إن الإنسان إذا أراد الحجَّ ولم يمكنه ذلك، له أن يفرد في داره مكاناً مطهراً ينصب فيه ما يُشبه الكعبة، فيطوف حوله كما لو كان في مكة، ثم يجمع ثلاثين يتيماً ويكرمهم بالطعام ويخدمهم بنفسه ويغسل أيديهم ويكسو كلاً منهم قميصاً ويدفع إليهم سبعة دارهم، كانت له ثواب حجّة بأكملها “.

يرى “الرحمن الرحيم” كما يصف نفسه بأن الحجّ بالنيّة، هو لا ينفي الطقس بل يُعيد تعريفه، جاعلاً من المكان مفهوماً هشّاً، وتكويناً رمزياً لا تضبطه حدود ماديّة، وكما الطقس لا منطقي أو إعادة لتقاليد قديمة، فهذه “الأماكن” ليست إلا أسماء أطلقت على أشياء، يمكن الحفاظ على الاسم ونسبه لمكانٍ آخر، هي تصوّر يمكن التلاعب به وتحريره من قيوده الماديّة وإثباتها في مكانٍ آخر ننسب له ذات الرمزيّة.

“إن الإنسان إذا أراد الحجَّ ولم يمكنه ذلك، له أن يفرد في داره مكاناً مطهراً ينصب فيه ما يُشبه الكعبة، فيطوف حوله كما لو كان في مكة” منسوب للحلاج

“الأماكن” ليست إلا أسماء أطلقت على أشياء، فهل يمكن الحفاظ على الاسم ونسبه لمكانٍ آخر؟ وهل يمكن أن نحجّ في بيوتنا؟ هذا ما زعمه الحلاج

يُقال إن الحلاج كان يظهر في عدّة أماكن، حتى أثناء صلبه يقال أنه تنقّل في الأماكن، ويقال أنه كان لديه أن يذهب للأهواز بلمح البصر، ويصيد السمك ويعود ليطعم من يزوره. 

هذه النزعة للتحرّر من التراب نراها في ظاهرة “طي المكان”، الكرامة التي تُنسب لبعض الأولياء والمتصوّفة كونهم من أصحاب الحظوة، يجوبون العالم ويتخلّلون حجارته بل ويحجّون مراراً في اليوم وكأن لا مسافة تقف بوجههم، إذ يُنسب إلى أبو العباس المرسي قوله: “لو فاتني الوقوف بعرفة سنة، ما عددت نفسي من المسلمين”، وكأنه كان بلمح البصر يحجّ، ويحضر في كلّ مكان وزمان، وعيه مهيمن في كلّ لحظة لا يحدّه التراب ولا المسافة. هذا التجاوز للتصوّر التقليدي للإدراك ليس إلا لعباً لغوياً، حذلقةٌ شعريّةٌ من نوع ما، وفي ذات الوقت تحرّرٌ من الأصل، نحو أشكال مختلفة من “العبادة” ربّما، أو التجلّي الشعري، أو حتى الفانتازم بكلّ أشكاله.

لا يقتصر طي المكان هذا وألعابه اللغويّة والرمزيّة على الأماكن المقدّسة، إذ يُقال إن الحلاج كان يظهر في عدّة أماكن، حتى أثناء صلبه يقال أنه تنقّل في الأماكن، ويقال أنه كان لديه أن يذهب للأهواز بلمح البصر، ويصيد السمك و يعود ليطعم من يزوره، ونقرأ قصّة عن واحدٍ دخل بيته فوجد وراء لوحة على الجدار: “بستان عظيم فيه صنوف الأشجار المثمرة والأزهار وفيه خزائن فيها أنواع الأطعمة والحوائج، ووجدت بركة ماء كبيرة مملوءة أسماكاً كباراً وصغاراً فخضتها واصطدت سمكة كبيرة حملتها وخرجت وإذ برجلي قد صار فيها الوحل والماء إلى ركبتي مثلما جاءنا الحلاج فلما خرجت ورآني الحلاج وبيدي السمكة لحقني فضربته بالسمكة وهربت منه”.

“وقد كبر حتى ما بقي يسعه مكان”

حدود المكان هذه تتلاشى أيضاً على المستوى الذاتي، الكتلة التي يشغلها المتصوّف أو المُريد أو المهرطق قد تتغيّر لغوياً، الكلمات تعبّر عن الأعراض لا عن الجواهر، لتبدو أقرب إلى الشعر أو الهلوسة، لنرى أنفسنا أمام صورةٍ تستعيد التراث الشعري والرومانسي.

فالحلاج مثلاً نفى حدوده المكانيّة، وقيود جسده الذي يحتلّ مساحة محدّدة، وتلاعب بها حتى أثار الدهشة والرعب، فبعد أن اتُهمَ الحلاج المؤذن في الجامع بالكذب حين قال “الله أكبر” أثناء الآذان، اختبأ الحلاج في المدرسة وقفل عليه الناس هناك ليُحاكم، كونه كفر، وبعدها اتجه نحوه الناس مع الخليفة، وحين وصلوا “وجدوه قد خرج منها، وقد كبر حتى ما بقي يسعه مكان، فما قدر أحد أن يتقّدم إليه منهم، من الهيئة التي كانت عليه، فتركوه وساروا، فلما أصبح الصباح، أتوا إليه فوجدوه يبكي بكاًء شديداً” وتقول رواية أخرى أنه عاد طفلاً رضيعاً، وفي اليوم الثاني عاد كما هو.

الحلاج هنا يبدو في المتخيل الشعبيّ قادراً على الامتلاء وشغل المكان كله، ولو غابت الجدران مثلاً أن يملأ الكون كلّه، وجوده الماديّ هش، لا حجم ثابته له، وكأنه واحد من احتمالات الظهور، لا شكل مسبق له، هو متحوّل يختلف ويتمايز، ويعبر الزمان والمكان، حقيقة، يكمن وصفه بجسدٍ بلا أعضاء، لا نقاط ثابتة لتحدّد شكلاً ووظيفة مُسبقة له، هو الحق والشيطان في أيّ آن وفي كلّ مكان.