الأربعاء: 14 نوفمبر، 2018 - 04 ربيع الأول 1440 - 11:17 مساءً
ملفات
الأثنين: 7 مايو، 2018

ثروت منصور

كثيرون يعتبرون أن مسألة اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل لم تعد مسألة تكهنات واحتمالات بل إن المواجهة بدأت بالفعل، وتل أبيب هي مَن شرعت في إشعالها، بعدما قصفت طائراتها قاعدة سورية يتواجد فيها ضباط إيرانيون، ما أسفر عن مقتل عدد منهم، في تحدٍّ مهين لطهران.

ومن هؤلاء الصحافي الأمريكي توماس فريدمان الذي اعتبر أنه للمرة الأولى تجري مواجهة بين إسرائيل وإيران مباشرة، وليس عبر وسطاء، وهو ما أكده له مصدر عسكري إسرائيلي رفيع.

وحدد فريدمان جولتين في هذه المواجهة المباشرة، الأولى، جرت في العاشر من فبراير، حين أرسلت إيران طائرة بدون طيار فوق الأجواء التي تسيطر عليها إسرائيل قبل أن تسقطها الأخيرة، والثانية جرت حين أغارت طائرات إسرائيلية على قاعدة الـ”تي فور” في التاسع من أبريل، مضيفاً أن الجولة الثالثة “معلّقة” حالياً.

ولكن البعض يعتبر أن فصول المواجهة السابقة مجرّد مناوشات ويحذّرون من “نشوب حرب حقيقية”، وهو التحذير الذي أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معتبراً أنه خطر الحرب محدق بالعالم بحال انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.

يقول معظم الخبراء إن إيران ستنتقم حتماً من إسرائيل، وإنْ اختلفوا على تحديد نطاق هذا الانتقام، وذلك حفاظاً على صورتها وهيبتها، ولأن صمتها عن قتل إيرانيين في سوريا ستكون له عواقب وخيمة، إذ يعني أنها ضعيفة، ما قد يشجع تل أبيب على تنفيذ المزيد من الضربات ضدها، وربما سيشجع أطرافاً أخرى، في مقدمتها السعودية، على توجيه صفعات إليها.

هل يحدد ترامب موعد الرد الإيراني؟

في الوقت الحالي، تدرس طهران طبيعة الرد المناسب على إسرائيل. لكن السؤال الأكثر أهمية في إيران ووسائل الإعلام الدولية هو توقيت ومكان الرد: متى وأين تقع المواجهة؟

حول توقيت الرد الإيراني، نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر في الجيش الإسرائيلي تقديرها أن طهران لن ترد عسكرياً على تل أبيب قبل الانتهاء من الانتخابات البرلمانية في لبنان في السادس من مايو، لأنها محطة مفصلية في حياة حليفها اللبناني حزب الله السياسية، وقبل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفه من الاتفاق النووي قبل 12 مايو.

وأشارت الصحيفة إلى أن تحليلات العسكريين الإسرائيليين كشفت أن شحنات الأسلحة الإيرانية الثقيلة التي تصل إلى سوريا وكانت تُرسَل إلى حزب الله في لبنان لم يعد يجري العمل على عبورها للحدود اللبنانية وصار الهدف استخدامها في تعزيز التواجد العسكري الإيراني في سوريا، ما يولّد لدى تل أبيب اعتقاداً بأن الرد سيكون من الأراضي السورية.

في السنوات القليلة الماضية، كانت إسرائيل تقصف بشكل منهجي شحنات الأسلحة التي تحاول عبور حدود لبنان، منعاً لأي خلل في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، حسبما تقول.

ولكن في التاسع من أبريل تغيّرت المعادلة، إذ شنت إسرائيل غارة على مطار الـ”تي فور” العسكري، في حمص، وهي قاعدة عسكرية يتواجد فيها إيرانيون ما أسفر عن مقتل عدد منهم، اختلفت التقديرات حوله.

على المستوى الرسمي، أكد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بوروجردي أن بلاده سترد “في الوقت والمكان المناسبين”، كما أكد وزير الدفاع الإيراني، العميد أمير حاتمي، أن رد طهران سيكون مباغتاً ومؤلماً.

وبعد فترة من ذلك، في 29 أبريل، شنت إسرائيل هجمات صاروخية على قواعد عسكرية سورية في ريفي حماة وحلب وخرجت أخبار تتحدث عن قتلى إيرانيين، ولكن إيران نفت ذلك، إما لأن الأخبار غير صحيحة وإما لأنها لا تريد إحراج نفسها بسبب عدم الرد على التعرض لمستشاريها العسكريين.

لماذا تتأنى إيران في ردها؟

يؤكد مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان أن طهران سترد ومصرة على الرد، لكنها تتأنى لأن هدف الإسرائيليين هو جرها إلى مواجهة تحوك تل أبيب خيوطها، وتحدد نقاطها، وتدفع نحو أن يكون توقيتها قبل 12 مايو الجاري، كي يكون هناك مبرر لترامب من أجل الانسحاب من الاتفاق النووي.

ويضيف المحلل الإيراني لرصيف22 أن إيران تريد مواجهة على مقياسها، وليس على مقياس إسرائيل، لذلك تتأنى في الرد العسكري على مقتل مستشاريها في سوريا، مؤكداً أنها سترد كما يؤكد المسؤولون في طهران، “في الوقت الذي يتناسب مع حساباتهم والذي لا يمكن لأحد أن يتوقعه”.

ما الذي تخشاه إسرائيل؟

يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عازم على التصعيد مع طهران قبل 12 مايو، وأنه بدأ المعركة بعرض مسرحي لوثائق عديمة الفائدة حول برنامج نووي إيراني عسكري، معظمها يعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 1999 و2003، وتعرفها الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكذلك القوى التي وقّعت الاتفاق النووي مع إيران.

وتقول هآرتس في تقرير إن تل أبيب مصممة على طرد إيران من سوريا، مشيرة إلى أن إيران تمنع نفسها من الرد على إسرائيل، لأنها تخاف من ارتكاب خطأ من شأنه إثارة غضب واشنطن، ما يدفع ترامب إلى التدخل والانسحاب من الاتفاق النووي، ومهاجمة المواقع النووية الإيرانية نفسها، ما سيكون أكثر إيلاماً لها من الهجوم الإسرائيلي الرمزي على مواقع تشرف عليها في سوريا.

أقوال جاهزة

شاركغرد”روسيا أكبر المستفيدين من التصعيد بين إسرائيل وإيران، بشرط أن تبقى المواجهة بينهما تحت السيطرة، إذ تريد تقليل التواجد الإيراني في سوريا كي لا تقاسم الشركات الإيرانية نظيرتها الروسية مكاسب عمليات إعادة الإعمار واستغلال الموارد السورية”

شاركغردرياح الحرب التي تهبّ من إسرائيل على إيران تحمل دعماً “ترامبياً” قوياً لنتنياهو، ولو بقي وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في إسرائيل، خلال زيارته الأخيرة لها، بضع ساعات إضافية فقط، لصعد إلى قمرة القيادة كي يطلق بعض الصواريخ بنفسه”

ويضيف التقرير أن مخاوف طهران من الرد أدت إلى استنتاج إسرائيل أنها يمكن أن تستمر في اقتلاع جذور إيران من سوريا كما يحلو لها.

ويكشف أن الجيش الإسرائيلي يدعم نتنياهو في تصعيده الحالي ضد إيران، وهو أمر غير مألوف من قادته، مشيراً إلى أن الجنرالات هذه المرة يتبنون نهجاً صارماً وعدوانياً في ما يتعلق بوجود إيران في سوريا.

ويذكر التقرير أن حسابات إسرائيل يمكن أن تتخبط تماماً إذا خرجت النيران في سوريا عن السيطرة، وتحديداً إذا قررت إيران دفع حزب الله إلى حلبة المعركة، لافتاً إلى أن ترسانة الحزب تتجاوز الـ100 ألف صاروخ ما يعني أنه يمكن أن يلحق ضرراً حقيقياً بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، كما أن القتال البري في لبنان سيكلف الجيش الإسرائيلي غالياً.

بومبيو كاد يطلق الصواريخ بنفسه

في التقرير ذاته، تؤكد هآرتس أن رياح الحرب التي تهبّ تحمل دعماً “ترامبياً” قوياً لنتنياهو، مضيفة أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لو بقي في إسرائيل، خلال زيارته الأخيرة لها، بضع ساعات إضافية فقط، لصعد إلى قمرة القيادة كي يطلق بعض الصواريخ بنفسه، في إشارة إلى مدى الدعم الذي أعرب عنه للحكومة الإسرائيلية.

وتردف الصحيفة أن “نتنياهو حالياً في مزاج ترمبي خاص، وسلوكه يختلف تماماً عن سلوكه المعتاد، وحظيت الأحداث الأمنية بمساحة أكبر من انشغاله بالتناحر السياسي داخل الائتلاف الحاكم، وهو على استعداد للقيام بمخاطر في هذه المواجهة”.

ويشير ريتشارد نيفيو الذي شغل منصب كبير خبراء العقوبات في وزارة الخارجية الأمريكية أثناء المفاوضات مع إيران إلى أن التصعيد الحالي يمثل تطوراً خطيراً.

ويضيف لرصيف22 أن النزاع سيصل إلى لبنان، مؤكداً أن المنطقة ستشهد تصاعداً في وتيرة النزاع والقتال داخل سوريا ولبنان في ظل سعي تل أبيب إلى المواجهة مع إيران بدعم من ترامب.

ما موقف دول المنطقة من الحرب؟

يجيب المحلل الإيراني محمد صالح صدقيان بأن هناك جملة من المقدمات والأحداث التي شاركت فيها إسرائيل في الأيام الأخيرة مع بعض الدول الإقليمية للتمهيد للتصعيد مع إيران.

ويوضح أن أول هذه الأحداث الهجوم على قاعدة “تي فور”، وثانياً الهجوم على قاعدة في ريف حماة، وثالثاً مسرحية عرض نتنياهو لملفات من الأرشيف النووي الإيراني، ورابعاً قطع المغرب العلاقات مع طهران وإقحام حزب الله في تهمة دعم البوليساريو.

ويرى صدقيان أن كل هذه الأحداث تتزامن مع الموعد الذي حدده ترامب لاتخاذ موقفه من الاتفاق النووي مع إيران، وذلك لتحقيق هدفين: الأول، الضغط على الداخل الإيراني والمواطن الإيراني؛ والثاني، الضغط على الرئيس الأمريكي للخروج من الاتفاق النووي.

وبرأي صدقيان، فإن إسرائيل ودولاً إقليمية تريد إحراج ترامب لإخراجه من الاتفاق النووي، على أساس أن إيران متورطة في زعزعة أمن الشرق الوسط وأن طهران لديها برنامج نووي سري وتؤثر على وحدة الأراضي المغربية.

حزب الله و”الحرب مع الأصلاء”

في خطاب ألقاه في الأول من مايو، قال الأمين العالم لحزب الله حسن نصر الله إن “الحرب في سوريا مع الوكلاء شارفت على نهايتها، والحرب الثانية مع الأصلاء قد تبدأ قريباً”. والأصلاء في المعجم هي جمع كلمة أصيل أي أنه أراد القول إن الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة ستبدأ قريباً بعد أن انتهت مع وكلائهما، قاصداً مجموعات المعارضة السورية المسلحة.

من المؤكد أن تنفيذ إيران أي عمل عسكري ضد إسرائيل عبر الأراضي اللبنانية يعني جر بيروت إلى حرب مدمرة للبنية التحتية البنانية، ستكون أشد من حرب تموز 2006، وهذا سيكلف حزب الله كثيراً سواء على المستوى السياسي أو العسكري.

وتشير تقديرات بعض حلفاء حزب الله في لبنان إلى أن رد إيران على إسرائيل سيتم بأياد إيرانية، وليس بأيادي حلفاء إيران كحزب الله. ولو صحّ ذلك سيتجنّب لبنان الحرب.

لماذا تُعَدّ الأراضي السورية الأنسب للرد؟

يُعتبر الرد عبر الأراضي السورية أكثر منطقية، ففي سوريا عشرات الآلاف من المقاتلين المحسوبين على إيران، كما أن الوجود الروسي سيقيّد أي تصعيد إسرائيلي سواء ضد النظام السوري، أو ضد قواعد الجيش السوري التي يتواجد فيها مستشارون روس.

ويؤكد باسل خراط، المسؤول السياسي في الحرس القومي العربي في دمشق والمسؤول عن مجموعة من المقاتلين العرب الذين يحاربون إلى جانب الجيش السوري، أن الحديث عن رد إيراني من الأراضي السورية “هو شأن يقرره المسؤولون الإيرانيون”، مضيفاً لرصيف22 أن “سوريا هي بالفعل في حرب مفتوحة مع إسرائيل ووكلائها من الإرهابيين”.

وقال خراط إن “إيران حليفة لسوريا في معركتها ضمن محور المقاومة الذي يملك المقومات اللازمة لتحقيق أهدافه”، مضيفاً أن الخوض في سيناريوهات الرد على الخروقات الإسرائيلية قد يشغل الجميع عن جوهر الموضوع وهو محاربة الإرهاب، “لذا المضي بطريق التحرير هو أعلى درجات الرد”، كما قال.

هل تستفيد روسيا من التصعيد؟

يقدّر محلل سياسي سوري تحدث لرصيف22 طالباً عدم كشف اسمه “أن روسيا أكبر المستفيدين من هذا التصعيد بشرط أن تكون المواجهة تحت السيطرة ولا تصل إلى الأراضي اللبنانية أو إلى طهران”.

فبرأيه، المعركة في سوريا أوشكت على الانتهاء بعد أن سيطر الجيش السوري على معظم أراضي الدولة، وما تبقّى منها يمكن استعادته سياسياً بالاتفاق مع واشنطن، لذا تريد موسكو تقليل التواجد الإيراني في سوريا كي لا تقاسم الشركات الإيرانية نظيرتها الروسية مكاسب عمليات إعادة الإعمار واستغلال الموارد السورية مثل موارد الطاقة وغيرها.

ويضيف المحلل السوري أن التصعيد مع إيران سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز والنفط وهو ما تسعى إليه موسكو منذ زمن، من أجل زيادة مداخيل الخزينة الروسية، لتحسين أوضاع اقتصادها المتدهور، كما أن روسيا تريد أن تظل هي وحدها مَن يحتفظ بقواعد عسكرية في سوريا، وأن تكون هي وحدها التي يمتلك نفوذاً على الرئيس السوري بشار الأسد.