الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 10:18 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 2 أكتوبر، 2018

عواجل برس/بغداد

تسقط أشعة الشمس الحارقة على رأس محمد خليل إبراهيم بينما يشير إلى ما تبقى من نخيله والخسائر الناجمة عن ندرة المياه في بلاد الرافدين . ويشير المزارع البالغ من العمر 73 عاماً وهو يتكئ على عكازه بمزرعته في مدينة البصرة جنوبي العراق إلى تلك العينات المؤسفة من النخيل المثمر. وقال إبراهيم «ترى مدى نحافة الجذوع. التمور التي ينتجها نخيلي غير صالحة للأكل».

تعمل أسرة إبراهيم في مجال الزراعة منذ ثلاثة عقود.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، كانت الأسرة تمتلك نحو 50 ألف نخلة بمدينة البصرة، ولم يتبق اليوم منها سوى بضعة آلاف جراء الجفاف وملوحة التربة ولم يعد أحد من أبناء إبراهيم يرغب في تولي شئون المزرعة مذ أصبحت لا تحقق أي ربح، حسبما ورد في تقرير لموقع Middle East Eyeالبريطاني.

وقال إبراهيم «هجر العديد من المزارعين المجاورين العمل في الزراعة وانتقلوا إلى مدن أخرى بحثاً عن عمل». فينيسا الشرق تواجه خطر العطش يواجه العراق، الذي كان غنياً بالمياه، ونشأ أول حضارة على وجه الأرض، حالة من الجفاف الشديد وانخفاضاً حاداً في المعدلات السنوية لسقوط الأمطار، إضافة إلى ملوحة التربة وانخفاض منسوب المياه المتدفقة بعد تشييد سدود كبرى في تركيا وإيران في السبعينيات.

علاوة على ذلك، يحول الافتقار إلى التمويل في القطاع الزراعي دون تطوير البنية التحتية للعراق.

وكانت مدينة البصرة المتداعية تدعى من قبل «فينيسيا الشرق الأوسط» بسبب شبكة القنوات التي تمر فيها.

والسكان خرجوا محتجين وخرج سكان البصرة والمدن الأخرى في احتجاجات منذ يوليو/تموز ضد الفساد المتوطن وانهيار البنية التحتية، وقصور شبكتي الكهرباء والمياه.

وقد لقي 13 متظاهراً على الأقل حتفهم منذ أسبوعين وتم حرق بعض المباني الحكومية خلال تلك التظاهرات العنيفة. ويذكر أهالي البصرة أن تسرب الأملاح إلى شبكة المياه جعلها غير صالحة للشرب وأدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض، وفق ما أورده المتحدث باسم وزارة الصحة. ويشير البنك الدولي إلى أن حصة الزراعة من العمالة العراقية قد تراجعت بين عامي 1991 و2017 من 34% إلى 19%.

وزارة الموارد المائية لا تستطيع أن تفعل شيئاً سوى دفع رواتب موظفيها يقول وزير الموارد المائية العراقي حسن الجنابي إن الوزارة غير قادرة سوى على سداد الرواتب الشهرية للعاملين فيها الأنهار أصبحت شبه جافة وأضاف الجنابي أن العقوبات التي تم فرضها على العراق جراء غزوه للكويت عام 1990 أدت إلى تقلبات في الاقتصاد، حيث تم تحويل الأموال لدعم قطاع الدفاع وتجاهل قطاعات ضرورية أخرى مثل وزارة الموارد المائية.

وقد أثرت سنوات الحروب تأثيراً سلبياً أيضاً على البلاد. ونقل موقع Middle East Eye عن الجنابي قوله «بسبب حروب صدام حسين ضد إيران والكويت، إضافة إلى الغزو الأميركي والتوترات الطائفية عام 2006 ثم الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، انهارت كافة قطاعات اقتصادنا». وهذا النهر بات نصف جاف يشكو المزارع العراقي جبار مطر البالغ من العمر 42 عاماً أثناء وقوفه وسط حقله الذي تبلغ مساحته 20 هكتاراً بمدينة المشارة جنوبي العراق، من نقص المياه. فقد أصبح النهر الصغير الذي كان يروي ست قرى مجاورة نصف جاف.

كما أن ضخ المياه المتبقية باهظ التكلفة ويتطلب مضخة تعمل بالوقود، الذي يقول مطر أنه لا يستطيع توفيره حيث تبلغ تكلفة اللتر 40 سنتاً. والمحصول الوحيد الذي يجيد زراعته أصبح ممنوعاً وقد تخلى المزارع عن زراعة الأرز، الذي حظرت الحكومة زراعته في يونيو/حزيران ويقوم حالياً بزراعة محصول القمح الاستراتيجي بالنسبة للعراق.

وألغت الحكومة في وقت لاحق الحظر على زراعة المحصول كثيف المياه، وسمحت للمزارعين بزراعة نحو 12500 كيلومتراً مربعاً من الأرز في محافظة النجف والديوانية. ويصف مزارع الأرز جبار أترام البالغ من العمر 68 عاماً في قلق شديد كيف يتم تجاهل الحظر في مدينة المشارة رغم ندرة المياه.

ويذكر أترام الذي يزرع الأرز منذ طفولته أنه لا يعرف كيفية زراعة أي محاصيل أخرى.

وتساءل أترام «أنا أزرع الأرز منذ طفولتي. فما الذي يمكنني أن أفعله خلاف ذلك؟»

لجأ أترام إلى تحويل المياه من النهر المجاور لري حقوله باستخدام مواسير قام بتمديدها تحت الأرض بصورة غير قانونية.

وقرى الأشباح تتوسع بسبب التصحر في بلاد الرافدين ونقل موقع Middle East Eye عن عمدة المشارة منير السعدي قوله إن المزارعين الذين يخرقون الحظر لن يتلقوا سوى تحذيرات من مكتبه.

وذكر السعدي «ولكني لا أستطيع القيام بما هو أكثر من ذلك»، في إشارة إلى نقص أعداد ضباط الشرطة اللازمين للقبض على المزارعين المخالفين. وتشهد المشارة هجرة جماعية مقلقة.

ويذكر السعدي أن نحو نصف قرى المدينة الستين قد اختفت على مدار الثلاثين عاماً الماضية نتيجة التصحر الذي أدى إلى تآكل الأراضي الزراعية.

وقال «يهجر ثلاثة مزارعين مجال الزراعة شهرياً. ويتم تفريغ قرانا ببطء من سكانها».

وتؤدي هجرة السكان من الريف إلى المراكز الحضرية إلى إضافة المزيد من الضغوط على تلك المناطق المكتظة بالسكان بالفعل.

ويمثل سكان الريف بالعراق 30% من إجمالي تعداد السكان. وقد تحوَّلت نحو 90% من أراضي الأهوار على سبيل المثال من مستنقعات غنية بالمياه إلى صحراء خلال بضع سنين، وانخفض عدد سكان أهوار العراق الذي كان يبلغ 500 ألف نسمة إلى 20 ألفاً فقط. والنتيجة : «سوف تصاب هذه البلاد بالجفاف التام» يرى الجنابي أن العراق يحتاج إلى 50 مليار متر مكعب من المياه سنوياً للوفاء باحتياجاته الزراعية والسكنية والصناعية، لكن البلاد تحصل حالياً على 30 مليار متر مكعب سنوياً.

 

وفي يونيو/حزيران، بدأت تركيا بملء حوض سد إليسو بالمياه، كجزء من أحد أكبر مشروعات تركيا الكهرومائية.

 

 وقال الجنابي «سد إليسو هو أحد العوامل التي سوف تتسبب في تراجع مواردنا المائية بصورة أكبر».

 

 وذكر عالم الجيولوجيا الفرنسي آلان جاشيت أنه لم يعد يؤمن بمستقبل المياه السطحية في العراق.

 

وقال جاشيت، مؤسس شركة RTI Exploration وخبير المياه الجوفية «سوف يصاب العراق بالجفاف التام».

 

ولكن هناك بديلاً على ما يبدو.. إنها طبقات المياه الجوفية الشاسعة بالأنبار

 

 مع ذلك، يمكن أن يكون هناك شعاع أمل في نهاية النفق المظلم. ففي عام 2017، ذكر جاشيت أنه اكتشف ثلاث طبقات مياه جوفية تحتوي على مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه النقية في قلب الصحراء الغربية للعراق على أعماق تتراوح بين 700-2000 متر بمحافظة الأنبار.

 

وأشار جاشيت إلى أن الأبحاث التي أجراها لصالح وزارة الموارد المائية بالعراق كانت تخضع لتوجيهات منظمة اليونيسكو.

 

 ورغم ذلك، لم تعلن الوزارة عن أي خطط لاستغلال طبقات المياه الجوفية الموجودة بمحافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية. وذكر الجنابي أنه لم يكن يعلم شيئاً عن النتائج التي توصل إليها جاشيت ورفض التعليق على هذا الموضوع.

 

فهي مرشحة لأن تصبح أكثر قيمة من النفط 

 

كانت محافظة الأنبار ذات يوم محور الصراع السني ضد القوات الأميركية والحكومات الشيعية المتوالية في أعقاب سقوط صدام حسين، الذي كان ينتمي إلى الأقلية السنية بالعراق، عام 2003.

 

ومنذ ذلك الحين، أهملت الحكومات العراقية المتوالية محافظة الأنبار، التي كانت معقلاً لتنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قبل أن تخضع لسيطرة القوات العراقية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

 

يتوقع جاشيت أن تصبح قيمة المياه الجوفية أكبر من قيمة النفط في المستقبل القريب