الأربعاء: 14 نوفمبر، 2018 - 05 ربيع الأول 1440 - 08:29 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 29 يناير، 2018

  صالح الشحري

طبيب وكاتب مهتم بالشأن الثقافي

لست استثناء من كثيرين تصدمهم آراء الدكتورة نوال السعداوي في الدين وفي السياسة وفي فلسفتها الاجتماعية، لكنني وقد قرأت ما لا يقل عن ثُلثَي إنتاجها الفكري خلال الثلاثين عاماً الماضية كان يستهويني عرضها للمشاكل التي تتحدث عنها، وبلغة الطب كنت أشعر ببلاغة عرضها للموضوعات وقدرتها على تصويرها تصويراً دقيقاًَ ومعبراً.

لكنني كنت أختلف معها إلى حد ما في التشخيص، وإلي حد أكبر كثيراً في العلاج الموصوف أو الموقف الذي اتخذته بناء على ما قدمت.

وفي أحيان كثيرة كان لا يفوق شعوري بالاختلاف معها في حلها لما تعرضه إلا تفهمي للظروف التي تدفع مثلها إلى الموقف المشار إليه.

فالميراث السقيم الذي ورثناه من سوء عرض الدين، ومن إلباس تقاليد لا تمت للإسلام بصلة لباس الدين، وخاصة فيما يتعلق بالأنثى، لا يمكن للذين يفهمون الدين لا من دراسته المحايدة، وإنما من سلوك الناس أفراداً ومجتمعات، إلا أن يصلوا منه إلى النتائج الخاطئة، صرحت الدكتورة في أحد كتبها بأنها لا تعتقد أن الدين الإسلامي بسمو أفكاره يمكن أن يكون مسؤولاً عن مشاكل مجتمعاتنا مع المرأة.

وصرحت بأنها لم تدرس الدين الإسلامي دراسة تؤهلها لإطلاق الأحكام، وهذا لعمري عذر غير مقبول من مثلها، وعلى ما أذكر فإنها ذكرت ذلك في كتاب لها قرأته ربما قبل ثلاثين عاماً بعنوان المرأة والجنس، وكان تساؤلي منذ ذلك الحين: لماذا يبدو أن الدكتورة نوال لم تدرس قضية الإسلام والمرأة طيلة هذه الفترة… لعلها لم تقرأ إلا من مصادر خلطت بين الدين والتقاليد، وزاد ذلك من جفائها.

وفي الحقيقة أنك إذا كنت محظوظاً وتيسّر لك أن تقرأ كتاب المرحوم عبد الحليم أبو شقة، الكتاب العظيم المسمى (تحرير المرأة في عصر الرسالة)، لشعرت مهما كان تعلق قبله بالدين الإسلامي كم ظلمت كتب الكثير من مشايخ الدين الاسلامي والمرأة معاً، وكم صرفت الكثيرات عن الإسلام بسوء عرضها وبخلطها الدين بأعراف القبيلة.

روايتها مذكرات طبيبة موضوعها رفض النظر إلى الأنثى باعتبارها سلعة، ورفض استعباد المرأة باسم الزواج، وكذلك رفض تحويل مهنة الطب إلى سلعة، ورفض النفاق الاجتماعي، وكلها مسائل أتفق معها فيها إلى حد كبير.

ما آخذه عليها بشدة هو عدم استنكارها لاستعمال جسد المريض المغلوب على أمره كوسيلة إيضاح لطلبة الطب، وكذلك أنها لا تطالب بالترفق في معاملة المريض المرهق والمتأبي، بل وترى أن كل ذلك مبرَّرٌ بقاعدة تقبلها الدكتورة نوال حتى لو أساءت للمريض وأذلته، وهذه القاعدة تقول إن العقول اليقظة تؤمن بالعلم، وإن إله العلم جبار لا يعرف الرحمة، وهذا يبرر الفرض على بعض المرضى قبول استعمال أجسادهم كوسيلة إيضاح لطلبة الطب -معاذ الله- أليس هذا التسلط على الضعيف هو عين ما ترفضه نوال حين يوجه للأثني؟

وكيف نوفق بين موقفي نوال في رفض استعباد الجسد الأُنثوي حتي لو كان ذلك باسم الزواج كما تقول وإباحتها استخدام جسد المريض لأغراض العلم حتى لو لم يتقبل المريض ذلك؟

يبدو أننا جميعاً لا نسيطر على كل ما نتوارثه من مواقف عقلية منحازة، ولم تنجُ نوال السعداوي من ذلك.