الجمعة: 23 أكتوبر، 2020 - 06 ربيع الأول 1442 - 03:04 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 4 يناير، 2017

المعركة ضد داعش معقدة . هذا ما أكده القائد العسكري الجديد للتحالف الدولي ضد داعش، ستيفن تاونسند، إذ قال بوضوح إن هزيمة داعش في الموصل والرقة واجتثاث خلاياه قد تستغرق سنتين إضافيتين. هذا التصريح جرى تداوله على صفحات التفاعل الاجتماعي ناقصا ، إذ ظهر كما لو أن معركة الموصل وحدها تستغرق سنتين . وهذا ليس صحيحا. فالقوات المسلحة العراقية تحرز انتصارات مؤكدة ، والقائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي يدير المعركة سياسيا بنجاح .
في حديثه الى صحيفة “الديلي بيست” قال تاونسند إن “التنظيم الإرهابي لم يعد كما كان بدائياً يحارب بالسكين، بل بات يتفنن في سحق ضحاياه، من السحق بالجرافات إلى المنشار الكهربائي، إلى النار وغيرها وقد حاول التحالف قصف معاقله جواً، لكنه لم ينجح في ردعه حتى الآن”.
وأشار إلى أن أحد أكبر التحديات التي تواجهها القوات العراقية في الموصل تكمن في السيارات المصفحة المفخخة.
وأكد مصدر عسكري عراقي، أن المدفعية الأميركية المتمركزة في منطقة الشلالات شمالي الموصل بدأت في قصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الشمالية من المدينة.
وقال ضابط في وحدة المدفعية بالجيش إنها المرة الأولى التي تقصف فيها القوات الأميركية بالمدفعية أهدافاً للتنظيم، بعد أن اقتصرت عملياتها، سابقا، على التدخل الجوي والدعم اللوجستي.
ولفت المصدر إلى أن التدخل الأميركي جاء بطلب من حكومة بغداد مؤكدا أن الإسناد الأميركي سوف يشهد تصاعدا خلال الأيام القليلة المقبلة.
ويعتبرالقصف المدفعي الأميركي التدخل البري الأول للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدوبة الإسلامية رغم أن واشنطن أكدت مراراً أن قواتها في العراق تقوم بمهام تدريبية واستشارية فقط إضافة إلى الغارات الجوية التي تشنها في إطار التحالف لمحاربة التنظيم الإرهابي.
وأفادت مصادر عسكرية أن القوات الأميركية أقامت منذ فترة قصيرة معسكرا في بعشيقة على بعد 20 كلم من مركز مدينة الموصل وركزت مدافعها في منطقة الشلالات شمال الموصل لمواصلة ضرباتها ضد التنظيم.
واستهدفت القوات الأميركية مباني وأنفاقا ووحدات قتالية ثابتة ومتحركة للتنظيم في مناطق تقع شمال مدينة الموصل .
وجاء التدخل الأميركي تزامنا مع إعلان قيادة العمليات المشتركة وصول تعزيزات عسكرية جنوب شرق الموصل بانتظار ساعة الصفر لبدء المرحلة الثانية من معركة الموصل المتوقفة مؤقتا بهدف إعادة التمركز وفرض السيطرة على المناطق التي تمت استعادتها من داعش حتى الآن.
ويذكر أن تاونسند كان أعلن في أكتوبر الماضي أن العملية التي بدأتها القوات العراقية لاستعادة مدينة الموصل من مسلحي التنظيم قد تستغرق أسابيع “وربما أكثر”. وأضاف أن “المعركة تبدو طويلة وصعبة، لكن العراقيين استعدوا ونحن نقف إلى جانبهم”.
والحال أن حصاد 30 يوما من عمليات التحرير تشير إلى أن قضية المدنيين في الموصل تحظى بأولوية بالنسبة للقوات العراقية ، كما هي أولوية التقدم مع تقليل الخسائر . إن التوفيق بين الأولويتين مسألة جادة ومعقدة .
فحصيلة الشهر الأول لعملية تحرير الموصل، توضح بحصول تقدم بطيء لكن حثيث وحذر للقوات العراقية وقصف عشوائي ينفذه “داعش” على الأحياء السكنية أسفرت عن سقوط ضحايا بين المدنيين المحررين والمحاصرين على السواء.
هناك قصص من داخل الموصل على قلتها تشير إلى فرح السكان بالخلاص من الارهاب الداعشي ، ومن الطريقة التي يحاول فيها السكان تفادي القصف والنجاة . فقد تحول منزل خولة إلى سجن مرعب بسبب المعارك الطاحنة التي تدور بين القوات العراقية ومقاتلي تنظيم “داعش” في الأحياء الشرقية لمدينة الموصل. خولة وعائلتها هجرت الحديقة والغرف الكبيرة وانزوت هي وزوجها وأطفالها الأربعة في زاوية ضيقة تحت سلم كونكريتي خوفاً من القصف أو التفجيرات الانتحارية . إنها تسكن حي (الزهراء) الذي استعادته القوات العراقية، قالت لمراسل “نقاش” عبر الهاتف “سعادتنا بالخلاص من داعش لا توصف، لكن في الواقع الأمر لم ينتهِ ما زلنا خائفين لأننا نعيش وسط حرب صرنا طرفاً فيها رغما عنا”.
من الواضح أن مقاتلي داعش يستميتون في القتال حتى الآن، غير أن قوات مكافحة الإرهاب ذات الخبرة والكفاءة العالية في حرب المدن نجحت خلال الأسابيع الخمسة الماضية في استعادة السيطرة على عشرة أحياء، فيما تخوض في أحياء اخرى عمليات كر وفر.
تصف خولة المخاض العسير الذي مرت به منطقتهم قائلة: ذات ليلة اندلعت اشتباكات في شارعنا الضيق كان القصف عنيفا وتبادل إطلاق النار يحدث أمام منزلنا، تهشم زجاج النوافذ عندما ثار انفجار كبير وانتشر الغبار في الأرجاء، ارتعبنا كثيرا، اطفالي أخذوا يرتجفون ويصرخون وكنت عاجزة عن فعل شيء، احتضنتهم وأنا أبكي بصمت فلا بد أن أتظاهر بعدم الخوف ولم ننمِ تلك الليلة.

أخيرا عندما أشرقت الشمس كان الهدوء قد عم المنطقة، اصوات الاشتباكات صارت بعيدة. أطل زوجي برأسه فرأى عجلة سوداء عليها علم عراقي فقال وهو يبتسم: “هؤلاء مكافحة الإرهاب، لقد حررونا”.
وتواصل الحدبث : عندما خرجنا من المنزل نحن والجيران اختلطت مشاعر الفرح بالخلاص من “داعش” والخوف من عودته مرة اخرى، فضلا عن توجسنا من القوات العراقية. لوح لنا الجنود العراقيون بأيديهم وهم يبتسمون، رأيناهم وجها لوجه لأول مرة منذ حزيران (يونيو) 2014، وتنفسنا الصعداء عندما قال قائد القوة :”اطمئنوا ولا تخافوا جئنا لتحريركم”.
خمسة أشخاص يسكنون مناطق متفرقة من الموصل نقلوا لـنفس المراسل شهادات متطابقة تقريبا تفيد بقيام تنظيم داعش بنشر منصات إطلاق صواريخ محمولة على عجلات تتنقل من شارع الى آخر فضلاً عن مدافع هاون ذات مديات متباينة.
قال أبو سعيد الذي يسكن حي النور شرقي الموصل : “وضعوا في منزل مجاور لنا منصة لإطلاق الصواريخ يوجهونها نحو الاحياء المحررة ، الصواريخ تنطلق من فوق منزلنا نعرف انها تقع على رؤوس الاطفال والنساء”.
ويضيف ، نالنا نصيب من القصف رغم إننا بعيدون عن دائرة القتال ، إذ استهدفت طائرات التحالف الدولي المنزل الذي تنطلق منه صواريخ ، هز الانفجار الحي بقوة واسفر عن مقتل ثلاثة من عناصر “داعش”، ولولا انه صاروخ ذو نطاق تدميري محدود لحلت كارثة في الشارع كله ، لكن جرح بعض المدنيين.
المصادر كلها تؤكد مقتل عشرات المدنيين وجرح المئات بعد شهر على بدء عمليات الموصل سقطوا بسبب القصف العشوائي والسيارات المفخخة التي يفجرها داعش داخل الأحياء السكنية لإيقاف تقدم قوات مكافحة الإرهاب.
مشافي الموصل تكتظ بالجرحى الذين ينقلون اليها من الاحياء التي يسيطر عليها داعش وقد طالها القصف فالتنظيم يطلق الصواريخ احيانا من الجانب الايمن البعيد عن الأجزاء الشرقية للمدينة، اما في الأحياء المحررة يتم دفن القتلى في حدائق المنازل بسبب صعوبة نقلهم الى المقابر فيما ينقل الجرحى هناك الى مشافي اربيل بعجلات القوات العراقية.
تقول خولة : ” حتى بعد التحرير ما زلنا لا نستطيع الخروج من المنزل ، فالسماء تمطر صواريخ وقنابل، غالبا ما نأكل التمر والخبز، لا وقود طبخ ولا كهرباء ولا ماء، نعتمد على ما موجود من خزين جهزناه استعدادا لهذا الظرف”.

الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية أخرى أصدرت بيانا مشتركا بمناسبة مرور ثلاثين يوما على العمليات، عبرت فيه عن قلقها الشديد من سقوط ضحايا في صفوف المدنيين وعدم القدرة على علاجهم، كما حذرت من تعرض نحو مليون شخص للخطر الشديد المتمثل بتبادل اطلاق النار والقناصة والاستخدام كدروع بشرية.
الكثير من هذه القصص تحدث يوميا في المدينة .أحد الشهود روى لـموقع “نقاش” أن صاروخا سقط على منزل في حي الوحدة شرقي الموصل، أباد عائلة مكونة من ام وثلاثة أبناء. عند حلول المغرب عاد الأب الذي يعمل بائعا متجولا فوجد كومة أنقاض وأربع جثث متفحمة بانتظاره، هذا ما بقي له من العائلة والمنزل.
ما عدا الستين ألفاً الذين نزحوا منذ انطلاق العمليات بحسب أرقام الأمم المتحدة، ثمة آلاف المدنيين المحررين يواجهون خطر القصف عشوائي ويريدون النزوح نحو المخيمات او القرى المحررة.
وهناك قسم آخر فضلوا البقاء في منازلهم بسبب تدهور أوضاع النازحين، خولة ما زالت تتمسك بالبقاء وتقول: “نأمل ان لا نضطر للفرار، لقد تعبنا كثيرا”.
والحال لم يسمع غالبية سكان الموصل إعلان بدء معركة استعادة المدينة من “داعش” عبر بيان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي بثه في الساعة الأولى ليوم 17 تشرين الأول (اكتوبر) الجاري، بل إن الخبر وصلهم من فوهات المدافع التي دوت في جهتي الشرق والشمال.
ولقد استيقظ الموصليون على اللحظة التي ترقبوها لأكثر من سنتين واربعة شهور وقد اشعلت في قلوبهم مشاعر الفرح رغم انهم مقبلون على معارك وحرب شوارع قد تكون طاحنة.
الخوف والترقب حاضران في معركة الموصل ، فهذه المعركة باتت “عالمية” لم تشهدها الموصل من قبل، يشارك فيها نحو (60) دولة لطرد هذا التنظيم الارهابي!.
الأرجح أن أياماً عصيبة تنتظر المدينة وسكانها لأن تنظيم داعش يقاتل في مواقع وينسحب من أخرى ، وهذا بالضبط ما توقعه احد قادة الجيش الأميركي قبل بدء معركة تحرير الموصل بأسبوعين، وهذا ما يحدث حاليا على أرض الواقع، هناك قتال شرس في مناطق وانسحاب من أخرى، لكن عمليات الانسحاب ترافقها موجات تهجير ونزوح شملت الآلاف . إلا أن تكتيكات العدو الارهابي لم تعد خافية ، وباتت القوات العراقية متمرسة فيها ، وتتعامل معها على نحو لم تعد تنفع سوى تأجيل الهزيمة النهائية لبعض الوقت