الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 11:42 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 1 مارس، 2018

المسكوت عنه خلف بنية السرد الروائي في رواية (إمبراطورية الثعابين)

الناقد المغربي / عبد المجيد بطالي

 

لا أودّ بداية أن أسقط على المتن الروائي رؤية ذاتية، أو أنْ اُقوِّل النص ما لا يقوله… حتّى إذا أنعمنا النظر في الخطاب السردي الروائي الموسوم ب (إمبراطورية الثعابين) ( ) وحاولنا تعميق الرؤية لاستجلاء الأبعاد الإنسانية والسيكولوجية، فإننا لا نكاد نجد اختلافا بين المتلقين الجادين في الوقوف على العلامات، والدلالات السيميائية، والإحالات والإيحاءات المتاحة والمساعدة على التلقي والتأويل… وبالتالي إخراج الغائر والكامن وراء المتن باعتباره البناء التركيبي المعماري والتشكيل الهندسي للرواية…

يطل علينا السارد / من خلف حجاب السرد الروائي تداوليا بخطاب على لسان المتكلمة / وهي (الشخصية المحورية) في جوهر المحكي أو المسرود في هذه الرواية… وهي لا تكتفي بنقل الأحداث (كرونولوجيا) عبر خط زمني تعاقبي في إطار فضاء زمكاني، يعتبر مركزا و(بؤرة focus) لسرد الأحداث من داخل الرواية إذ يعتبر المتكلم (ة) طرفا رئيسا في صناعة الحدث وتطويره والسيطرة عليه إن صح التعبير…

ويظهر جليا في السرد الروائي بضمير المتكلم من خلال رواية “إمبراطورية الثعابين” سيطرة الجانب النفسي الذي يعمل على تضخيم الأنا، وتحفيز الباطن النفسي على اعتلائه عرش النرجسية، لتجاوز المؤثرات والمحفزات الفاعلة في سيرة (البطل/ أو البطلة) تلكم التي تنسج حكايتها بشكل يتماهى فيه كل من (النفسي- السلوكي) ب(الاجتماعي-الواقعي) و(المفتعل بالحقيقي) …

إن طريقة أو خط أسلوب الخطاب السردي في رواية (امبراطورية الثعابين) تمنح المؤَلِّف ومن خلاله المتكلم (ة) إمكانيات البوح والاعتراف بتداعيات ما حفره الماضي في الذاكرة السردية للخطاب المسرود… والقفز على الحاضر، لتجاوزه وإقامة علاقة مصالحةٍ بين الذاتي والموضوعي للساردة/ البطلة الشيء الذي يجذب القارئ / المتلقي لركوب المتخيل الروائي ومعايشة أحداث الرواية بكل تفاصيلها والتعاطي مع المتكلمة/ الساردة، وبالتالي الدخول معها في علاقة تشاركية نفسية وانفعالية…

إن صوت السارد(ة) يعتبر من وجهة نظر هذه القراءة لرواية (إمبراطورية الثعابين) (تبئيرا Focalisation) مركزيا لمجموعة من الاستدعاءات، والتذكارات والاعترافات، التي تبوح بها نفسية المُخاطِب/ المُلْقي من خلف المستور للمُخاطَب/ المُتَلقي كما يلاحظه هذا الأخير من خلال هذه الفقرة من الرواية…

“لماذا يؤرقني هذا الهاجس المخيف بين الحين والآخر؟ ما الذي أبتغيه على وجه الدقة من تدوين اعترافاتي هذه؟ لطالما أجهدني التفكير فأحاول أن أترك الأبواب مشرعة وأتسلل من النوافذ هرباً من هذا الهاجس المخيف”.( ) خطاب مليء بالتساؤلات في تجاويف المجهول والحيرة… ويتصاعد البوح لتفريغ النفسي المتأزم على لسان بطلة تحاول مغالبة القاسي ومصارعة المفترض واللاإرادي لتجديد ربما ماء الحياة وإزالة الشوائب العالقة بالذات المقهورة والمغلوبة على أمرها من خلال سلسلة من التساؤلات التطهيرية… “في زمن تتزاوج فيه القيم بين دهاليز اللاشرعية وسيادة سطوة الشيطان على إدارة سير الأعراف، تنزلق الكثير من الصبايا إلى عالم الدعارة، وأنا واحدة منهن، بدأت الخطوة الأولى مثلهن، فلماذا أطلب الصداع لرأسي وألحّ على كتابة سيرتي الداعرة؟. أعللُ أحياناً هذه الرغبة المجنونة بسبب تفوقي ونجاحي في هذا الميدان أو بسبب نرجسيتي العالية.” ( ) ولا يمكننا أن نحيط بجزئيات تفاصيل الرواية في فقرات محدودة جدا، خصوصا وأن الخطاب السردي، اعتمد فيها على تقنيات الحكي الشهي، الذي لن يبرح القارئ عليه عاكفا حتى النهاية…

“يا للشيطان!! بدأ هاجس الاعتراف يأخذني إلى ما يريد، وأنا لا أملك من عدة المقاومة غير الاستسلام له، لماذا لا أقرّ أمام الجميع بأن رغبتي وراء الاعتراف كانت السبب في كلّ ذلك؟ وهي رغبة ماجنة نمت وترعرعت بداخلي عند دخولي إلى عالم المجون”. ( )

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السارد (أحمد الجنديل) قد كان موفقا إلى حد كبير في اقتناص التعابير، وبناء الوحدات المعجمية المشحونة دلاليا بالإيحاءات المتنوعة، لتبئير المشاهد من خلال سردية منسجمة ومتراصة، ولفْت انتباه المتلقي إلى أشياء ذات أهمية بالغة، يتمحور حولها خطابه السردي، مشكّلا بذلك المركز الذي تتجاذب نحوه أقطاب الرواية وخيوطها حاملة “مجموعة من العلامات أو سرب النقاط، كما يقول فوكو”. ( )…

وتعتلي البطلة برج الحدث الأهم في اللعبة السردية… كما رسمها الراوي أو شاء لها أن تكون من نسج خياله أو في مخيّلته، معترفا بذلك على باب الرواية لجمهور القراء، واضعا بذلك خطابه السردي على السكة كي لا تزيغ بالمتلقي عجلات التأويل… قائلا: “هذه الرواية من صنع الخيال، وإذا ما توافقت شخصية حقيقية مع شخصيات الرواية فإن ذلك يعود إلى المصادفة وحدها. كتبتها لمن يهوى السباحة في بحيرة خياله، أمّا الذين لا يجيدون فن العوم، وليس لديهم خبرة في عالم الابحار، فلا أملك لهم غير النصيحة بعدم قراءة هذه الرواية لأنها لا تروق لهم، ولا تتحدث عنهم، ولا تمّت لهم بصلة.” ( ) نص يحيل على الإبحار في القراءة العميقة لهذا الخطاب الجريء الذي يحمل في ثناياه تعرية واقع الرذيلة، على مستوى البناء الشكلي الظاهري، لكنه مفعم بقيم الفضيلة وجمالية التخلص والخلاص من العفن… هي التفاتة من الراوي جديرة بالاهتمام لمن يريد الدخول في محاورة المتن السردي لـ (إمبراطورية الثعابين) ومشيرا في الوقت ذاته عن طريق السرد إلى أن بطلة الرواية كما يحكي: أنها من خياله (زارته في الحلم، نفضت ثیابھا بین يديه، وهاجرت عارية نحو الشمس.) ( )

ويتدفق السرد كشلال منهمر على لسان البطلة بضمير المتكلم وهي تحكي سيرتها الذاتية قائلة: “أنا الدكتورة (…) بنت الثامنة والعشرين ربيعاً… سقطَ رأسي من بين فخذي أمي التي تعاني من ثقل أحلامها وفخامتها، وفتحت عيني على عالم فيه من المغريات ما لم أتمكن من الاقتراب منها، دخلت المدرسة فحصلت على لقب الشاطرة…”( ) وتبدأ في سرد تفاصيل سيرتها المركّبة من كثير من العقد النفسية التي تكلّست على أنوثتها، والتي جعلتها تنجرف خلف ريح مترنّحة، هوجاء لا تعرف الاستقرار، مما يثير في المتلقي استكناه ذلك الانجراف الأخلاقي نحو محيط العفونة، وامتطاء مركب الرذيلة، هذا على مستوى القيم المجتمعية، الشيء الذي يفقد ماء (الشخصانية)، وبالتالي يؤدي لا محالة إلى (الانفصام) النفسي للشخصية، كما هو الشأن بالنسبة لبطلة الرواية حكاية على لسانها “يا للكارثة!! لم أُقِم حساباً للاسم، كيف دخلت دون حسم موضوع الاسم، ماذا أقول له؟ هل أقول له أنا ساجدة خليبص أم رولا؟ أم فيفيان؟ أم همسات؟ أم غيرها من الأسماء التي عرضتها جنان؟ أشعر أن لساني قد غادر فمي”( )… وهنا يلاحظ المتلقي تعدد الوجوه وتنوع الأقنعة التي كانت ترتديها البطلة تحت أسماء مستعارة تقترحها عليها صديقتها ومعلمتها على الدرب (جنان)… حيث أن لكل اسم موقعه من الرذيلة ومكانه من التعاطي مع العفن… تلك الأسماء التي أوقعتها كثيرا في الحرج مع المجتمع حينما كان يُطلب منها (أوراق الثبوتية) في إحدى الشركات للعمل بها… وهنا تعامل البطلة أحسن معاملة، وأغرب معاملة في ذات الآن… مع العلم أن من كان وسيطا لها في العمل هو أحد (الذكور/ الثعابين) الذي تعرفت عليه عن طريقة الرذيلة، لتفاجأ هناك بكل العاملات اللواتي يعملن في الشركة بأنها قد شاهدتهم من قبلُ في أماكن، كانت ترتادها رفقة معلمتها…

وبطريقة فنية وذكية في سرد أحداث الرواية، استطاع الراوي على لسان بطلة روايته أن يفضح واقعا مسخا، انغمست فيه هذه البطلة لتلعب دور (الناقلة والواصفة والموصلة…) لأخبار هي عبارة عن أحداث، وعقليات، وسلوكيات، لوجه آخر لمجتمع منفصم في علاقاته الاجتماعية، والنفسية والسلوكية والأخلاقية… ذلك الوجه الثاني المخفي والمزيف والمقنّع… ذلك الجسم الثاني من المجتمع المهترئ المريض بالنفاق، والإغراق في العفونة والرذيلة… تحكي البطلة مصورة هذا المعطى من المجتمع قائلة: “كان زبائني من ماركات مختلفة، وأشكال متعددة، وأحجام متباينة.”( ) ولكي تنقل واقعا مزدوجا في معاملته ينغي على البطلة أن تكون في قلب الحدث، وأن تتقنع بقناع مماثل لهذا الواقع، تقول: “…تركت هيئة الطالبة في غرفتي [قناع 1] وتزينت بزينة الموظفة الأنيقة [قناع 2] ومع حلول التاسعة والنصف، خرجت إلى الشارع أطلب سيارة تنقلني إلى فندق برج الحرير [قناع 3]…”( )  وهناك ستكتشف البطلة إمبراطورية الثعابين المغرقة في نفث سمومها في المجتمع، من رذيلة وفسوق، وفجور وخمور… تحت غطاء يبرر ممارساتهم القذرة… ثعابين تعرف كيف تنهش أجساد الإناث، وتمتص نضارتهن مقابل أوراق نقدية خضراء… ثعابين عشقت أن تكوّن أوكار فسادها، وإمبراطورية عفنها من الرذيلة، وانتهاز فرص احتياج الأضعف للمال… وفي وسط (مؤسسة الزعفران الخيرية) التي تجمع بعض الثعابين الشرسة يفاجئنا الراوي على لسان البطلة، بأن الأشخاص الذين يصعدون المنصة لإلقاء كلماتهم بمناسبة احتفال المؤسسة، هم أنفسهم الذين تعرفت عليهم من قبل، بأسماء أخرى وبتصرفات مغايرة غير التي تراها اللحظة… يكاد معها رأس البطلة أن ينفجر… وتنادي لمعلمتها هامسة نفسها أين أنت يا جنان؟ لقد “أصبحت الحياة حفلة تنكّرية، والرجال كالعاهرات تماما…”( ) ويتصاعد حديث النفس معلنا ثورته العارمة على أوجاع وتناقضات صارخة أحستها البطلة وكأنها المخاض “كانت بداخلي أصوات تقتلعني من الجذور، هل أنا ساجدة… أمْ… أمْ… أم ساجدة خلبيص… تحوّلتُ إلى جوقة من العاهرات يتجولن في داخلي…”( ) وهكذا يحاول الراوي ومن خلاله البطلة القيام بتعرية واقع اجتماعي وأخلاقي متعفن يرتدي لبوس النفاق… واقع بوجهين متناقضين تماما…

لقد حاولت البطلة أن تكون (الأفعى) التي ستلتهم كل ثعابين الإمبراطورية، بعد أن أطاحت ببعضها (أكرم.. طارق.. سليم…وغيرهم) مرتدية لكل حالة قناعا مختلفا يناسبها، لاعبت البطلة/ الأفعى هذه الثعابين دون أن ينال أحد منها، أو يفتك بشرفها… وتستدرجها معلمتها (جنان) لأن تطيح برأس الثعابين وكبيرهم بل عقلهم المدبر (الدكتور سميع السامون) … وتسافر البطلة (ساجدة…) كمرافقة للبطل (السامون) إلى لبنان في مهامه… وهناك في إحدى الفنادق سيهزم الثعبان الأصلع، الأفعى وتخور قواها أمام حيله… مما سيعقبها باللوم النفسي… لم تنفعها نرجسيتها، ولا أناها أمام جبروته… لتستسلم في الأخير للبحر وسحره… ولتكتب عزاءها لمجتمع ذو وجهين متناقضين، ولتبعث رسالتها للمتلقين من قلب إمبراطورية الثعابين…

وتجدر الإشارة إلى أن الروائي (أحمد الجنديل) قد وظف آلية (الاسترجاع flashback) لاسترجاع البطلة بعض المواقف الماضية الجميلة التي تحْضرها أو تسْتحضِرها لمواساة نفسيتها أمام أمر أو موقف معاكس له… “كنت محتشمة في سلوكي، لكن ثمة هاجساً أسود بدأ يتسرب إلى نفسي، تذكرت قولاً لمدرّسة اللغة العربية، عندما كذبت عليها إحدى الطالبات، قالت لها

بغضب أخافني:

-عندما يكون الصدق غائباً عن الحياة، تتحول الصقور إلى بوم

وتمسخ النسور الصلعاء إلى غربان.

ما الذي جعلَ قول مدرسة اللغة العربية يقفز إلى ذهني الآن؟”( )

كما يلاحظ تداخل اللعبة السردية عند الروائي (أحمد الجنديل) بين جنسيْ (الرواية والسيرة الذاتية) رغم اختلاف اللونين شكلا وجوهرا… لكن بطريقة ذكية استطاع الكاتب توظيف جانب من السيرة الذاتية لتعزيز موقف اعتراف البطلة/ محور الرواية الأساس بجزئيات اليومي المتأزم الذي مرّ بحياتها…

اعتمد المؤلف خلال سرد سيرة البطلة (…) على لسان حالها، تقنية الوصف التي غذّت فضاءات الحدث في الزمان والمكان… كما صورت بامتياز الشخصيات، والوسائل والحركات بجمالية السرد الوصفي المتقن المشفوع أحيانا بكثير من الحوار… مما أنتج لنا خطابا سرديا مشوّقا، باعثا على لذة القراءة الواعية…

وأنت تتلقى الخطاب السردي في رواية (إمبراطورة الثعابين) يجعلك السارد أو الروائي (أحمد الجنديل)، مأسورا بفعل الدهشة الأسلوبية، والحبكة السردية، التي أولت اهتماما بالغا لتسلسل الأحداث، وتماسك علاقاتها من أجل تفجير سيكولوجي، وسوسيولوجي… للمسكوت عنه في البنية المختفية خلف الأثر الفني والأدبي في هذا المنجز الروائي، ضمن آفاق من الخيال والتخييل المحبك…