الأثنين: 24 فبراير، 2020 - 29 جمادى الثانية 1441 - 07:54 مساءً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 21 يناير، 2020

ميزر كامل 

مرةً أخرى يعود التصعيد إلى الواجهة في مشهد الاحتجاجات العراقية، وهذه المرة بدأ من جنوب البلاد، وتحديدًا مدينة الناصرية (مركز محافظة ذي قار) التي أطلق متظاهروها مهلةً بدأت الاثنين الماضي وانتهت اليوم الاثنين 20 يناير (كانون الثاني) 2020، لتحقيق مطالب المتظاهرين واختيار رئيس وزراء جديد، وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي، وتعديل الدستور، وإلا سيكون التصعيد.

 

وهذا ما كان بالفعل؛ بعد أن كادت حادثة اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس، أن تطفئَ حراك الشارع العراقي، وتحول مسارات التظاهرات إلى أخرى تقف في الضفة التي تقف فيها إيران ومحورها في العراق. 

أول الضحايا في بغداد

قبيل ساعات من انتهاء مهلة الناصرية، هاجمت قوات الأمن ساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد، حيث يعتصم المتظاهرون منذ أكثر من ثلاثة أشهر، في محاولة لفض الاعتصام والسيطرة على أهم مراكز الاحتجاجات في العراق، لكنَّ مواجهات حدثت بين قوات الأمن والمتظاهرين انتهت بانسحاب تلك القوات من الساحة، تاركةً خلفها عددًا من الإصابات في صفوف المتظاهرين.

ساحة الطيران، بغداد

قبل ذلك، كانت الاحتجاجات قد بلغت أوجها في مناطق حيوية من المدينة، حيث وسع المتظاهرون دائرة غضبهم عندما أغلقوا طريق محمد القاسم الذي يربط جانبي المدينة، ويعد أهم طرقها وأكثرها حيوية، وهناك استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع لاستعادة الطريق، وبالفعل، استعادته بعد سقوط قتيل في صفوف المتظاهرين وإصابة 34 بحسب مصادر طبية خاصة لـ«ساسة بوست».

 

علي الخزرجي ناشط في تظاهرات ساحة التحرير قال لـ«ساسة بوست» إنَّ قوات مكافحة الشغب باغتت المتظاهرين في الساعة الثالثة فجرًا عندما اقتحمت ساحة الطيران المؤدية إلى ساحة التحرير، واستخدمت القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين.

 

«لقد باغتتنا قوات مكافحة الشغب في تلك الساعة لأنها تعرف أن المتظاهرين سيكونون نائمين، وهذا غدر، لكن الشباب على جبل أحد (مطعم تركي) أيقظونا بمكبرات الصوت وذهبنا إلى مساندة بقية الشباب في ساحة الطيران ومنع قوات مكافحة الشغب من الوصول إلى ساحة التحرير».

 

يؤكد أنَّ قوات مكافحة الشغب عادت لاستخدام الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع: «رأيت سقوط عدد من الشباب في ساحة الطيران، بعضهم أُصيب بالرصاص الحي، وبعضهم الآخر اختنق بقنابل الغاز المسيل للدموع، لكن رغم القمع استطعنا إجبار مكافحة الشغب على التراجع، وستظل ساحة التحرير لنا».

اركض لو سمعت الوطن ناداني

الان فزعة التحرير

بعد ليلة ساحة الطيران الدامية، عادت المواجهات صباحًا إلى طريق محمد القاسم، وهذه المرة عندما حاول المتظاهرون قطع جسر 600، فتحت قوات الأمن النار على المحتجين كعادتها، وفرقتهم بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، وقامت بحملة اعتقالات بتهمة الخروج عن القانون.

كربلاء تنضم إلى التصعيد

تأييدًا لمهلة مدينة الناصرية التي انتهت، وتضامنًا مع تظاهرات بغداد وبقية مدن جنوب العراق، بدأت مدينة كربلاء التصعيد بقوة، حيث أغلق المتظاهرون بناية مجلس النواب العراقي فرع كربلاء، وعلقوا عليه صورة فاهم الطائي الناشط في التظاهرات، والذي اغتيل في وقت سابق على يد مليشيات مسلحة في المدينة، كما أغلقوا الدوائر الحكومية بمادة اللحام لمنع الموظفين من كسر الإضراب العام، وإجبار الدولة على الاستجابة لمطالب المتظاهرين.

 

ليس هذا وحسب، فمتظاهرو كربلاء لجأوا أيضًا إلى إغلاق الطرق والجسور وحرق الإطارات؛ تنديدًا بتعامل الحكومة التي تتبع سياسة التسويف والمماطلة في تنفيذ مطالب المحتجين. 

 

وتزامن التصعيد في محافظة كربلاء مع إعلان وفاة أحد المتظاهرين فيها متأثرًا بإصابته التي تعرض لها قبل ثلاثة أيام خلال مواجهات مع قوات الأمن بحسب ما قال مصدر طبي لوكالة «الأناضول».

انتهاء المهلة الأخيرة.. «ذي قار» تبدأ التصعيد

مدينة الناصرية التي انطلقت منها المهلة الأخيرة للسلطة، شهدت توافد آلاف المتظاهرين إليها، وتحديدًا إلى ساحة الحبوبي، حيث يتخذها المتظاهرون مقرًّا لاعتصامهم منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وقد أعلن المتظاهرون انتهاء المهلة وبداية موجة التصعيد.

 

عمار علي ناشط في تظاهرات الناصرية، قال لـ«ساسة بوست» إنَّ «التصعيد سيكون سلميًّا ووفق الأطر القانونية والدولية، ويتضمن قطع الطرق والجسور وإغلاق الدوائر الحكومية ومنها المدارس والجامعات، لحين تحقيق مطالب المتظاهرين».

 

المطالب التي حددها متظاهرو الناصرية يؤكد عمار علي أنها تتمثل بـ«تقديم قتلة المتظاهرين في عموم مدن العراق للعدالة وعلى رأسهم قائد شرطة ذي قار السابق جميل الشمري، وتشريع قانون انتخابات جديد يلغي المحاصصة الطائفية، وينتج منه مفوضية انتخابات مستقلة غير تابعة للأحزاب، وترشيح رئيس وزراء جديد يحظى بقبول شعبي، ومحاسبة الفاسدين وسراق المال العام».

 

لكن مهلة الناصرية انتهت ولم تنفذ السلطة أيًّا من تلك المطالب، فجاء التصعيد مبكرًا من المتظاهرين في ذي قار، حيث نصبوا خيام الاعتصام على جسر فهد على الطريق الدولي الذي يربط محافظة البصرة والمدن الجنوبية بالعاصمة بغداد، وهو طريق مرور القوافل النفطية والبضائع القادمة من ميناء الفاو إلى العاصمة.

متظاهرو الناصرية ينصبون خيام الاعتصام على الطريق الدولي

محافظة الديوانية (القادسية سابقًا) انضمت للتصعيد أيضًا وبدأ متظاهروها منذ ساعات الصباح الأولى تصعيدهم الذي تمثل بقطع الطريق الدولي الذي يربط المحافظة ببغداد، وإغلاق جميع المؤسسات الحكومية والدعوة إلى إضراب عام لإجبار السلطات على تنفيذ مطالبهم.

 

عن الخطوات التصعيدية في الديوانية ذكر الصحافي خليل بركات لـ«ساسة بوست» أنّ التصعيد يشمل عدة إجراءات أهمها: «قطع الطريق الدولي أمام حركة السير باستثناء الحالات الطارئة، وكذلك إغلاق المداخل الخمسة لمركز المحافظة، وإغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، ورفع الاعلام العراقية واللافتات الخاصة.

 

بالمطالب، وأيضًا الدعوة إلى تنفيذ فعلي للإضراب، والذي يشمل الدوائر الحكومية، والمعاهد، والجامعات، والمدارس».

 

موجة التصعيد التي تشهدها التظاهرات العراقية تثير المخاوف من سقوط مزيد من الضحايا، وقد عبرت الأمم المتحدة من خلال ممثلتها في العراق جينين هينيس بلاسخارت، عن قلقها من استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، وحثت على تجديد الجهود من أجل الإصلاح.

 

«في الأشهر الأخيرة، خرج مئات الآلاف من العراقيين من جميع مناحي الحياة إلى الشوارع للتعبير عن آمالهم في حياةٍ أفضل، خاليةٍ من الفساد والمصالح الحزبية والتدخل الأجنبي. إن مقتل وإصابة متظاهرين سلميين إلى جانب سنوات طويلة من الوعود غير المُنجزة قد أسفر عن أزمة ثقةٍ كبيرة».

 

وانتقدت الأمم المتحدة القادة العراقيين؛ إذ إنهم «بعد شهرين من إعلان رئيس الوزراء استقالته، ما يزال القادة السياسيون غير قادرين على الاتفاق على طريق المُضي قُدمًا. وفي حين كان هناك إقرارٌ علنيّ من جميع الجهات الفاعلة بالحاجة إلى إصلاح عاجل، فقد حان الوقت الآن لوضع هذه الكلمات موضع التنفيذ وتجنب المزيد من العرقلة لهذه الاحتجاجات من جانب أولئك الذين يسعون لتحقيق أهدافهم الخاصة، ولا يتمنون الخير لهذا البلد وشعبه».

متظاهر عراقي

الأمم المتحدة ذكرت في بيانها – الذي يتزامن مع التصعيد الحاصل- أنَّ «التصعيد الأخير في التوترات الإقليمية قد أخذ الكثير من الاهتمام بعيدًا عن العمل المحلي العاجل غير المُنجَز. ومع ذلك، يجب ألا تطغى التطورات الجيوسياسية على المطالب المشروعة للشعب العراقي. فلن يؤدي ذلك إلا إلى المزيد من غضب الرأي العام وانعدام الثقة»، في إشارة إلى حادثة اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد مليشيا الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس في غارة أمريكية بالقرب من مطار بغداد الدولي في الثالث من يناير 2020.