الجمعة: 16 نوفمبر، 2018 - 07 ربيع الأول 1440 - 04:04 مساءً
بانوراما
الأثنين: 5 نوفمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

شهد العراق على مدار الأسابيع الأخيرة أكثر من واقعة اغتيال لنساء عراقيات شهيرات فى مناطق مختلفة يجمعهن الاهتمام بمجالات الموضة وعروض الأزياء من خلال الظهور في برامج تلفزيونية، أو الاشتراك في مسابقات الجمال.

 

ورغم ابتعاد هذه الشخصيّات عن المجالات المثيرة للجدل كالنشاط السياسي والحقوقيّ بشكل رئيس، إلا أن دوّامة العنف التي يعاني منها العراق منذ عدّة سنوات لم تستثنيهنّ. يحاول التقرير التالى التعرف على أبرز وقائع الاستهداف لهؤلاء النساء، والأسباب المحتملة لهذه الحملة الواسعة، ومن هم الأشخاص التى يقفون خلفها.

 

«إحنا مو عاهرات حتى ننقتل»

في عمر السادسة عشرة، تزوجت تارا فارس، الفتاة العراقية رغبت في الاستقرار بين جدران منزل يأويها من ويلات الحروب والظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها بلادها؛ قبل أن تنتهي هذه الزيجة بالطلاق، ويقرر طليقها منعها عن رؤية ابنها الوحيد.

 

أُوصدت كافة الأبواب أمام تارا؛ لتكتشف خرّيجة كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد نفسها فى مجال عرض الأزياء، وسرعان ما بدأ اسمها ينتشر فى هذه الأوساط؛ حتى باتت واحدة من أشهر عارضات الأزياء في العراق؛ إذ وجدت في الأزياء شغفها الذي كرّست له جلّ وقتها.

 

تارا فارس 

تارا التي لم تتجاوز 25 عامًا؛ ولدت لأب عراقي وأم لبنانية، توجّهت في بداياتها لنشر المقاطع القصيرة على موقع  «يوتيوب»، واختيرت ملكة للجمال في نادي الصيد العراقي عام 2015، ثم انتقلت إلى أوروبا لفترة قبل أن تعود إلى العراق متنقلةً بين أربيل وبغداد.

 

سعت تارا إلى استخدام شهرتها وسيلةً لنشر بعض أفكارها في قضايا جدلية روّجت لها عبر مقاطع فيديو على صفحاتها التي أسستها بمواقع التواصل الاجتماعي؛ كالحديث عن قضايا دينية واجتماعية، كما دافعت عن المرأة وحريتها، سواء في اختياراتها في الحياة وملبسها، كما شاركت متابعيها دروسًا في وضع مستحضرات التجميل واختيار الألبسة عبر نشر صور شخصية لها بأزياء توصف بالجريئة على حسابها في تطبيق «إنستجرام» على الإنترنت، والذي يتابعه ما يقرب من 3 ملايين شخص.

 

شُهرة تارا الاستثنائية داخل المجتمع العراقي ورغبتها في استعراضها لصورها الشخصيّة على الملأ حوّلتها إلى هدف لجماعات العنف؛ إذ قرّر أحد أفرادها تتبّع تارا خلال تجولها بسيارتها فى منطقة كامب سارة، وسط العاصمة العراقية بغداد؛ لتجد شخصًا يقترب من نافذة السيارة من جهة السائق، حيث كانت تجلس، ويقوم بإطلاق النار من مسافة قريبة جدًا، ثمّ فرّ المهاجم وركب درّاجة نارية كانت في انتظاره.

 

 

وحسب بيان صادر عن المتحدّث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء سعد معن، أن «الداخلية تعمل حاليًا على تحليل المشاهد التي التقطتها كاميرات المراقبة، وتدرس بعض المعطيات المتوافرة في مكان الحادث، لافتًا إلى أنه حصل على بعض التفاصيل التي لا يمكنه الكشف عنها اليوم».

 

 

لم تكن تارا الوحيدة التي تعرضت للاستهداف خلال الأسابيع الأخيرة؛ إذ لقيت فتيات عراقيات يعملن في ذات المجال نفس المصير، من بينهن رشا الحسن، خبيرة التجميل، ورفيف الياسري، صاحبة مركز «باربي»، والتي تدعم كذلك نشاطات إنسانية في علاج الفقراء وإغاثة النازحين، كما أنها دعمت المتظاهرين في بغداد المطالبين بالتغيير، وأعلنت أن مركزها سيستقبل كل من أُصيب وجرح خلال مشاركته في التظاهرات من بغداد والمحافظات مجانًا.

 

أمام هذه الحملة التي بدأت برسائل تهديد تلقّتها مئات النساء العراقيات ممن يجهرن بآرائهن على مواقع التواصل الاجتماعي ولهن حضور بارز على شبكة الإنترنت، أو أولئك اللواتي ينشطن في مجالات الجمال والموضة، وانتهت بقتلهنّ؛ هرب مئات منهن خارج العراق بحثًا عن الأمان في المنفى.

 

كانت صديقة تارا، شيماء القاسم، واحدة ممّن اخترن طريق الرحيل من موطنها بلا عودة بعد تلقّيها رسائل تهديد بالقتل وفقدانها صديقاتها؛ إذ قرّرت الرحيل إلى عمان؛ محاولةً النجاة بالنفس من آثار الخوف والدم التى باتت تحاصرها في العراق.

 

بعد الاستقرار في عمان وجدت شيماء نفسها في المساحة الآمنة الكافية كي ترثي صديقاتها وتندب حظّ سيدات العراق اللواتي امتدّت إليهن أيادي الغدر. في مقطع الفيديو التي رثت فيه شيماء صديقاتها، والذي استغرق 15 دقيقة، كرّرت شيماء جملة :«إحنا مشهورات أوكي بس إحنا مو عاهرات حتى ننقتل» محاولةً الدفاع عن نفسها وعن صديقاتها.

 

 

أرادت شيماء أن تبعث برسالة تدافع بها عن حقها وحق آلاف غيرها من نساء العراق في الحياة الآمنة، باعتبارها أبسط الحقوق الإنسانيّة من وجهة نظرها. وأضافت: «يسألوننا ليش ما تطلعون بمظاهرات؟ إنهم يستهدفون المشاهير واللي عندهم متابعين.. ببساطة ممكن يقتلونا». وأكملت في رسالتها :«تارا ما شتمت سنّيًا، ولا شتمت شيعيًا، ولم تتحدث في السياسة، فماذا استفدتم من موتها؟ وماذا ستستفيدون من موتي؟».

 

 

ليست المرة الأولى.. الموت يتهدّد المرأة العراقية منذ الغزو الأمريكي

لم تكن هذه المرة الأولى التي يجري فيها استهداف لعشرات النساء من العراق؛ بل سبقتها جولات ومحطات عديدة شهدت فيها موجات قتل نساء لأسباب طائفية وأخلاقية.

 

Embed from Getty Images

 

بدأت ملامح جديدة للعراق تتشكل بعد الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003؛ إذ انتشرت موجات من العنف الممنهج ضد عدّة فئات – من بينها النساء – تحت ذرائع دينيّة، فضلًا عن كون الظرف السياسي والتسيّب الأمني التام وانعدام المُساءلة القضائيّة الذي عاشته العراق بعد الغزو مثاليًّا لانتشار مثل هذه الممارسات، واستخدامها من جانب بعض التيّارات العنيفة من أجل تخويف الناس.

 

كانت إحدى المحطات الزمنية لهذه الحوادث العام 2014؛ إذ شهدت مدن العراق كافة عشرات القصص لما يُرجّح أن تكون  «جرائم شرف» تُرتكب ضد النساء من جانب دويهن كردّ فعل على دخولهن في علاقات مع ذكور حسب ادعاء العائلات.

 

وارتبطت هذه المحاولات برغبة مشتركة بين أهل الضحية والحكومة لإخفاء أسباب الحادثة، واختلاق قصص وهمية وتسجيل موتهن على أساس «وفاة عادية» أو «قتل من قبل مجهولين»، في دوائر الطب العدلي.

 

وعزّز من ذلك تلاقي الرغبة في إخفاء أسباب الوفاة من جانب أهل الضحية مع قبول الشُرطة بذلك؛ إذ رأت الأجهزة الأمنية في إخفاء الأسباب الحقيقية لهذه الجرائم حماية لوجودها من الملاحقات العشائرية في بلد تتصاعد فيه قوة العشائر متحديةً مؤسسات الدولة.

 

وحسب إحصائية أعدّها مُحرر بجريدة «الحياة» فإن عدد جثث النساء مجهولات الهوية التي عُثر عليها من تاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 ولغاية 21 سبتمبر (أيلول) 2016 نقلًا عن مصادر أمنية في وزارة الداخلية بلغ 52 جثة تتراوح أعمارهن ما بين 20 و35 سنة. وأشار كذلك إلى أنّ «غالبيتها كانت مرميّة في مناطق جنوب شرقي العاصمة، ومن بينها منطقة الزعفرانية، وكانت تحمل في معظمها آثار إطلاق نار في منطقة الرأس والصدر أو آثار طعن بالسكين».

 

حوادث الاستهداف نفسها تكررت في عام 2014؛ حين وقعت جريمة فى حي زيونة شرقي العاصمة العراقية بغداد؛ بعدما جرى قتل نحو 27 امرأة قيل إنّهن كنّ يمارسن الدعارة في شقق سكنية بالحي بواسطة جهة مجهولة نفّذت هذا الحادث، إذ لم تكشف عن هويتها، واكتفت ببعض الكتابات على الجدران جاء فيها أن «هذا جزاء كل من تمارس تجارة البغاء».

 

ولم تكُن هذه الحادثة الأولى في المنطقة تجاه شقق الدعارة؛ إذ وقعت هجمات مُسلحة استهدفت بيوت الدعارة في هذه المنطقة على مدار الأعوام الماضية وقتل فيها عشرات من النساء والرجال.

 

حسب رواية سائق سيارة أجرة يٌدعى حسن أسعد 36 عامًا، والذي يعمل ضمن منطقة زيونة لموقع «فرانس 24» قال:

 

«الجميع خائفون. قد أقتل بسبب ذلك، لكن علي أن أقول إن من يقوم بتلك الأعمال هم ميليشيات شيعية. أنا شيعي وأقول ذلك. من غيرهم يسيطر على بغداد؟ سلطتهم أكبر من سلطة الشرطة». وتابع: إن «فتيات الدعارة يعملن هنا منذ زمن صدام. لماذا برأيكم يقمن بذلك؟ لأن أزواجهن دخلوا السجن أو قتلوا، ويتوجب عليهن الآن أن يطعمن أولادهن. كيف وصل العراق إلى هذه المرحلة يا ترى؟».

 

من يغتال الجميلات في بلاد الرافدين؟

يُشير سرد الوقائع السابقة بتواريخ حوادثها من بعد الاحتلال الأمريكي للعراق أنها بدأت تتحوّل إلى «ظاهرة» تخفت لمدّة زمنيّة لتعاود الظهور مرّة أخرى؛ إذ اتاحت الطائفية والوضع الأمني المتردّي نمو جماعات دينية متشددة تتّخذ العنف وسيلة لتطبيق أفكارها.

 

امرأة عراقية في الموصل

 

وحسب تصريح للواء الركن المتقاعد عماد علو، مستشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب لموقع «سبوتينك» فإن «هذه العمليات وإن تبدو في ظاهرها جرائم جنائية، ‏لكن ‏نوعية الضحايا وتوقيت الجرائم يمكن قراءتها بأنها لها اتجاهات سياسية للتأثير على المشهد السياسي في الأيام المقبلة».

 

في الحوادث التى وقعت الأسابيع الماضية؛ لم يُعثر على أدلة إدانة حقيقية للمتورطين؛ لكن النظر للظرف السياسي والأمني والديني الراهن الذي يعيشه العراق يجعل مثل هذه الحوادث غير مفاجئة بالنظر إلى الوضع العام الذي تعيشه البلاد.

 

يزيد من غموض هذه الحوادث وهوية منفذيها هو عدم إعلان أي جماعة دينية أو جهة سياسية عن مسئوليتها عن تلك الأفعال؛ ممّا قد يفتح باب التكهّنات والاتهامات بين الأطراف السياسية والدينية المختلفة في المشهد العراقي.

 

ويرى البعض أن عدم العثور على أدلة إدانة في التحقيقات الرسمية برغبة الشرطة في التهرب من نتائج مثل هذه القضايا التي تنظر لها نظرة بعيدة عن تطبيق القانون بقدر ما تتعامل معها بمنطق إراحة البال تخوفًا من أن تصل النتائج لجهات قبلية أو دينية ذات نفوذ واسع في المجتمع العراقي.