السبت: 21 يوليو، 2018 - 07 ذو القعدة 1439 - 10:15 مساءً
دفاتر
السبت: 30 ديسمبر، 2017

هانم الشربيني

شكّل الاستماع إلى الإذاعة نشاطاً حيوياً في العالم العربي عقب الحرب العالمية الثانية وقبلها، إذ لعبت الإذاعات أدواراً سياسية عديدة، سواء تلك التي وجهتها الدول الغربية إلى الجمهور العربي أو تلك التي استخدمتها الأنظمة العربية كسلاح دعائي في ما بعد.

وكان المقهى مكاناً محورياً يستمع فيه الرجال إلى الإذاعات.

تنافس على المستمعين

كان الشرق الأوسط “منطقة مهمة لمحطات الإذاعة عبر الحدود منذ ثلاثينيات القرن الماضي عندما بدأ الزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني البث الإذاعي من راديو باري (نسبة إلى موقع البث في جنوب شرق إيطاليا) إلى الشرق الأوسط بالعربية”، يروي لرصيف22 أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة سامي الشريف.

ويشرح أن دوافع هذه الخدمة لم تكن واضحة، إذ كانت أجهزة استقبال البث الإذاعي قليلة جداً في الشرق الأوسط في ذلك الوقت، مع أن المنطقة العربية عرفت البث الإذاعي منذ عام 1925، حين تأسست إذاعات في الجزائر ومصر.

مع مرور الوقت، تزايدت حدة هجمات موسوليني بالعربية على بريطانيا، بعد سنة 1935، فـ”أحدث ذلك بعض القلق لدى الدبلوماسيين البريطانيين في مصر وفلسطين وشرق الأردن ومشيخات الخليج العربية التي كانت تعرف باسم دول الهدنة”، بحسب الشريف، الذي يتابع: “خشيةً من التأثير المحتمل للبرامج العربية المقدمة، ناقشت وزارة الخارجية البريطانية هيئاتها الدبلوماسية سنة 1936 في الأمر، واُتّخذ قرار ببث هيئة الإذاعة البريطانية خدمة باللغة العربية، وهو ما بدأ في يناير 1938”.

راحت هيئة الإذاعة البريطانية تعمل بواسطة مذيعين مصريين، وسعت إلى استقدام القادة العرب البارزين إلى لندن.

في المقابل، دخلت ألمانيا مضمار المواجهة وأخذت تبث موضوعات معادية لبريطانيا ولليهود عبر العديد من الشخصيات العربية في المنفى مثل رئيس الوزراء العراقي الأسبق رشيد الكيلاني، ومفتي فلسطين السابق الحاج أمين الحسيني الذى عمل مستشاراً لإذاعة سرية نازية اسمها “صوت العرب الأحرار” التي كانت تبث برنامجاً مدته 30 دقيقة لمصر.

الطنطاوي في إذاعة الشرق الأدني في القدس في المؤتمر الإسلامي لأجل حيفا 1953

وكتب في دراسته: “في 30 أكتوبر 1956 هاجمت إسرائيل بعِلم بريطانيا وفرنسا وتأييدهما سيناء وبدأت حرب السويس. اتضح في الساعات الأولى من الحرب أن هذه الإذاعة بريطانية جداً بل كشف في الواقع عن أنها تخضع لسيطرة الاستخبارات البريطانية”.

ولكن هجمات هذه الإذاعة عبر برامجها لم تنجح إلا في زيادة شعبية عبد الناصر، بحسب بويد الذي رأى أن تلك البرامج عكست موقف رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن من عبد الناصر، ووصفها بالرديئة، وقال إنها كانت تُظهر جهلاً في الشؤون المصرية، وضرب، نقلاً عن محمد حسنين هيكل، مثل اقتراحها لائحة من ثمانية أسماء لمصريين مقبولين لدى البريطانيين في حكومة جديدة، كان اثنان منهم (حافظ رمضان وعلي زكي العرابي) قد توفيا.

سوسيولوجيا الإذاعة

يروي أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة سعيد صادق أن “بعض الزعماء العرب استثمروا بقوة في الإذاعة لإشهار رؤاهم، واتخذوا منها فضاءً لنشر خطاباتهم”. وقد برز في هذا الإطار نموذج عبد الناصر والرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة “في مرحلة بناء الدولة المستقلة الجديدة المتحررة لتوها من نير الاستعمار”.

ففي عهد بورقيبة، “مثلت الإذاعة الساحة التي تسكنها الدولة حيث كانت تدير الألعاب البلاغية لتحصين دواليبها وحماية أفكارها ورموزها السياسية وتحقيق الضبط الاجتماعي كما يراه الزعيم”، يضيف صادق لرصيف22.

معارك عبد الناصر الإذاعية

“عقب الثورة المصرية سنة 1952، صارت الإذاعات التي تبث من القاهرة مثل صوت العرب تسمع في كل أنحاء العالم العربي، وكانت صوت العرب هي لسان عبد الناصر”، يقول صادق.

ويروي الإعلامي أحمد سعيد المحسوب على نظام ناصر الدعائي في مذكراته دور المخابرات المصرية في إنشاء عدد من الإذاعات: “بدأت قصة الإذاعات السرية المصرية بعدة تقارير متتابعة طالبت فيها المخابرات العامة بأهمية اعتماد فكرة اتباع أسلوب الإذاعات السرية لتنفيذ حملات هجومية مضادة، إثر بدء إذاعة إيران العربية، قرب ميناء بوشهر، فصدرت تعليمات عبد الناصر بالموافقة على إنشاء إذاعة سرية شريطة أن يكون مذيعوها جميعاً من المعارضين المقيمين في الخارج والمطاردين من قبل حكم الشاه.

ناصر السعيد في إذاعة صوت العرب سنة 1956

يقول السعيد إنه عندما استقرت ثورة اليمن وتصاعد الخلاف حولها بين مصر والسعودية، بدأت حرب إعلامية بادرت فيها الرياض بإنشاء إذاعة سرية لأنصار الحكم الإمامي في اليمن داخل أحد كهوف جيزان على حدود المملكة الجنوبية الغربية.

وكان عبد الناصر يرفض طلبات المخابرات العامة إنشاء إذاعة سرية تختص بالسعودية، غير أن الإذاعة الإمامية لم تلبث بعد سبعة أشهر من بدء بثها أن اتهمت مصر بالشيوعية والإلحاد، وعبد الناصر بالعمالة للاتحاد السوفياتي، فوافق الأخير على إنشاء إذاعة سرية تتجه بخطابها كله إلى شعب المملكة، ويتولى أمرها “المناضل السعودي العمالي ناصر السعيد”.

وبثت مصر إذاعة سرية باسم “صوت العراق الحر” رداً على إنشاء حكم البعث العراقي الإذاعة السرية “صوت الجماهير”.

الإذاعة وحزب البعث

“استخدم حزب البعث بشقيه السوري والعراقي الإذاعة في الترويج لأفكاره القومية ثم تحول هذا السلاح إلى حرب إعلامية شرسة. فعقب القرار العربي بتكليف الجيش السوري بمهمة فرض النظام في لبنان واعتراض الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على القرار، اتهمت إذاعة دمشق صراحة مَن أسمتهم بـ”الزمرة العشائرية” بتدبير الاغتيالات لقادة الحزب في سوريا، ووجه صدام العديد من الإذاعات ضد السعوديه لمواقفها السياسية المضادة له”، يروي الشريف.

ويضيف: “في كل الأوقات، كانت الإذاعة سلاح الأنظمة العربية للتعبير عن مواقفها. اشتعلت في المنطقة العربية في السيتنيات حروب كلامية عديدة استمرت حتى حرب الخليج الأولى. مثلاً، قبل النكسة، وصفت إذاعات الأردن والسعودية عبد الناصر بالمهادن لإسرائيل”.

الإذاعة والعداء بين الأنظمة

“استمرت المواقف العدائية بين الحكام العرب حتى التسعينيات واستخدمت سلاح الإذاعة”، يروي صادق.

فعقب توقيع معاهدة كامب ديفيد وجهت سوريا والعراق إذاعتي “مصر العروبة” و”مصر العربية” خصيصاً لمهاجمة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، والأمر نفسه فعلته إذاعة الزحف الأخضر التابعة للزعيم الليبي معمر القذافي. وعقب الغزو العراقي للكويت شنت السعودية هجوماً كبيراً على صدام حسين وأسست “الإذاعة السرية الكويتية”.

وفي المقابل، أقام صدام إذاعات سرية مضادة لتوجه السعودية، وهو سيناريو عربي تكرر كثيراً في الخمسينيات. فقد أنشأ رئيس وزراء العراق، وأول حاكم له بعد سقوط الملكية، عبد الكريم قاسم إذاعة “صوت دمشق الحرة” للرد على هجوم عبد الناصر عليه، وعلى أثر ذلك حدثت أزمة دبلوماسية بين الدولتين.

و”لعبت الإذاعة دوراً في إبراز الاختلاف بين النظامين الجمهوري الجزائري والملكي المغربي، فكل منهما كان ينظر للآخر باعتباره مصدر تهديد، وكانت مشكلة الحدود بينهما أكثر قضايا المغرب العربي سخونةً ووصلت إلى الحرب 1963″، بحسب صادق.

فبعد انقلاب هواري بومدين في الجزائر، عبّر الملك المغربي الحسن الثاني عن فرحته عبر الإذاعة وقال: يسرني أن يترأس الجزائر شخص آخر يمكنني محاورته ومصافحته.

الإذاعة ضد الاستعمار

يتحدث أستاذ الإذاعة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة عادل عبد الغفار لرصيف22 عن فصل مهم في تاريخ الإذاعات في العالم العربي وهو دورها ضد الاستعمار.

وتقدم تجربة الإذاعة السرية الجزائرية، “صوت الجزائرة المكافحة”، منذ عام 1957 مثالاً مهماً على كون الإذاعة “وسيلة تفوقت على الأسلحة الحربية في المعركة ضد المستعمر الفرنسي”، بحسب تعبيره.

فقد لعبت هذه الإذاعة دوراً كبيراً في التعريف بالقضية الجزائرية والمساهمة في مساندة المجاهدين، وتمرير العديد من الرسائل التي من شأنها زيادة تلاحم الشعب الجزائري الثائر.

وفي ذاك الوقت، تكاتفت مع الثورة الجزائرية إذاعة تونس وصوت العرب وليبيا عبر إذاعة نشيد الثوار والتعليق السياسي، وفطن الاستعمار لهذا الدور، فكان يحاول جاهداً وقفها ولكنها كانت متنقلة ونجحت في الإفلات منه