الثلاثاء: 12 ديسمبر، 2017 - 23 ربيع الأول 1439 - 12:42 صباحاً
دفاتر
الأحد: 3 ديسمبر، 2017

آية حسني

تاريخ التمرد قديم قدم الحضارة البشرية، فجميع الأديان والحضارات قد صاغت الأساطير التي تتحدث عن تعطش الإنسان إلى التحرر من كل القيود وكسر الحواجز.

ولكن الثقافات التي صاغت سياقات مختلفة لتمرد الرجال، لم تجد دوماً طريقة “مقبولة” للتجاوب مع قوة المرأة وشهوتها وأنوثتها، ومن هنا نرى محاولات دائمة لحصر الأشكال والشخصيات التي تصور بها النساء، كما نلمس ميلاً واضحاً لتأطير الشهوة بربطها بالموت والفوضى والخراب، كشخصية كالي أو كاليكا الآلهة المرتبطة بالموت والدمار في الهندوسية، وموهيني التي تقدمها الملحمة السنسكريتية “المهابهارتا”، على أنها تسحر العاشقين وتقودهم لهلاكهم.

وهذا الجمع بين القوة والدمار في وصف النساء لم يقتصر على الشخصيات الأسطورية، بل كان أداة في وصف النساء في القصص التاريخي والتراث الديني كذلك، مثل قصة كليوبترا، ومثل وصف سالومي ودليلة وملكة سبأ، وكذلك ليليث، موضوع المقالة.

ليليث ساكنة الجنة الأولى
في حين أن الديانة المسيحية اعتبرت أنّ حواء التي خلقت من ضلع آدم هي أول من تمرّد على قوانين الطبيعة وتفلت من السيطرة من خلال الإقدام على تناول الفاكهة من الشجرة المحرمة، فإن القصص العبرية قد قدمت شخصية أخرى، هي “ليليث” زوجة آدم الأولى، وندّه، خُلقت قبل “حواء” ولكنها تركت الجنة، وفرت هاربة منها.

لوحة ليليث للفنان دانتي غابرييل روزيتي

فمن هي “ليليث” التي ارتبط اسمها بالشهوانية والتمرد والغواية؟
برزت شخصية ليليث، للمرة الأولى في ملحمة جلجامش السومرية، وانتقل تصورها إلى الثقافة اليهودية، فقدمت اليهودية الحاخامية، وجهة نظر بديلة عن قصة الخلق كما وردت في الكتاب المقدس، حيث اعتبر الـ”مدراش” ليليث زوجة آدم الأولى بدلاً من حواء، وأشار إلى أنها تمردت وتخلت عن آدم، فقام الله باستبدالها بحواء.

وقد اختلف لفظ اسمها وفق كل حضارة، فهي “ليليث” بالعبرية، و”ليليتو” بالأكادية، وكلاهما من الجذر “ليلَ” الذي يعني الظلام. كما أن البعض يجد تشابهاً لقصتها مع قصة “لميا” في الأساطير اليونانية، الآلهة التي تشرف على جنيات مهمتهن خطف الأطفال.

وكما يرد في كتاب “كهف ليليث” (1988)، اعتبرت في ذكرها الأول في سومر، بأنها من “آلهة الرياح والعواصف”، وفي الأساطير البابلية، اعتبرت مرسلة من الآلهة لإغراء الرجال وإغوائهم، وتبنتها الأساطير اليهودية على أنها شيطانة الليل، ودخلت لاحقاً المسيحية على أنها “بومة”، كما ورد في نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس.

رجح بعض الخبراء أن تكون ليليث هي المرأة التي تجسدها منحوتة التيراكوتا (من القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد)، وقد صورتها بمخالب طير، وبومتين على جانبيها، وأسدين جاثمين عند قدميها (من مقتنيات المتحف البريطاني)

رجح بعض الخبراء أن تكون ليليث هي المرأة التي تجسدها منحوتة التيراكوتا (من القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد)، وقد صورتها بمخالب طير، وبومتين على جانبيها، وأسدين جاثمين عند قدميها (من مقتنيات المتحف البريطاني)

ليليث في العهد القديم
يعود اسم “ليليث” مرة أخرى للظهور في الكتب والأساطير حوالي عام 700 ق.م، حيث ظهرت في العهد القديم باعتبارها شيطانة الليل، وتجسدت على شكل بومة باكية. وهكذا اعتبرت روح أو ريح حاملة للأمراض للتخلص من الأطفال والنساء الحوامل، والتفرقة بين الأزواج، وقدّم ذلك على أنه طريقتها بالانتقام من مصير البشر بعدها.

وهكذا اكتسبت شخصيتها في المعتقد الديني والأسطوري ازدواجية القوة والذكاء والتمرد، من جهة، ومن جهة أخرى الإغواء والخراب وتجليات الدمار في الموت والقتل والخطف والأمراض.
ومن هنا التصق تسجيدها للشهوة بسمعتها كساحرة تفتك بالأطفال والنساء، إلا أنّ كلاً من الدورين تطور في أساطير وسرديات منفصلة، فيكاد لا يكون هناك أي قصة عنها تجتمع فيها الصفتان، ففي معظم وجوه الأسطورة كما تطورت لاحقاً، كانت “ليليث” دائماً تمثل إمّا الفوضى أو الإغواء.


وبسبب أعمالها، ارتبط اسم “ليليث” باسم “لاماشتو”، الشيطانة التي كانت تفترس الصغار حديثي الولادة وتشرب دماء الرجال وتلتهم لحمهم، كما تدفع النساء الحوامل للإجهاض وتجلب لهنّ الكوابيس.

وبهذا أصبحت “ليليث”، و”لاماتشو”، و”لميا” وغيرها من الأسماء محصورة بثنائية الخير والشر، وارتبطت بشكل وثيق بالظواهر التي تحدث في العالم الحقيقي والتي لا يمكن تفسيرها، خاصة لناحية وفاة الأطفال حديثي الولادة أثناء نومهم بشكل مفاجىء ومن دون أي سبب واضح، (ريفكا إلمير في “الخرافة في اليهودية” في موسوعة الدراسات اليهودية).

مع أن ذكر ليليث لم يرد إلا بشكل محدود في التلمود، إلا أن ما ورد فيه عن تصويرها كشيطانة هو أهم ما بين أيدينا من نظرة الأدب اليهودي لها، وهو في آن يعكس تأثير قصة ليليث من أساطير ما بين النهرين، ويحدد ملامح ليليث كما سطرتها القصص اللاحقة.

معتقدات مرتبطة بأسطورة “ليليث”
ظلت الأساطير التي تتحدث عن “ليليث” منتشرة حتى نهاية القرن الثامن عشر، ما أنتج عنها العديد من المعتقدات مثل إقدام الأمهات على صنع تمائم لأطفالهن وخاصة حديثي الولادة، تحوي أسماء الملائكة الثلاثة المذكورين في الأسطورة، لاعتقادهنّ أن ليليث تخاف الاقتراب من الأماكن التي يوجد بها تلك الأسماء فتهرب بالتالي من دون أن تلحق ضرراً بالأطفال.

في سياق متصل كان هناك اعتقاد شائع بأن المرأة التي تجهض هي غير طاهرة بل ممسوحة بروح ليليث الشريرة، فيتجنبها الناس وتحرم عليها دور العبادة.

واللافت أنه في العصور الوسطى، ارتبط اسم “ليليث” بظاهرة تحصل بشكل متكرر بين الشباب وخاصة المراهقين منهم أثناء النوم، وهي الظاهرة التي تعرف بـ”الأحلام الرطبة”، أي قذف الحيوانات المنوية أثناء النوم بشكل لا إرادي، فاعتبر الرهبان في تلك الحقبة أن “ليليث” هي المسؤولة عن هذا الأمر وبالتالي حاولوا منع “زياراتها الليلية” من خلال وضع أيديهم على أعضائهم التناسلية وحمل الصليب أثناء النوم.

ليليث “الشهوانية” تحارب السطوة
وهكذا أُسقِطَ على قصة آدم وليليث، الصراع بين السلطة الذكورية وتمرد النساء وتحديهن لهذه السلطة.

فكما يوضح الباحث في تاريخ الفن والأسطورة، الدكتور كريستوفر ويتكومبي، إذا حاولنا تقصي الأسباب التي سمحت بتحويل زوجة آدم الأولى إلى شيطان بعد أن تمردت، فإن الجواب قد يكون متضمناً في السؤال نفسه: أي أنّ عصيانها لآدم فُسّر على أنه السبب في تحولها إلى كائن شرير. فهل كانت تلك الأساطير في صميمها عملية قمع لفكرة التمرد ونزعة التحرر، فهي تنذر بأن الأطر الثقافية مستعدة لتحويل كل امرأة تحاول التخلص من قيود المجتمع إلى مسخ؟
يقال إنّ “ليليث” كانت تتمتع بالجمال والأنوثة والذكاء، حتى أنها كانت تتجسد ليلاً في أبهى صور النساء للظهور أمام الرجال وإغوائهم، ومن ثم تقوم بقتلهم، فيما يقدمها المعتقد الشعبي اليهودي، في هيئتها “الحقيقية” التي مسخها عليها “يهوه”: برأس حية وجسد تنين، وأجنحة ومخالب، تساعدها في قتل الرجال والأطفال والحوامل.

لأنّ “ليليث” تمثل المرأة الجنسية والشهوانية، فإن أسطورتها تحاول أن تقول إنّ المرأة، رمز الأنوثة والشهوانية، تتحول إلى كائن مدمر ومخرّب، وبهذا تتماهى الغواية مع الشر، وهو جزء من عجز الثقافة وحيرتها أمام شهوة النساء.

وفي هذا السياق تذكر مقالة عن ليليث، من موقع “كوريوس مايند ماغازين”، أن هناك عدة فوارق ما بين “ليليث” وحواء”، فبخلاف حواء وتصويرها على أنها جزء من آدم، بشكل مادي ورمزي في تدليل على فوقتيه، فإن “ليليث” اعتبرت مثالاً للمرأة الذكية التي تستخدم الجنس لإغواء الرجل.

ليليث في ثقافتنا اليوم
يمكن اعتبار ليليث الجزء الصامت في قصة الجنة، وبداية علاقة البشر بالله، وعلاقة الرجل بالمرأة، حيث قلما نسمع أو نقرأ عنها.

ولكننا نجد انعكاسات قصتها في تصوير النساء حتى اليوم، لعل أشهرها صورة الـ”Femme fatale” التي تغوي الرجال قبل أن تقودهم للهلاك.

هل كانت أسطورة ليليث أساس تصوير الـ”Femme fatale”، المرأة الفاتنة التي تغوي الرجال وتقودهم للهلاك؟

كما وظفت في أعمال عدة تحدثت عن علاقة المرأة بالغواية، لعلّ أشهرها، لوحة دانتي غابرييل روزيتي (صورة المقال)، التي بدأها بين عامي 1866 و1868، وغير وجهها عام 1872 و1873، ليصبح وجه أليكسا ويلدينغ، التي كانت فيما بعد نموذجاً لعدد من لوحاته. أرفق روزيتي مع لوحته مقطعاً عن ليليث من مسرحية “فاوست” للكاتب الألماني غوتيه، كما ترجمها الشاعر شيلي، يقول فيه:
“احذر من شعرها الجميل
لأنها تفوقت على كل النساء بسحر شعرها،
وبعد أنْ تلفّه حول عنق شاب فتيّ،
لن يتحرر يوماً من سحرها الغامر”
ولكن في القرن الماضي، أُعيد تشكيل أسطورة ليليث بشكل يكشف قلق الذكور من النساء اللواتي يحاولن التخلص من السيطرة،
ومع بزوغ نظرة نقدية للأنساق الذكورية في تناول الثقافة، برزت أعمالٌ عدة في الفن والأدب أحيت قصتها كنموذج لتعامل الثقافة مع الشهوة والقوة لدى النساء، وقدمت الكثير من الدراسات التي حللت تشرب الثقافة لرمزيتها وإعادة صياغة أسطورتها بأشكال عديدة، كلها في محاكاة لمكانة المرأة وتعامل المجتمع مع شهوتها وقوتها وتمردها وإغوائها.
ليليث: الجزء المغيب في قصة الجنة، وبداية علاقة البشر بالله، وعلاقة المرأة بالرجل

كان على رأسها، أدب الكاتبة الشهيرة فرجينا وولف (1882_1941)، التي استخدمتها في تصوير بطلات كتاباتها، كما ورد في دراسة تناولت الموضوع بعنوان “The demon in the house: Resonances of the Lilith myth in Virginia Woolf’s protagonists”.

والعديد من الجمعيّات التي تبنتها كراعية لها، معتبرة أنها احتفاء بذكاء النساء، وبسعيهن للتحرر من الأدوار الجنسانية الضيقة التي تفرض عليهن. فأقيم مهرجان موسيقى سنوي للمرأة حمل اسمها (Lilith Fair)، كما حملت اسمها مجلة دورية نسوية تأسست في العام 1976، ومكتبة في برلين، وعشرات المباني غيرها، وبذلك بدأ اسم ليليث يرتبط بالفن، وبالأدب وحتى بالطقوس الدينية التي تهدف إلى التأكيد على قوة المرأة وروحانيتها.

وفي قلب كامل للأسطورة، قامت أستاذة الدراسات النسوية جوديث بلاسكو بتصور “عودة ليليث” إلى حديقة عدن وبدء صداقة مع حواء، التي كانت تتذمر من مسألة خضوعها لآدم.
وتختم بلاسكو قصتها بتوصيف لقلق الله وآدم وتخوفهما من اليوم الذي قد تأتي فيه ليليث وحواء إلى الجنة، معاً، وتقلبان كل شيء رأساً على عقب.