السبت: 20 أكتوبر، 2018 - 09 صفر 1440 - 10:32 صباحاً
دفاتر
الخميس: 17 مايو، 2018

محمد يسري

أثار إعلان إحدى المنظمات الدينية في إسرائيل إصدار عملة معدنية تحمل صورة وجهي كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملك الفارسي “كورش العظيم”، ردود فعل مستهجنة، بعضها بسبب حضور ترامب عليها وبعضها بسبب حضور ملك فارسي لا يعرف المستهجنون مكانته في الوعي اليهودي.

وأتى هذا الإعلان في سياق تكريم ترامب كإحدى الشخصيات التي دافعت عن حق اليهود في إقامة “هيكلهم المقدس”، قبيل نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

واكتشف الكثيرون من المتابعين للمرة الأولى امتلاك شخصية تاريخية فارسية هذه الدرجة من التأثير في التاريخ اليهودي، في الوقت الذي تتصاعد فيه النبرة العدائية بين إيران وإسرائيل.

قضى على الحكم البابلي

كانت الهضبة الإيرانية، في النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد، قد شهدت ظهور عدد من الممالك القوية مثل ليديا وميديا وبارثيا، وكانت تلك القوى الوليدة قد دخلت في معارك متتالية بعضها مع بعض، في الوقت الذي كانت سلطة الإمبراطورية البابلية قد تراجعت على تلك البقعة الجغرافية، بعد وفاة آخر ملوكها العظام وبدأت مرحلة أفولها واضمحلالها.

في مملكة أنشان، وهي إحدى الممالك الصغيرة الواقعة جنوب غرب الهضبة الإيرانية، وُلد “كورش العظيم”، في بيت الأسرة الحاكمة. وفي ظروف يحيط بها الكثير من الضبابية والغموض تمكن الأمير الفارسي من ارتقاء عرش آبائه، ليجد نفسه في مواجهة صعبة أمام مملكة ميديا القوية التي كانت قد بسطت سلطتها على الفرس.

بحسب ما يذكره الدكتور أحمد أمين سليم، أستاذ التاريخ القديم في جامعة الإسكندرية، فإن مجرى التاريخ قد تغيّر تماماً بوصول كورش إلى العرش. فقد كان “طموحاً جريئاً ذكياً جمع شمل القبائل الفارسية أولاً ثم جنّد أيضاً رجالاً من الفلاحين ولم يقتصر على اللجوء إلى طبقة الفرسان، وتميز ذلك الفاتح الجديد بحيوية متدفقة، فسرعان ما أحسن تنظيم وتدريب جنوده، وبخاصة المشاة الرماة الذين كانوا يبدأون المعارك فيصيبون بسهامهم من أعدائهم المقاتل، فإذا ما بدأت صفوف العدو تتخاذل أو يدب فيها الارتباك، يهجم الفرسان من الجناحين ويجهزون على عدوهم”.

لوحة لجان فوكيه

بتلك الاستراتيجية العسكرية الموفقة، استطاع الملك الفارسي أن ينتصر على الميديين في أكثر من معركة، فدحرهم ثم تمكن من وضع ممتلكاتهم تحت نفوذه، واتخذ من العاصمة الميدية أكباتانا مقراً ومركزاً لحكمه.

ولم يمض وقت طويل حتى استطاع عام 547 ق.م أن ينتصر على كرويسوس ملك ليديا، ومن ثم استولى على مدينة حران التي كانت أحد المراكز التجارية المهمة في المنطقة، وعلى مدن الساحل اليوناني وعلى سوريا.

وفي عام 539 ق.م، استطاع كورش أن يهزم البابليين وأن يدخل إلى بابل. ويؤكد أحمد أمين سليم في كتابه سابق الذكر، على المعاملة الحسنة التي عامل بها الملك الفارسي أهل بلاد الرافدين، “فقد قدم نفسه إليهم على أساس أنه واحد منهم، وصاحب حق شرعي في عرشهم”.

كانت تلك الخطوة هي الأهم والأكثر خطورة وتأثيراً في فتوحات كورش. وبسقوط بابل، حل الفرس محل البابليين في موقع السيادة على الشرق الأدنى القديم، وتوجهت أنظارهم صوب اليونان في محاولة لإثبات هيمنتهم المطلقة على جميع أرجاء العالم.

ووسط كل تلك الطموحات التي لا حد لها، خرج كورش في غزوة تأديبية عام 530 ق.م، فاتجه إلى الحدود الشرقية لإمبراطوريته، واصطدم هناك ببعض القبائل البدوية، ولم يُكتب له النصر في تلك المعارك، وقُتل في إحداها، وتم نقل جثمانه إلى مدينة باسارجارا، وخلفه على العرش ابنه قمبيز.

سوط الرب ضد أعدائه

تنظر المصادر اليهودية إلى شخصية “كورش العظيم” بشكل يتفق أحياناً مع الصورة التي قدمتها عنه المصادر التاريخية، ولكنها في الوقت ذاته تضيف الكثير من التفاصيل التي لم ترد في أي من النقوش أو النصوص التاريخية المعترف بها، سواء أكانت تلك النصوص إيرانية أو عراقية.

قبل الولوج إلى تفاصيل النظرة اليهودية إلى كورش، ينبغي المرور سريعاً على واحد من أهم الأحداث التاريخية المفصلية التي أثرت كثيراً في تاريخ اليهود حتى الآن، وهو ما اصطلح على تسميته بالسبي البابلي.

عرض المؤرخ العراقي طه باقر، في كتابه “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة”، الظروف الصعبة التي حاقت بالشعب اليهودي في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، وذلك عندما وجد العبرانيون أنفسهم في مواجهة الإمبراطورية البابلية التي كان يقودها في ذلك الوقت واحد من أشهر القادة العسكريين خبرة ودراية وتعطشاً للدماء، وهو الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني، الذي عرفته المصادر الفارسية والعربية بعد ذلك باسم بختنصر.

نبوخذ نصر الرامي إلى إقامة إمبراطورية تسيطر على الشرق الأدنى كله، استطاع أن يخضع سوريا وبلاد الرافدين وأجزاء من بلاد فارس، وتمكن من غزو فلسطين، ولكن اليهود ثاروا عليه أكثر من مرة.

وفي عام 586 ق.م، توجه نبوخذ نصر في حملة كبيرة لإخضاع مدينة أورشليم بشكل تام ونهائي لحكمه، وهو ما وصفه طه باقر في كتابه سابق الذكر بقوله: “كان غضب الملك البابلي هذه المرة عظيماً، فدمر المدينة وأحرق هيكل سليمان وسلب خزائن المدينة ونقلها إلى بابل وقتل من سكانها خلقاً عظيماً، وأخذ من اليهود 40،000 أسير… وقُبض على الملك اليهودي صدقيا وأُخذ إلى معسكر الملك فذبح أولاده أمام عينيه، ثم فقئت عينيه وهو حي، وأُخذ مكبلاً مع الأسرى إلى بابل”.

كورش يطلع على مخطط للقدس بلوحة لجايكوب فان لوو

هنا، وكنوع من استبقاء الأمل في النفوس، بدأت النصوص الكتابية اليهودية في تقديم عدد من البشارات للشعب اليهودي الأسير، ومن تلك البشارات ما ورد في سفر إرميا “هأَنَذَا أُوقِظُ وَأُصْعِدُ عَلَى بَابِلَ جُمْهُورَ شُعُوبٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ…”، في إشارة إلى الجيوش الفارسية التي ستهزم البابليين.

أما في سفر أشعيا، فيأتي أول ذكر لكورش، باعتباره المخلص الموعود الذي سيعيد بناء مدينة الرب مرة أخرى، إذ ورد فيه: “هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ فَادِيكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الْبَطْنِ: أَنَا الرَّبُّ صَانِعٌ كُلَّ شَيْءٍ… الْقَائِلُ عَنْ أُورُشَلِيمَ: سَتُعْمَرُ، وَلِمُدُنِ يَهُوذَا: سَتُبْنَيْنَ، وَخِرَبَهَا أُقِيمُ… الْقَائِلُ عَنْ كُورَشَ: رَاعِيَّ، فَكُلَّ مَسَرَّتِي يُتَمِّمُ. وَيَقُولُ عَنْ أُورُشَلِيمَ: سَتُبْنَى، وَلِلْهَيْكَلِ: سَتُؤَسَّسُ”.

وفي سفر أرميا، يتم وصفه على لسان الرب بـ: “أَنْتَ لِي فَأْسٌ وَأَدَوَاتُ حَرْبٍ، فَأَسْحَقُ بِكَ الأُمَمَ، وَأُهْلِكُ بِكَ الْمَمَالِكَ…”.

هذه البشارات التي قد تكون كُتبت بعد وقوع الأحداث تحققت فعلياً عام 538 ق.م، عندما استطاع “كورش العظيم” أن ينتصر على البابليين وأن يقضي على الإمبراطورية البابلية بشكل نهائي.

وبعد ذلك بسنتين وبالتحديد في عام 536 ق.م أعلن الملك الفارسي عن حق اليهود في الرجوع مرة أخرى إلى أورشليم، وذلك بعد نصف قرن من المعاناة والنفي والعبودية في بلاد الرافدين، حسبما تؤكد الروايات المذكورة في العهد القديم.

وبحسب ما ورد في سفر عزرا، فإن عدد اليهود الذين رجعوا إلى أورشليم كان في حدود 42،000 شخص. ولم يكتف كورش بالسماح لهم بالعودة وتسليمهم مقتنيات معبدهم النفيسة التي كان نبوخذ نصر قد أخفاها في خزائنه فحسب، بل عمل أيضاً على تنظيمهم عندما نصب زربابل رئيساً لهم، وكذلك عندما وقف في صفهم وقت اختلافهم مع السامريين الذين أرادوا أن يشاركوهم في عملية بناء الهيكل، إذ قصر حق بناء الهيكل على الراجعين من المنفى فقط دون غيرهم.

ورغم كل تلك المكانة السامية التي شغلها كورش في النصوص الكتابية في العهد القديم، فإن مراجع يهودية، ومنها المكتبة اليهودية المصورةJEWISH VIRTUAL LIBRARY، ترفض اعتباره مؤمناً حقيقياً بيهوه إله بني إسرائيل، وتقول إنه رغم تسميته بالممسوح في أحيان وبالراعي في أحيان أخرى، فإنه لم يكن أكثر من أداة للعقاب سلطها الرب على البابليين الذين استهانوا به وظلموا “شعبه المختار”.

هذا الرأي يتناغم ويتوافق مع ما ورد في كتب الهاغادا والمدراش، وهي كتابات تفسيرية للكتاب المقدس، من أن كورش كان قلقاً من قيام اليهود بالثورة عليه بعدما رجعوا إلى موطنهم، ولذلك أمرهم باستخدام الأخشاب وحدها لإقامة هيكلهم المقدس، حتى يكون من السهل عليه أن يقوم بحرقه وتدميره لإخضاعهم لسلطته، بحال اضطر إلى ذلك.

تمثال كورش في سيدني

وكذلك ورد في تلك الكتابات أن كورش، عندما لاحظ أن العديد من المدن اليهودية أصبحت مقفرة وفقيرة بعد رحيل اليهود منها، منعهم من مغادرة بلاد الرافدين، وفرض عليهم الإقامة في المدن التي تم نفيهم إليها.

هل كورش هو نفسه ذو القرنين؟

إذا كانت مكانة “كورش العظيم” عند اليهود قد تأتت من كونه محررهم ومخلصهم من الاسترقاق البابلي، فإن للملك الفارسي مكانة مختلفة في الثقافة الإسلامية.

الكثير من الأقوال والتفسيرات حاولت أن تربط بين شخصية كورش من جهة وشخصية ذي القرنين التي وردت في سورة الكهف ونُسب إليها احتجاز يأجوج ومأجوج.

ورغم أن هناك مَن اعتبر أن ذي القرنين هو نفسه الإسكندر المقدوني، إلا أنه وفي العصر الحديث تحديداً، ظهرت نظريات مخالفة، من أهمها نظرية المفكر الهندي الراحل أبا الكلام أزاد التي تعتقد بأن جميع الأوصاف المذكورة في القرآن عن ذي القرنين تتفق وتتشابه مع الأحداث التاريخية التي وردت في سيرة كورش.

وبحسب ما ينقله الدكتور عبد المنعم النمر عن كتاب أبي الكلام أزاد، فإن الدليل الفاصل الذي يؤكد على أن كورش الفارسي هو نفسه ذي القرنين، يتمثل في إحدى الصور الحجرية التي عُثر عليها في إيران. فبداخل تلك الصورة تمثال ظهر فيه كورش، وعلى جانبيه جناحان، كجناحي العقاب، وعلى رأسه قرنان كقرني الكبش، وهذا التمثال يثبت بلا شك أن تصور ذي القرنين كان قد تولد عند كورش.

وهناك العديد من المفكرين ورجال الدين المعاصرين من مختلف المذاهب والاتجاهات، ممن وافقوا العالم الهندي على ما ذهب إليه.

من هؤلاء رجل الدين الشيعي الإثنا عشري الشيخ مكارم الشيرازي في كتابه “الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل”. فبعد أن استعرض الأقوال المختلفة في تحديد هوية ذي القرنين، أعلن عن رأيه في كون تلك الشخصية هي نفسها “كورش العظيم” المذكور في العهد القديم.

وممن يقول بذلك أيضاً، رجل الدين السني المثير للجدل عدنان إبراهيم الذي فصل نظريته في