الثلاثاء: 25 يونيو، 2019 - 20 شوال 1440 - 09:27 مساءً
سلة الاخبار
الأحد: 7 أبريل، 2019

عواجل برس/متابعة

كان المفكر الشيوعي المؤثر كارل ماركس، الذي تُوفي في مارس (آذار) 1883، عالم اقتصاد واجتماع وفيلسوفًا ألمانيًّا. وفي هذا التقرير الذي نشره موقع «هيستوري إكسترا»، يروي البروفيسور الفرنسي جريجوري كلايس، أستاذ تاريخ الفكر السياسي في كلية رويال هولواي بجامعة لندن، ومؤلف كتاب «ماركس والماركسية»، حقائق عن حياة كارل ماركس وموته ونظريته وإرثه، ويوضح كيف ظل ماركس ديمقراطيًّا طوال حياته.

من هو كارل ماركس؟

كان كارل ماركس عالم اقتصاد واجتماع وفيلسوفًا ألمانيًّا. وُلد في 5 مايو (أيار) 1818، بمدينة ترير الألمانية، التي كانت آنذاك جزءًا من ولاية راينلاند البروسية، وتُوفي في العاصمة البريطانية لندن، 14 مارس 1883.

وبحسب كلايس، أصبح ماركس مهتمًا بالشيوعية -النظرية القائمة على أساس الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج وإدارتها للصالح العام- بعد أن بدأ حياته المهنية صحافيًّا متطرفًا في أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر.

وواصل مسيرته ليصبح المؤيد الأبرز للشيوعية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وذاع صيته بشكلٍ رئيسي من خلال مشاركته في كومونة باريس (الثورة الفرنسية الرابعة) عام 1871، وهي انتفاضة الطبقة العاملة الاشتراكية التي استمرت شهرين ضد الحكومة الفرنسية

وبعد الثورات الأوروبية عام 1848، وهي سلسلة من الثورات الشعبية ضد الملكيات الأوروبية في صقلية، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والإمبراطورية النمساوية، عُوقب كارل ماركس بالنفي بسبب معتقداته السياسية. انتقل بعدها بحسب التقرير إلى لندن (حيث أقام لبقية حياته)، وقضى كثيرًا من وقته في الدراسة بقاعة القراءة في المتحف البريطاني.

عاش حياةً غامضة نسبيًا في فقرٍ مدقع العديد من السنوات، وكان يعول أساسًا على مساهمات منتظمةٍ من شريكه الفكري المخلص فريدريك إنجلز، الذي كان يعمل في مصنع والده لغزل القطن بمدينة مانشستر الإنجليزية.

ويرى كلايس أنَّ أشهر أعمال ماركس هو البيان الشيوعي (1848)، الذي كتبه مع إنجلز. يتنبأ البيان بسقوط النظام الرأسمالي نهائيًّا، مع توضيح كيفية صعود العمال يومًا ما للسيطرة على وسائل الإنتاج. ومع ذلك، يشير إلى أنَّ دراسة ماركس الأكثر إثارة للإعجاب هي كتاب رأس المال (1867)، الذي يستكشف أصول النظام الرأسمالي وتطوره وآليات العمل الداخلية له.

معتقدات ماركس

لفهم مبادئ معتقدات ماركس، يوضح كلايس أنَّه من المهم أن ندرك ما كان يحدث في أوروبا خلال القرن التاسع عشر. خلال هذه الفترة، قُدِم نظام تصنيع جديد يركز تركيزًا متزايدًا على القوى العاملة (البروليتاريا الصناعية)، التي تعمل بأجورٍ ضئيلة في ظروف خطيرة وغير صحية. وكان الفقر متفشيًا في الأحياء الحضرية الجديدة.

وكان ماركس يؤمن بأنَّه كلما جرى إفقار المزيد من العمال، فإنَّهم في النهاية سيثورون ضد رؤسائهم. وعندئدٍ سيُقنع أنصار الاشتراكية القوى العاملة بأنَّ الإنتاج من أجل تلبية الاحتياجات البشرية -وليس الربح- هو الأفضل. وسيقنعون البروليتاريا بمحاولة إطاحة النظام، حسبما اعتقد ماركس.

وبعد هذه الثورة المتخيلة، التي افترض ماركس في سنواته الأولى أنها ستكون عنيفة، تبدأ مرحلة تُدعى «ديكتاتورية البروليتاريا»، التي ستبدأ فيها حكومة منتخبة من الطبقة العاملة إدارة الاقتصاد. وحينها تصبح جميع وسائل الإنتاج والبنوك ووسائل النقل والأراضي مملوكة ملكية عامة، وتوضع سياسة عامة مركزية للتأكد من أنَّ السلع المنتجة تتناسب مع احتياجات السكان.

وبعد فترة طويلة من التطور، التي قد تستمر أجيالًا، تختفي الدولة عن الوجود بوصفها منظمة دخيلة تمتلك إرادة ومصلحة منفصلة عن مصلحة عامة الشعب. وفي نهاية المطاف سيظهر مجتمع شيوعي تنتهي فيه معظم أشكال الإكراه والاستغلال (مثل استغلال العمال وعدم منحهم أجورًا عادلة).

كيف طوَّر كارل ماركس أفكاره؟

بحسب كلايس، اعتمد كارل ماركس على تحليلات عددٍ من الكتاب الاشتراكيين السابقين، أبرزهم الويلزي روبرت أوين، والفرنسيان شارل فورييه، وهنري دون سان سيمون، الذين أكدوا منذ عام 1815 فصاعدًا أنَّ هناك حاجة إلى استبدال الرأسمالية بنظامٍ قائم على الملكية أو الإدارة المشتركة أو كليهما.

وبحلول عام 1845، أصبح ماركس مقتنعًا بأنَّ الرأسمالية، وهي نظام اقتصادي وسياسي قائم على المنافسة في السوق والتقدم التكنولوجي المتزايد، كانت عرضةً لعمليةٍ من الأزمات المالية المتكررة، والتي أصبحت فيها الثروة ترتكز ارتكازًا متزايدًا في أيدي قلة من الناس.

لم تُنشر العديد من كتابات كارل ماركس الرئيسية خلال حياته. ويشير كلايس إلى أنَّه غالبًا ما يبدأ القراء المعاصرون باثنين من أعماله: كتاب «مخطوطات باريس» الذي كتبه عام 1844، وكتاب «الأيديولوجيا الألمانية» الذي شارك في كتابته مع فريدريك إنجلز بين عامي 1845 و1846، وكلاهما لم يصدر بالكامل إلا عام 1932 على يد باحثين في الاتحاد السوفيتي، ولم تجرِ مناقشتهما على نطاقٍ واسعٍ حتى ستينيات القرن الماضي.

ويثير عدم نشر ماركس لأي من هذين الكتابين تساؤلاتٍ حول ما إذا كان يعتبر أنَّ صياغتهما لم تكن مناسبة أو ناضجة. ورغم ذلك، طوَّر ماركس موضوعاتٍ من هذين الكتابين في أعمال لاحقة.

وبحسب كلايس، في «مخطوطات باريس»، يصف ماركس عملية «اغتراب» العامل عن عملية الإنتاج، وعن منتجه الخاص، وعن العمال الآخرين، وعن «الطبيعة البشرية»، وهي وعي ذاتي اشتراكي يوفر أساس التواصل الاجتماعي.

وكذلك يرى ماركس أنَّ تقسيم العمل إلى مهمات صغيرة متكررة يمنع العمال من تحقيق تنميةٍ شاملة لقدراتهم الفكرية. ويزعم ماركس أنَّ هذا يفصل العمال عن بعضهم من خلال جعلهم متنافسين؛ وبالتالي يقوض الغريزة الفطرية للتضامن في الطبيعة البشرية.

أما في كتابه «الأيديولوجيا الألمانية»، يبدو أنَّ ماركس تخلى عن مفهوم «الطبيعة البشرية» لصالح رصيدٍ تاريخي أكبر من الرأسمالية باعتبارها «المرحلة الأخيرة في الإنتاج». ورأى ماركس أيضًا حينها التضامن الذي حققه العمال من خلال تعاونهم في العمل. وكان هذا، حسب اعتقاده، دليلًا على أنَّ التواصل الاجتماعي ينذر بظهور مجتمعٍ جديد.

في هذه المرحلة، رأى ماركس أنَّ الرأسمالية تلعب دورًا تقدميًّا إلى حد كبير في القضاء على الإقطاعية (النظام الاجتماعي المهيمن على أوروبا في العصور الوسطى)، وزيادة احتمال السيادة الشعبية، رغم قيود البرجوازية.

وفي السنوات اللاحقة، ابتعد عن إمكانية القضاء على «الاغتراب»، وتحول إلى وجهة النظر القائلة بأنَّ زيادة الميكنة (صعود العمل الذي يشمل استخدام الآلات) من شأنه أن يوفر المزيد من وقت الفراغ للطبقات العاملة.

ومع ذلك، في عام 1844، اعتبر ماركس أنَّ الشخصية «المشوهة» للعمال هي نتيجة رئيسية للرأسمالية. وكتب ماركس في كتابه «رأس المال» عام 1867 قائلًا: «إنَّهم يشوهون العامل ليصبح شبه رجل، ويهينونه لدرجة اعتباره تابعًا للآلة».

ماركس وانتشار الشيوعية وصعود الستالينية خلال القرن العشرين

يذكر كلايس أنَّه كانت هناك العديد من أنواع الماركسية التي قُدِمت في أوائل القرن العشرين، وكان أبرزها المرتبط بحزب الطبقة العاملة الرائد في أوروبا: وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا.

ويشير إلى أنَّ من يُطلق عليهم «المراجعون»، وأبرزهم الألماني إدوارد برنشتاين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لم يتفقوا مع الكثير مما اقترحه كارل ماركس، بما في ذلك فكرة أنَّ الرأسمالية ستؤدي إلى كارثة ثورية كبرى في نهاية المطاف. وبدلًا من ذلك، رأى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أنَّه قد يجري إصلاح النظام تدريجيًّا وسلميًّا من خلال الاقتراع.

وفي روسيا، في الوقت ذاته، أصرت الثورة البلشفية عام 1917 على تقديم تفسيرٍ ثوري لأفكار ماركس. وكان البلاشفة حزبًا صغيرًا في روسيا بقيادة فلاديمير لينين، الذي كان هدفه إطاحة الحكومة المؤقتة وتأسيس حكومة للبروليتاريا (القوى العاملة). وأصر لينين على أنَّ جماعة مخلصة تآمرية يمكنها الوصول إلى السلطة السياسية. لكن من أجل الحفاظ عليها، يجب أن تبقى السلطة في أيدي مجموعة صغيرة داخل الحزب، وربما حتى في أيدي ديكتاتور واحد.

لكن بحسب كلايس، لم يؤيد ماركس نفسه مثل هذه الاستراتيجية قط، إذ ظل ديمقراطيًّا طوال حياته، ومصرًا على ضرورة انتخاب القادة ومحاسبتهم، وعدم حصولهم على رواتب أعلى من أجر العامل المتوسط. ورغم ذلك، ادَّعى لينين أنَّ نظامه لا يزال ديمقراطيًّا، مطلقًا عليه «المركزية الديمقراطية»؛ ليشير إلى عملية صنع القرار التي شملت استشارة الجماهير، لكنَّها بعد ذلك اصبحت تأتي من أعلى فقط.

وبعد موت لينين عام 1924، صعد جوزيف ستالين سريعًا إلى السلطة. وخلال ثلاثينيات القرن الماضي، وبينما كان يشغل منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي، بدأ ستالين في تطهير روسيا من أي شخص رأى أنَّه يمثل تهديدًا. قُتِل أكثر من 750 ألف شخص، وسُجِن عدة ملايين آخرين في ظل نظام سجون الجولاج للعمل القسري. ويُعد إجمالي عدد الذين ماتوا في عهد ستالين غير معروف، لكنَّ يُعتقد أنه ربما تخطى 20 مليون شخص.

ومات أكثر من ذلك بكثير في الصين بعد ثورة ماو تسي تونج، زعيم الحزب الشيوعي عام 1949، بمن في ذلك 46 مليون شخص قُتِلوا خلال فترة «القفزة الكبرى» بين عامي 1958 و1961، التي كانت محاولة لإنشاء برنامج صناعي لا مركزي قائم على إنتاج الصلب. وفي رأي كلايس، يمكن اعتبار نظريات ماركس مسؤولةً جزئيًّا على الأقل عن بعض هذه الكوارث، لكنَّها ليست مسؤولة عن مثل هذه «الديكتاتوريات الشمولية».

ما الذي يجعل ماركس مهمًّا في الوقت الحالي؟

يعتقد كلايس بأنَّ ماركس بالأساس كان قائدًا ملهمًا وصاحب رؤية، منحت الأمل للملايين في أنَّ الحياة الكادحة المضنية الأبدية ليست قدرًا محتومًا على معظم البشرية. وكان ماركس مفكرًا مثاليًّا، رغم أنَّه كان يكره مصطلح «المدينة الفاضلة»، وطرح مفهومًا للحياة الجيدة في المستقبل، ثم طالب البشرية بالسعي وراء هذا الهدف.

وحاليًا ما زال كارل ماركس أبرز المفكرين في العصر الحديث، الذين يشيرون إلى أنَّ الرأسمالية مرحلة محدودة تاريخيًّا من التطور، ويؤكدون أنَّ نظام الإنتاج والتوزيع الأكثر إنسانية قد يحل محلها. ورغم النقائص المذكورة أعلاه، يعد ماركس هو محور النقاشات الحالية حول تطوير مستقبل البشرية.

وفي رأي كلايس، يمكن القول إنَّ أكبر مشكلة تواجه البشرية في هذا القرن هي الانهيار البيئي. وهنا يشير إلى أنَّه من الغريب أنَّ ماركس ربما فشل في إدراك أنَّ الثورة البروليتارية قد تؤدي إلى ثورة برجوازية، إذ يُعرِّف العمال أنفسهم بأنَّهم مستهلكون. وتصوَّر ماركس نظامًا شيوعيًّا تضمن من خلاله المستويات العالية للإنتاج الصناعي مستوى معيشيًّا جيدًا لجميع السكان. ولم تضع نظريته في الحسبان مشكلات ندرة الموارد والاكتظاظ السكني، وهي مشكلات لم تكن بالتأكيد ذات صلة بعصره.

ومع ذلك، بحسب كلايس، كان ما لاحظه ماركس بدهاء هو أنَّ هؤلاء الذين يتربحون من النظام الحالي سيقاومون أي تغييرٍ جوهري له، حتى لو كان سيعرض حياة الأجيال القادمة للخطر. إذ يكمن منطق الرأسمالية في تحقيق أقصى قدر من الأرباح، ولا يمكن لأي غايات أخرى تغيير هذا الهدف.

لكنَّ بقاء البشرية، كما أدرك ماركس، يشير بوضوح إلى ضرورة اعتماد استراتيجيات أخرى إذا كان نريد تجنب أسوأ أشكال المستقبل المظلم. وهنا يوفر ماركس الإلهام على الأقل، إن لم يكن يوفر لنا القليل من السكينة.