الخميس: 14 نوفمبر، 2019 - 16 ربيع الأول 1441 - 12:10 مساءً
سلة الاخبار
الأثنين: 2 سبتمبر، 2019

 يوسف النعيمي

«كان احتلال الولايات المتحدة الأمريكية لألمانيا النازية أسهل من احتلالها للعراق؛ لأنّ ألمانيا كانت دولة حديثة وصناعية،  وكانت أدوات قوتها تشبه أدوات قوتنا».

 

نهاية التاريخ، الفكرة التي لها أساس دينيّ، وأخذت طابعًا أيديولوجيًّا فيما بعد. نظَّر إليها الفيلسوف الألمانيّ جورج هيجل، ونادى بأنّ نهاية التاريخ هي عند إدراك البشرية بذواتهم وحريتهم. وبالنسبة لهيجل؛ فالأفكار هي من تحكم التطور التاريخي. كان كارل ماركس هيجليًّا في صغره، إلى أنّ انقلب على أستاذه، ليقيّد تطور التاريخ بالمادة، ويصدر نظرياته الاقتصادية للعالم، وانعكاساتها على الواقع السياسي والاجتماعي.

 

للأحداث الكبيرة دلالتها في عقول الفلاسفة والمفكرين. وبالنسبة لفوكوياما؛ بطل هذا التقرير، كان لسقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتي، دلالتهما الخاصة، وخاصيتها هي «نهاية التاريخ»؛ والإعلان عن وصول العقل البشري لذروته الفكرية، الديمقراطية هي الحل، والليبرالية جوهر الفطرة الإنسانية.

 

فرانسيس فوكوياما، الشخصية الجدليّة، حتى في مظهره العام؛ أن ترى يابانيًّا يتكلم بلسانٍ أمريكيّ، ولا ينطق بلغة بلده الأم. استطاع فوكوياما بخلفيته الفكرية، الأدبية والسياسية، اصطياد فريسة تاريخية من عالم الأفكار، ومن ملهميه التاريخيين، هيجل وماركس، والفريسة هي نهاية التاريخ، فكرة ومادة. ولكنّ هذه المرة، في الولايات المتحدة الأمريكية، وفق قوانين السوق الحرة أو ما يسموه السوق «النيوليبرالي».

فرانسيس فوكوياما وهو يمارس هوايته المفضلة

فوكوياما الشاب.. سعيًا لتحقيق الأحلام

ولد فوكوياما يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 1952، لأبٍ أمريكي، من الجيل الثاني للمهاجرين اليابانيين، وكان أبوه يوشيو فوكوياما، لاهوتيًّا يحمل شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع، وسفيرًا لتجمع الكنيسة في ولايته. على عكس ذلك، ولدت أمه، توشيكو فوكوياما في اليابان، وكان أبوها شيرو كاواتا، مؤسس قسم الاقتصاد في جامعة كيوتو. لم يتعلم فوكوياما اللغة اليابانية، ولم يكن منخرطًا في الثقافة اليابانية، وكما يقول عن نفسه أنّه لاأدري (Agnostic)، ومن الصعب عليه أنّ يكون مؤمنًا.

 

اشتهر فوكوياما بكتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، وكان كتابه انعكاسًا لشخصيته الجدلية، وقد حافظ على هذه السمة إلى يومنا هذا، إذ أحدث ضجة كبيرة، وجدلًا بين الأكاديميين، واختلف في تصنيفه اليمين واليسار، فبعضهم يصنفه على أنّه مفكر كبير، وآخرون يرونه أداة دعائية للسلطة.

 

انتقل فوكوياما من عالم الفكر إلى أروقة البيت الأبيض، عندما عمل مستشارًا سياسيًّا للرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريجان، أثناء حربه الباردة على الاتحاد السوفيتي، وعندها كتب رسالة الدكتوراة حول السياسية الخارجية السوفيتية في جامعة هارفارد. كما كان صانع سياسات مخضرمًا، وعضوًا في مؤسسة «راند»، المؤسسة المدعومة من الحكومة الأمريكية، والتي تقدم دراسات لمؤسسات الدولة، وأهمها الأبحاث التحليلية للجيش الأمريكي. وأثناء عمله في المؤسسة، نشر فوكوياما مقالته الشهيرة «نهاية التاريخ؟».

 

درس فوكوياما البكالوريوس في الأدب الكلاسيكي في جامعة كورنيل، وأكمل دراسته في الأدب المقارن في جامعة ييل، ويذكر عن لحظة انتقاله من الأفكار المجردة الأدبية إلى عالم السياسية: «لقد كان مريحًا الانتقال من عالم التجريد والأكاديميا إلى صنع السياسات لحل المشاكل في سياسة الشرق الأوسط، وصنع السياسات للجيش». فوكوياما، وهو يشعر بالراحة الكبيرة، أيد التدخل الأول في العراق، لقمع سلطوية صدام حسين في المنطقة، وكان عمله يتركز على تصدير تقارير أمنية عن العراق، وأفغانستان، وإيران، في مؤسسة «راند». بعد دخول أمريكا العراق عام 2003، وبعد رؤيته للسياسة الخارجية لحكومة جورج بوش الابن، وحربه في العراق، بدأ فوكوياما بالابتعاد، واتخذ موقفًاناقدًا لسياسة «المحافظين الجدد» لحرب العراق، الذي كان هو أحد الأسباب لبروز هذا التيار في السياسة الأمريكية.

 

يدرك فوكوياما قوة أنّ تصبح أفكاره أرضية جدلية بين الساسة والباحثين؛ لذلك عادة ما يبدأ نشر أفكاره بين الأوساط الإعلامية، مقالة تشرح الأفكار الأساسية، ويتبعها بكتاب شارحًا فيه الأفكار بشكل تفصيلي وموضح. بعد انتشار مقالته وكتابه «نهاية التاريخ»، صرح فوكوياما في أحد اللقاءات:«لقد فهموا نظريتي فهمًا خاطئًا!».

 

فوكوياما: لقد فهموا نظريتي خطأً! متى تموت «نهاية التاريخ»؟

فوكوياما والربيع العربي.. عندما يسلك التاريخ طريقًا آخر

«أتمنى أن لا تستمر حروبكم أكثر من 50 عامًا».

ولد الربيع العربي، بأحداثه المتتالية، أزمة اللاجئين التي وضعت الغرب في مأزق كبير، وتساؤل اليمين واليسار في أوروبا: هل نمضي وفق قيمنا الليبرالية التي تدعو للمساواة؟ أم اعتباراتنا الأمنية؟ وكان اليمين المتطرف حاملًا لجواب الاعتبارات الأمنية، ليبدأ بالصعود في أمريكا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، متصدرًا بصعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ممثلًا عن حزبه الجمهوري، ورئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

 

قدّم فوكوياما سرديته الخاصة عن نهاية التاريخ، مؤكدًا على أنّ العقل البشري وصل إلى ذروته، في إنشاء النظام السياسي والدولي. وبعد صعود اليمين؛ بدأ فوكوياما بترتيب أوراقه، ونشر مقالًا على موقع «فورين أفيرز»، المختص بتحليل السياسة الخارجية الأمريكية، باسم «ضد سياسة الهوية»؛ ملخصها أنّ الأنظمة الديمقراطية اليوم تعاني تهديدًا حقيقيًا من السياسات الانقسامية ما بين اليمين واليسار، وذلك بسبب التطورات التكنولوجية.

 

يذكر فوكوياما في كتابه الأخير «الهوية: أهمية الكرامة وسياسة الاستياء»، أنّ سياسة اليمين واليسار أصبحت متمركزة حول قضية الهوية، فاليسار يركز على حقوق الأقليّات، واليمين يستعمل القومية لتسكين الغضب عن سياسة اللامساواة. ومع نهاية القرن العشرين بدأت قضية المهاجرين والهوية تأخذ حيزًا كبيرًا من النقاش والممارسة السياسية.

 

تُعد علاقة فوكوياما مع العالم العربي جدلية أيضًا، فقد اتخذ مواقف متباينة تجاه السياسة الخارجية الأمريكية للعالم العربي، ففي عام 2002، أيّد فوكوياما التدخل الأمريكي للعراق، وذلك لقمع سلطوية صدام حسين، محاولة بذلك فرض نظام ديمقراطي، وكان فوكوياما متبنيًا بهذا المدرسة «الويلسونية» -نسبة إلى الرئيس الأمريكي السابق وودروس ويلسون- وفلسفة هذه السياسة باختصار؛ أنّ على أمريكا نشر الديمقراطية وفرضها بموجب قوتها ونفوذها العالمي، وأنه من واجبها التدخل وقت اللزوم من أجل حماية الديمقراطية.

فوكوياما والوزير الإماراتي أنور قرقاش

بعد حرب العراق وأفغانستان، عدّل فوكوياما موقفه إلى الواقعية الويلسونية، وهي أنّ على أمريكا نشر الديمقراطية، ولكن بما يتوافق مع معطيات الواقع ومصالح أمريكا السياسية، وكذلك الحد من الوجود العسكري المكثف، ما لم تتعارض مع مصالحها الخارجية، واستخدام القوة الناعمة ونشر ثقافة الديمقراطية. في أثناء لقاءلفوكوياما متحدثًا عن العالم العربي، ذكر أنّه ضد التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، وذلك لأنّ أمريكا لا تفهم المنطقة، ولا تملك العلوم المحلية أو الحكمة للتعامل مع شعوب المنطقة.

 

في عام 2005، عملت مجموعة تسمى «مونيتور ديلويت»، لمساعدة الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، لتقييم الحالة الاقتصادية الليبية. ووصلت قيمة الصفقة بين المجموعة والقذافي، 3 ملايين دولار، وقدمّت المجموعة بعض المساعدات البحثية لسيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس السابق، لرسالته الدكتوراة في جامعة لندن الاقتصادية.مررت بعض أموال الصفقة، لأكاديميين وصانعي سياسات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان منهم فرانسيس فوكوياما، وريتشارد بيرلي، أحد أبرز شخصيات المحافظين الجدد ومستشارين الرئيس السابق جورج بوش الابن. طُلب من فوكوياما التعليق على تفاصيل العرض ودوره، ولكنه لم يستجب.

 

«الديمقراطية لا تناقض الإسلام».. فوكوياما معجبٌ بالأفغاني

كان صامويل هنتنجتون، صاحب كتاب «صراع الحضارات»، زميل فوكوياما المقرب في جامعة هارفارد، يستشرف في كتابه مستقبلًا متشائمًا، يتصارع فيه الغرب الليبرالي مع الحضارات الثمانية العالمية، وإحدى هذه الحضارات، الحضارة الإسلامية. يرى هنتنجتون أنّ الإسلام بطبيعته يتناقض جوهريًّا مع المسيحية، وذلك سيؤدي ذلك إلى صراع بين الحضارتين، الإسلامية والغربية.

 

لم يكن فوكوياما متشائمًا كزميله، وإنما كان مفعمًا بالتفاؤل، لمستقبل الإنسانية والعالم الإسلامي، فهو يذكر في كتابه «الإسلام والحداثة والربيع العربي»؛ أنّ الإسلام لا يحمل في جوهره تناقضًا مع الديمقراطية، فهو دينٌ له أوجه متعددة، فكما يوجد نموذج الحكم السعودي، هنالك نموذج الحكم الإندونيسي أو التركي، الذي استطاع بناء مؤسسات دول ديمقراطية. ما يجمع الزميلين، فوكوياما وهنتنجتون؛ هو أنّهما كانا من المتفائلين بمستقبل أمريكا، وقدرتها على قيادة العالم، واختلافهما يكمن في كيف ستقود أمريكا المشهد العالمي.

صامويل هنتنجتون صاحب كتاب «صراع الحضارات»

يُقدّم فوكوياما فرضيتين؛ أعاقتا العالم العربي عن تأسيس نظم ومؤسسات دولة ديمقراطية: الأولى وجود النفط، والذي خلق وفرة اقتصادية في دول الخليج، مع عدم وجود نظام الضرائب، والثاني الصراع العربي الإسرائيلي، والذي وفر غطاء «نظرية المؤامرة»، حجة مستمرة للأنظمة السلطوية لعدم التقدم والتطور في مجال التنمية السياسية.

 

أما عن الإسلام السياسي؛ فيعتقد فوكوياما أنّه سيصل إلى درجة لا يمكن له قيادة المشهد الاجتماعي، وأنّ الرفض القاطع لفصل الدين عن الدولة، ليست مشكلة الإسلام بحد ذاته، وإنما مشكلة الإسلام السياسي، مستشهدًا بالتجربة الأوروبية أنّه ما بعد الحروب المسيحية؛ استطاعت الحضارة الغربية الوصول إلى الليبرالية والعلمانية كنموذج حكم ينظم ويقنن الاختلاف.

 

ويبدو لفوكوياما أيضًا، أنّ الإسلام قد سيّس في الحقبة الماضية، خاصة ما بعد الثورة الإيرانية، وبعدها بدأت الانقسامات الطائفية في البروز في المجتمعات المسلمة؛ فمشكلة الشيعة والسنة لم تكن بارزة بهذه الحدة في التاريخ الإسلامي، وإنما كلها مسائل مستحدثة؛ وأنّ تأثيرات الوهابية، والإخوان المسلمين كانت مصدرًا للأفكار المتطرفة، وأصلت لها مجتمعيًّا، كما يرى تجربة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، تجربة إصلاحية فريدة؛ في انخراطها مع الحضارة الغربية، وحفاظها على ثقافتها الإسلامية.

 

ويشير فوكوياما إلى أنّ سياسة المحافظين الجدد، بإفراطها في استخدام القوة العسكرية، ولدت رفضًا من المجتمعات العربية لليبرالية، وأنّه على المدى القريب، لا يجد سبيلًا للديمقراطية في مصر، واليمن، وسوريا، بينما يستبشر بمستقبل التجربة التونسية، التي أدارت السلطة بشكل حكيم، ساعين بذلك لانتقال ديمقراطي، ويقول فوكوياما: «لقد وضع الربيع العربي الأساس الممكن لبناء دولٍ ديمقراطية، ولكنّ لا يمكنك ممارسة الديمقراطية من دون مؤسسات دول».

 

مستقبل ما بعد الإنسان .. فوكوياما يحاول الحفاظ على الإنسانية

«ولدت عام 1952، في منتصف عهد الصعود الأمريكي. وبالنسبة لأي شخص نشأ في منتصف القرن العشرين، كانت الروايتان (1984) لجورج أورويل، ورواية أليكس هكسلي (العالم الجديد الشجاع)، بداية الأدبيات الاستشرافية لمستقبل العالم».

 

وضعت الروايتين، «1984» و«العالم الجديد الشجاع» من خلال سردهما الشيّق بصمتهما، في أثر التكنولوجيا على مستقبل البشرية، دولًا ومجتمعات. وركزت الروايتان على تبعات تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية.ويعتقد فوكوياما على عكس ما رسمته أحداث رواية «1984»؛ أنّ التكنولوجيا أحدثت ثورة في توزيع السلطة، بزيادة لامركزية السياسة، وتقليل المركزية والاستبداد، أو ما يسميه جورج أورويل في روايته «شمولية الدولة».

 

ويعتقد فوكوياما أنّ التكنولوجيا قادت الحكومات لنشر المزيد من المعلومات حول نشاطها، وكل هذا خلق مساحة أكثر شفافية. ويذكر فوكوياما: «بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور الحاسوب الشخصي، لم تعد للحكومات الشمولية القدرة على احتكار المعلومات، فتكنولوجيا المعلومات جعلت هذا الشيء مستحيلًا، وبالتالي قوضت سلطات الأنظمة».

 

يناقش فوكوياما في كتابه «مستقبل ما بعد الإنسانية»، التهديدات المحتملة على الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، التي تستخدم أدوات التكنولوجيا الحيوية لتجاوز الإنسان (transhuman)، وأنّ هذه النظم التي تحاول تجاوز الإنسان، عليّها أنّ تتساءل حول غاية الإنسان في الحياة، ومفهوم «الطبيعة الإنسانية» و«الكرامة». وبالتالي؛ سيكون أثر التكنولوجيا الحيوية كبيرًا على منظومة القيم والسياسة.

 

ويدعو أيضًا إلى فرض السيطرة على قطاعات التكنولوجيا الحيوية، وأنّه على الدول فرض قوانين على تطور التكنولوجيا، وإنشاء مؤسسات تميز بين التطورات التي تعزز من كرامة الإنسان، والأخرى التي تهددها. كما يعتقد فوكوياما أنّ التكنولوجيا ستحول مفهوم العمل والتواصل بين ناس، وكل هذا سيؤدي إلى تحولات اجتماعية درامية.

 

يستشرف فوكوياما مستقبل العالمية، راجيًا نظامًا عالميًّا متعدد الأطراف، وأنّ التجربة الأمريكية ساعدت في إعادة تشكيل النظام العالمي على الأسس الليبرالية، وأسست لحقبة جديدة عالمية، متجاوزة للحدود، وأنّ التحدي الحالي هو مهاجمة الليبرالية الشعبوية التي تظهر في كل مكان، والتي تحاول إقصاء العرقيات أو الأفكار المختلفة.

 

ويختتم قائلًا: «أتمنى في 30 عامًا القادمة المزيد من التكامل العالمي، وإذا أردنا خلق نظام عالمي متكامل، عليّنا خلق نظام يقرب بين الحضارات المختلفة».