الأثنين: 16 ديسمبر، 2019 - 18 ربيع الثاني 1441 - 08:37 صباحاً
سلة الاخبار
الأثنين: 25 نوفمبر، 2019

د.حميد عبدالله

وسط  لغة التلميحات والايحاءات  والتوريات التي تتحدث بها مرجعية النجف بامكان الراصد الذكي ان يلتقط اشارات شديدة الوضوح تتسرب من ثنايا خطب الجمعة.

 

المرجعية اختارات المنطقة الوسطى في محاولة  للحفاظ على الموازنة والتوازن ، الا ان الثوب المهترئ للنظام السياسي،  والسعي لترقيع فتوقه بطريقة اكثر اهتراءا ، باتت تزيد من حرج النجف، وتدفعها دفعا الى الذهاب الى منطقة تكون فيها اقرب الى الشارع منها الى الطبقة السياسية المترنحة تحت صيحات المتظاهرين وهتافاتهم!

 

من يعتقد ان رسائل المرجعية الى  الممسكين بالسلطة تقتصر على خطب الجمعة واهم تماما، الرسائل الاهم هي تلك التي تصل عبر القنوات السرية  والتي تاتي خالية من التلميح زاخرة باللوم والتوبيخ والكلام الصريح !

 

السيستاني ، الذي يشاع  الكثير عن ابتعاده عن الشأن السياسي  ، وايكال شؤون المرجعية الى ابنه محمد رضا ، يعلم تماما مايجري في الشارع ، ويدرك  حجم المسؤولية الشرعية والاخلاقية الملقاة على عاتقه بسبب السكوت على فساد احزاب  تغاضت المرجعية ، او ايدت صعودها الى قمة الهرم السياسي بطرق وآليات لاعلاقة لها لابثوابت الدين، و لا  بروح الديمقراطية ومنهجها في الحكم. 

 

لم تدرأ  النجف التهمة عن نفسها بما يشاع عن (ابوتها )  للقوى الفاسدة الا مع انفجار الشرع العراقي في اكتوبر 2019 حين تضمنت احدى خطب الجمعة  كلاما مباشرا عن ان المرجعية (لاتدعم اي حزب، وليس لها مصلحة مع اي طرف ) من غير ان تخوض في تفاصيل ماحدث عام 2005 حين تقمصت الاحزاب دور  ( جند المرجعية) ورجالاتها ، وحرمت على الناخبين زوجاتهم اذا لم ينتخبوها ، وكأن وجودها على راس السلطة ، ركن من اركان التشيع ، واستيلائها على ثروات البلاد والعبث بمقدراتها امر موصى به من الاولين واللاحقين .

 

حتى الآن  لاندري ان كانت النجف تعلم بتلك الملصقات التي ملأت شوارع المدن العراقية ، والتي تتحدث عن فتاوى منسوبة للسيد السيستاني  تحث الناخبين على انتخاب قائمة (الشمعة) ومن لم يمتثل لتك الفتوى يكون خارجا عن الملة !

 

ان كانت تعلم وتغاضت فانها تتحمل وزر ماترتب على تلك الفرية ، وان كانت لاتعلم ثم علمت في قت متاخر فعليها ان تعلن بصراحة لاتقبل التاويل براءتها من تلك الفتاوى المصنوعة في المطابخ الساسية الفاسدة!

 

الثابت بالامس واليوم وغد ان  المرجعيات الشيعية تحرص على نظام سياسي تكون للشيعة فيه  الكلمة العليا ، ولشهادة (ان عليا ولي الله) مساحتها المعروفة في كل اذان وصلاة ،  لكنها بالمقابل تخشى ان توظف قداسة التشيع لاغراض مدنسة ، وتتحول شعاراته الى بضاعة مغشوشة ، وتجارة فاسدة يجني المدنسون ( عوائدها) من اموال اليتيم والمسكين وابن السبيل ، وان يتحول التشيع من عنوان لمحاربة الظلم ودحر التمايز ، والاقتداء  بمبادئ الامام علي بن ابي طالب عليه السلام كما في قوله ( جئتكم بجلبابي هذا فان خرجت منكم بغيره فانا خائن لكم ) او في مقولته الاشهر( لو كان الفقر رجلا لقتلته ) الى سرقة منظمة لبيت المال ، وخراب غير مسبوق للدولة ، وتخريب مفزع للمجتمع ، وانتاج جيوش من العاطلين والجياع ، وقسوة غير مالفوفة وغير معروفة في التعاطي مع المحتجين ، وبكلمة اكثر اختصارا فان النظام الذي اريد له ان  يكون قاتلا للفقر كما اوصى علي بن طالب قام بدلا من ذلك بقتل الفقراء المطالبين بتحريرهم من العوز والضياع!

 

قد يثار هنا سؤال منطقي   في تسلسل الاحداث وهو: ماذا لو دعت المرجعية الى استقالة الحكومة ،وحل البرلمان  انحيازا لمطالب الشعب ، والوقوف مع الاغلبية المظلومة؟

 

الجواب  واضح لا لبس فيه وهو ان المرجعية تدرك ان توجيهاتها وفتاواها اذا لامست مصالح الطبقة الحاكمة فلن يؤخذ بها،   بل سيتم الالتفاف عليها والتفكير بالتخلص من المرجعية نفسها !

 

ان الخطبة الاخيرة   كشفت عن قلق متزايد يتلبس المرجعية من احتمال زوال الحكم الشيعي بسبب القمع والفساد والتمادي بالامساك بالمكاسب ومجيئ ( آخرين) بدلا عنه ، وهولاء ( الآخرون) هم من الطرف الآخر الذي وصفه السيستاني  ذات لحظة شديدة الحراجة ب( انفسنا) !

 

في ضوء الخوف من ( آخرين) ، والخشية من ان تفقد النجف تاثيرها على المواطن الشيعي الجائع الضائع بات قلق المرجعية مركبا ومزدوجا   في آن معا !

 

ثمة خياران  لاثالث لهما امام  السيد السيستاني وهما    التصدي للطبقة السياسية الفاسدة بكل ما أوتيت ا مرجعيته  من تاثير روحي واخلاقي حتى ازاحتها و الانحياز بنحو لايقبل اللبس والتشكيك   للشعب ، او البقاء على التل ، والاكتفاء بخطب النصح والتلميح والتلويح وعندها ستفقد المرجعية مكانتها ودورها وتاثيرها،  وسيكون المواطن الشيعي في حل من توجياهاتها وفتاواها !