الجمعة: 19 يوليو، 2019 - 16 ذو القعدة 1440 - 08:23 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 18 يونيو، 2019

عواجل برس/متابعة

عرفت الثقافة العربيّة الإسلاميّة، الكثير من أصناف المأكولات والأطعمة، التي اشتهرت وذاع صيتها في الكتابات والمصادر التاريخيّة عبر القرون.

بعض تلك الأصناف، ارتبط ظهوره وانتشاره بمجموعةٍ من الظروف الجدليّة الإشكاليّة، بحيث صارت قصّته ذات تأثيرٍ عظيمٍ في فهمنا المعاصر للأوضاع الاجتماعيّة والمذهبيّة والسياسيّة التي مرّ بها المسلمون عبر تاريخهم الطويل.

المُضيرة: أكلة معاوية التي طبقت شهرتها الآفاق

كان معاوية بن أبي سفيان، واحد من أكثر الصحابة الذين تحدّثت المصادر التاريخيّة الإسلاميّة عن ارتباط سيرتهم بأنواعٍ مختلفةٍ من الأطعمة والأشربة، كما تواترت أخبار ولعه الشديد بالتهام شتى أصناف المأكولات.

ورد في صحيح مسلم أن الرسول قد أرسل بعبد الله بن العبّاس يوماً ما ليستدعي له معاوية بن أبي سفيان حتى يكتب له رسالة، فلمّا ذهب ابن العباس لمعاوية وجده يأكل، فأنصرف من عنده راجعاً إلى الرسول، وتكرّر الأمر لثلاث مرات في أوقاتٍ مختلفة، وفي كلّ مرّة كان عبد الله بن العباس يجد معاوية لم ينته من طعامه بعد، ولهذا قال الرسول في المرة الأخيرة “لا أشبع الله بطنه”، وهو الدعاء الذي اعتبرته الكتابات الإسلاميّة مفسّراً لنهم معاوية وإقباله على الطعام.

يذكر ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” أن دعوة الرسول قد أصابت معاوية فيما بعد فإنه “لمّا صار إلى الشام أميراً، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك”.

سماط معاوية، كان من أشهر الأسمطة التي عُرفت في تاريخ المسلمين، حيث ضُرب به المثل في الدسامة وتنوّع أصنافه وأطباقه.

المُضيرة، كانت من أشهر الأطباق التي قُدِّمت على سماط معاوية، وهي أكلةٌ تعتمد على خلط اللحم السمين باللبن مع مجموعةٍ من التوابل والبهارات، بحسب ما يذكر محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي في كتابه “كتاب الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقيّة”.

سماط معاوية ومُضيرته، جذبا إليه الكثير من الرجال الذين انضمّوا إليه في حروبه طمعاً في كرمه وسخائه وجودة الأطعمة المقدّمة على موائده، من هؤلاء الصحابي الشهير أبو هريرة، والذي تناقلت المصادر التاريخيّة أخبار افتتانه بالمُضيرة، حتى عُرف بلقب شيخ المُضيرة، بحسب ما يذكر محمود أبو رية في كتابه عن أبي هريرة.

من أشهر الأقوال التي رويت عن أبي هريرة، والتي ورد فيها مدح سماط معاوية، قوله “الصلاة خلف علي أتمّ، وسماط معاوية أدْسَم، وترك القتال أسْلَم”، وذلك بحسب ما يذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه “شذرات الذهب في أخبار من ذهب”.

هذا النهم المبالغ فيه، تسبّب في سمنة معاوية التي تحدّثت عنها معظم المصادر التاريخيّة، والتي صارت مع الوقت مضرباً للأمثال، وكان لها مع ذلك بعض الآثار الإيجابيّة، حيث ذكر ابن كثير أن معاوية قد نجا من المكيدة التي تمّ تدبيرها لاغتياله، فعندما ضربه البرك بن عبد الله التميمي بسيفه المسموم أثناء صلاته في المسجد الجامع بدمشق في 40ه، لم يستطع السيف أن يخترق الشحوم المتراكمة على عظامه، وكان ذلك السبب في لإنقاذه.

الفالوذج: الحلوى الفارسيّة التي بشرت بالرّخاء وتحسن الأحوال

كان الفالوذج من أشهر الأطعمة التي تواتر ذكرها في مصادر الثقافة الإسلاميّة، حيث وردت الإشارة إليه في معرض النبوءات المستقبليّة التي تبشّر بتحسّن الأحوال والرخاء المتوقّع، بعد انقضاء الظروف الصعبة.

الفالوذج هو نوع من الحلوى الفاخرة التي تتمّ صناعتها من الدقيق والسكر، وقيل من السمن والعسل، وكان مشهوراً ومعروفاً في بلاد فارس قبل الإسلام، حيث كان يُصنع في قصور كسرى العامرة، ويُقدم على موائده الأسطوريّة، ويقتصر تناوله على الطبقة الفارسيّة الحاكمة من الأسرة الساسانيّة.

اقترن الفالوذج بالتنبؤات التي تحدّثت عن الفتوحات الإسلاميّة المبكّرة، كوعدٍ إلهي وبشرى ربّانيّة للمسلمين الذين سيجاهدون في سبيل الله لنشر الإسلام، فورد في سنن ابن ماجة عن الصحابي عبد الله بن عباس، أنه قال”أول ما سمعنا بالفالوذج، أن جبريل، عليه السلام أتى النبي فقال إن أمتك تُفتح عليهم الأرض فيفاض عليهم من الدنيا حتى إنهم ليأكلون الفالوذج”، فقال النبي “وما الفالوذج “، قال يخلطون السمن والعسل جميعاً، فشهق النبي لذلك شهقة”.

هذا الحديث رغم شهرته، إلا أن العديد من المحدثين والعلماء قد حكموا بوضعه واختلاقه.

أيضاً نستطيع أن نجد بعض الروايات التي ربطت مستقبل بعض كبار الفقهاء والعلماء المسلمين بالفالوذج، ومن ذلك ما رواه ابن كثير في”البداية والنهاية”، من أن القاضي أبا يوسف لما كان يذهب في شبابه لحلقة درس الإمام أبو حنيفة النعمان، كانت أمه تنهاه عن ذلك وتمنعه، فكان أبو حنيفة يقول لها “اسكتي يا رعناء، هاهوذا يتعلّم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج”.

هذه النبوءة ستتحقّق فيما بعد بحذافيرها في عهد الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد، حيث ورد على لسان أبي يوسف قوله “فبينما أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يُصنع لنا في كلّ وقت، وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذج، قال: فتبسمت، فقال: مالك تتبسم؟ فقلت: لا شيء أبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، فقصصت عليه القصّة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة، رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه”.

الملوخية: منعها الحاكم بأمر الله فصارت شاهداً على تفرده

لم يحظ حاكمٌ أو خليفةٌ مسلمٌ، بهذا القدر من الجدل الذي حظي به الخليفة الفاطمي أبو علي المنصور، والمعروف بالحاكم بأمر الله.

اعتلى المنصور كرسي الخلافة الفاطميّة في عام 386ه، وظلّ متربّعاً عليه حتى عام 411ه، اتخذ الكثير من القرارات الغريبة التي أثارت دهشة واستهجان المؤرّخين المسلمين وجعلت سيرته دائماً ما ترتبط بالجنون وغرابة الأطوار.

واحد من تلك القرارات، كانت منعه للمصريين من تناول عددٍ من الأطعمة المعروفة لديهم، مثل الملوخية والجرجير والعنب.

في كتابه المهمّ “اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء”، يذكر تقي الدين المقريزي أسباب هذا المنع، ويفسّره ببعض التفسيرات السياسيّة والمذهبيّة، فيقول “وقرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخيّة التي كانت محبّبة لمعاوية بن أبي سفيان، والبقلة المسمّاة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها، والمتوكليّة المنسوبة إلى المتوكل”.

هناك تفسيرات أخرى، ترى أن منع الحاكم بأمر الله للملوخيّة لم يكن بسبب دوافع مذهبيّة، بل بسبب نظرته الاستعلائيّة التي ترفض المساواة في المآكل بين العامّة والطبقة الحاكمة، بحسب ذلك التوجّه، فأن المعزّ لدين الله الفاطمي كان هو أوّل من أدخل نبات الملوخية إلى مصر، حيث كان قد اعتاد على استخدامه كعلاجٍ للمغص والتقلّصات المعويّة، وكان يزرعه في أماكن محدودة، ويقتصر استعماله على الخليفة وأهله فحسب، ومن هنا فقد كان هذا النبات وقتها يسمّى بالملوكية، نسبة إلى الملوك، فلما تقلّد الحاكم بأمر الله مقاليد الخلافة، وجد أن هذا النبات الملوكي قد انتشر بين العامة، وساءه ذلك، ومن هنا اتخذ قراراً بمنع استخدامه أو طبخه.

هناك وجهة نظر ثالثة متواترة في الأوساط الشيعيّة الإسماعيليّة والدرزيةّ، والتي تحظى فيها شخصية الحاكم بأمر الله بتقديرٍ كبير ومكانةٍ عظيمة، حيث يُقال إن الخليفة الفاطمي قد منع الملوخيّة، بسبب فسادها وانتشار الديدان بها، ولما كان الحاكم بأمر الله يعمل على القضاء على الطواعين المنتشرة بمصر، فأنه قد أمر بمنع تداول الملوخيّة، خوفاً على صحّة المصريين.

على عكس الشيعة، درج أهل السنّة على الاحتفال وإظهار الفرحة بيوم عاشوراء، تأسيساً على ما ورد في مصادرهم الحديثيّة، من أنه اليوم الذي أنقذ فيه الله موسى وبني إسرائيل من فرعون، وظهرت بعض الأحاديث التي تشجّع على التوسعة في هذا اليوم تحديداً

لماذا منع الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله، أهل مصر من تناول الملوخية والجرجير والعنب؟ 

اقترنت حلوى الفالوذج الفاخرة التي التي تواتر ذكرها في مصادر الثقافة الإسلاميّة بالتنبؤات التي تحدّثت عن الفتوحات الإسلاميّة المبكّرة، كوعدٍ إلهي وبشرى ربّانيّة للمسلمين فورد في سنن ابن ماجة 

عاشوراء: طبق الحلوى الذي استحدثه الأيوبيّون للقضاء على النفوذ الفاطمي في مصر

يُعتبر طبق عاشوراء من أشهر أطباق الحلويات التي عُرفت في البلاد الإسلاميّة منذ فترة طويلة.

يتكوّن طبق عاشوراء من خليط من القمح واللبن والنشا والسكر، وهو منتشرٌ بشكلٍ خاص في مصر وتركيا وبلاد المغرب العربي.

أخذ هذا الطبق اسمه من واقعة عاشوراء الشهيرة، والتي استشهد فيها الحسين بن علي مع مجموعةٍ من أهل بيته وأنصاره في العاشر من محرّم عام61ه.

يمكن القول إن الظهور التاريخي لطبق عاشوراء في الثقافة الإسلاميّة، قد ارتبط بشكلٍ وثيقٍ بالظروف السياسيّة والمذهبيّة التي تزامنت مع حلول القرنين الخامس والسادس الهجريين، وتحديداً بالتنافس السياسي- المذهبي السنّي الشيعي في تلك الفترة.

اعتاد الشيعة، ومنذ فترةٍ مبكّرةٍ من التاريخ الإسلامي، استذكار واقعة عاشوراء كلّ عام، من خلال مجموعةٍ من الطقوس والشعائر الحزينة، وظهر ذلك بشكلٍ واضحٍ في الطقوس الفاطميّة في مصر في القرن الرابع الهجري، حيث يذكر المقريزي في كتابه “الخطط المقريزيّة” صفات بعص الأطعمة التي كان الخلفاء الفاطميّون يعدّونها ويقدّمونها على أسمطتهم في أيام عاشوراء، فيقول “ويفرش سماط الحزن مقدار ألف زبديّة من العدس والملوحات والمخللات والأجبان والألبان والأعسال والفطير والخبز المغير لونه- إلى السواد- بالقصد- أي عمداً- ويأكل الجميع من الناس على اختلاف طبقاتهم…”.

وعلى عكس الشيعة، درج أهل السنّة على الاحتفال وإظهار الفرحة والسعادة بيوم عاشوراء، تأسيساً على ما ورد في مصادرهم الحديثيّة، من أنه اليوم الذي أنقذ فيه الله موسى وبني إسرائيل من فرعون، وظهرت بعض الأحاديث التي تشجّع على التوسعة في هذا اليوم تحديداً، ومن ذلك ما ذكره ابن عبد البر النميري في كتابه “الاستذكار” عن جابر بن عبد الله أن الرسول قد قال “من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته”، وهو الحديث الذي ذهب أكثر المحدّثين السنّة إلى ضعفه، ومن أشهر من قال بذلك ابن حجر العسقلاني في كتابه “لسان الميزان”.

الظهور التاريخي الأوّل لطبق عاشوراء، ليس معروفاً على وجه اليقين، ولكن أغلب الظن أنه قد وقع عقب سقوط الدولة الفاطميّة، وتزامن مع قيام الدولة الأيوبية السنيّة التي حاولت تغيير بعض الطقوس الشيعيّة المنتشرة في مصر، حيث يذكر المقريزي في خططه:

“فلما زالت الدولة – يقصد الدولة الفاطميّة- اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء، يوم سرورٍ، يوسعون فيه على عيالهم، ويتبسّطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء، وحزن فيه على الحسين بن عليّ، لأنه قتل فيه…”.