الأثنين: 16 ديسمبر، 2019 - 18 ربيع الثاني 1441 - 12:57 مساءً
ملفات
الثلاثاء: 24 يناير، 2017

عواجل برس _ خاص

 

تنشر عواجل برس الفصل الثالث من كتاب الزميل نوزت شمدين المسمى (قبل إعلان الخلافة) . الكتاب ، وهذا الفصل ، بقدر ما يصفان الأعمال الشيطانية التي قام بها الارهابيون وجماعات الجريمة المنظمة ، يميطان اللثام عن حالة الموصل الحقيقية قبل سيطرة الدواعش عليها عسكريا . إنها فضيحة سياسية وأخلاقية لجماعة المالكي العسكرية ومجموعة أثيل النجيفي السياسية اللتان هيمنتا على المدينة بينما كان الارهابيون هم المسيطرون الفعليون على مقدراتها الاقتصادية والاجتماعية عن طريق العنف والتهديد وفرض الضرائب.

 
***
كان لدى التنظيم المسلّح في مدينة الموصل “جهاز ضريبي” من نوع خاص. فكل صاحب مهنة مهما صغر شأنه أو علا، ملتزم بدفع نسبه محددة من دخله الشهري لعناصر التنظيم، كما أن مؤسسات الدولة دفعت هي الأخرى. هذا سرّ كان يعرفه الجميع بما فيهم مسؤولو الحكومة، لكن لا احد منهم جرؤ على البوح به.

 
مازال مواطنو مدينة الموصل يذكرون أول اختبار لهم مع القاعدة، بعد 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، وهو اليوم الذي انهار فيه جهاز الشرطة الهش، وتحولت المدينة إلى حلبة صراع مفتوحة بين مسلحين يظهرون كالأشباح، وجنود أمريكيين متوجسين، ينظرون إلى كل شيء من حولهم كعدو.

 
هذه الذكرى بطلها شخص يدعى يونس الحاج يونس، اتهم بالعمل مع الأمريكان، وكان عليه دفع الثمن، ولما امتنع عن الامتثال، أصبح عليه أن يكون عبرة لمدينة بأكملها، حيث قطع مسلحون كفي يديه، واقتلعوا إحدى عينيه، وألقوا به نصف ميت في مزبلة إمعاناً في إهانته.

 
ومع أن يونس لم يكن آخر من خضع لحكم القاعدة في الموصل (400 كلم شمال شرق غرب بغداد)، إلا أن قصته أشاعت جواً من الرعب، دفع بالمئات من التجار والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وغيرهم إلى هجرة المدينة، ومن بقي فيها كان عليه أن يدفع المال للإبقاء على حياته.

 
غازي فرمان مسؤول الفرع 14 للحزب الديمقراطي الكردستاني في نينوى، كان أول من قالها بوضوح: “الموصل تحت الجزية”. وذكر أن الأموال تدفع في الموصل لما يسمى بـ “الدولة الإسلامية”.

 
فكل صيدلية دفع صاحبها بين 100 و200 دولار أمريكي شهرياً، وهناك مقاولون دفعوا نسبة تتراوح بين 5 و10 بالمئة من مبلغ المقاولة، ونفس النسبة دفعتها الشركات المحلية.

 
الفنادق كانت تدفع، وكذلك الأطباء والتجار في ساحلي مدينة الموصل الأيمن والأيسر دفعوا أموالاً طائلة. حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة فعلوا هذا، والأدهى أن مؤسسات الدولة كانت تدفع أيضاً.

 
غازي فرمان تابع قائلا إن “أي شخص تظهر عليه النعمة، بامتلاك داراً كبيرة مثلا، كان عليه دفع الجزية”، وقال بأن “الوقت قد حان لكي تتم السيطرة على الوضع الأمني في نينوى، فالإرهابيون في دولة العراق الاسلامية، إذا كانت بحوزتهم الأموال الطائلة سيفعلون ما يشاؤون بها، وهم يقتلون المواطنين في نينوى بأموالهم”. ويبدو أن هذا تحقق بعد ذلك بسنوات قليلة.

 
وانتقد فرمان في حينها المسؤولين في نينوى لصمتهم إزاء ما يحدث، ولفت إلى أنه لم يسمع أي تصريح لأي مسؤول في نينوى، حتى وإن كان بسيطاً، يذكر فيها هذه الحقائق حول الابتزاز الذي خضعت له الموصل، في شقيها العام والخاص.

 
حسين أياد ، واحد من أقرباء سياسي بارز، شاب في السابعة عشرة من عمره، كان آخر ضحية لحوادث الخطف لغرض الابتزاز في الموصل.

 
اختطفه ثلاثة مسلحون من منزله أمام مرأى من أهله، وأكد أحد أقربائه أن الخاطفين كانوا يرتدون زيا عسكرياً، ويحملون أجهزة لاسلكي، وعملية الخطف جرت في وضح النهار.

 
بعد مفاوضات استمرت نحو عشرة أيام، عاد حسين إلى منزله، وكان شيئا لم يحدث، دون أن يتم الإعلان عن المبلغ الذي دفع، أو الجهة التي قامت بالخطف. لكن أهالي مدينة كالموصل، عاشت أربعة سنوات كاملة تحت حكم القاعدة، قبل انطلاق عملية أم الربيعين فيها منتصف 2008، كانوا يعرفون جيداً أي جهة بوسعها فعل ذلك.

 

 

القادة الأمنيون في نينوى، أكتفوا بالاشارة إلى أن تأمين الحدود مع سورياً، وكذلك مداخل محافظة نينوى قطع التمويل عن الدولة الإسلامية، فلجأت إلى تمويل نفسها من خلال جمع الأتاوات من مختلف شرائح المجتمع، تجاراً وأطباء وصيادلة ومهندسين، وأصحاب مشاريع وغيرهم وأؤكد هؤلاء القادة، بأنهم تمكنوا والى حد بعيد من إلحاق الهزيمة بالإرهابيين، لكنهم شكوا من عدم تعاون المواطنين، خصوصاً في أسواق مدينة الموصل، أو أصحاب المشاريع، وهذا ما دفعهم إلى اعتقال عدد منهم بتهمة تمويل الإرهاب، وكان من بينهم عدد من أصحاب محطات الوقود.

 
أسواق السرجخانة، وباب السراي، والصاغة، وشارع نينوى، والمصارف والمجموعة والمنطقتين الصناعيتين، جمعت منها الدولة الإسلامية ملايين الدولارات، بحسب “أبي عمر” وهو عضو سابق في الدولة، أطلق سراحه في 2011 بعد عامين قضاهما في المعتقل.

 
وروى أبو عمر ” أن شخصا يدعى أبو تبارك، وكان أحد أمراء القاعدة في الموصل، استولى في عام 2006 على 4.5 مليون دولار من مبالغ الأتاوات وفر بها إلى جهة مجهولة.

 
وقال إن “عصابات إجرامية، تشترك أيضا الآن في جمع الأتاوات، وهم يتقمصون أدوار أعضاء في الدولة الإسلامية، ويتحدثون باسمها لزرع الخوف في نفوس ضحاياهم”.

 
الخلافات التي كانت قائمة بين حكومة نينوى المحلية، والقيادات الأمنية المتمثلة يقيادة عمليات محافظة نينوى وتشكيلاتها، كانت السبب في نظر الكثير من مواطني الموصل في حدوث الفجوة التي قالوا بان المبتزون عادوا من خلالها لممارسه أعمالهم.
وكنت قد اتصلت بمسؤول في محافظة نينوى، طلب مني عدم الإشارة الى اسمه في وقتها ومازلت احترم ذلك، أكد صحة الأحاديث التي تدور خارج مبنى المحافظة فرض “جهات معينة” على حد تعبيره إتاوات على المواطنين.

 
ولتجنب انسحاب الأمر إلى داخل مبنى المحافظة، ” تم تقييد الحركة داخل الأقسام، خصوصاً قسم المشاريع، حيث تواجد المقاولون، وهم في العادة من كانوا يتعرضون للابتزاز بنحو مركز”.

 
وذكر المسؤول، أن مكافحة هذه الآفة كما وصفها، تقع على عاتق الأجهزة الأمنية التي تمسك الأرض بشكل يكاد يكون كاملاً في معظم أجزاء مدينة الموصل. “لكن ولعدم تفعيل الدور الاستخباري ورفض الأجهزة الأمنية إشراك الحكومة المحلية في وضع الخطط ، فإن العصابات الإجرامية بدأت تنشط ويتسع مدى عملها مجدداً”.

 
عبد الكريم، كان يعمل في شركة للدواجن مقرها شمال مدينة الموصل، ومهمته مرافقة الشاحنات المحملة بالمواد العلفية(صويا، ذرة، بروتين) القادمة من منفذ ربيعة على الحدود مع سوريا الى مقر الشركة، أكد بأن أشخاصاً عرفوا أنفسهم بأنهم أعضاء في “دولة العراق الإسلامية” تقاضوا بدءاً من عام 2006 إتاوات عن كل شاحنة محملة بالبضائع، دخل العراق عبر سوريا.

 
وشرح عبد الكريم كيف أن عناصر “الدولة الإسلامية” كانوا يمتلكون معلومات كاملة عن البضائع الداخلة، من أرقام الشاحنات وحتى الأوزان، والجهة القادمة منها البضائع، وكذلك الذاهبة اليها.

 
وأضاف أن التنظيم المتشدد أمتلك جواسيس في المنفذ الحدودي، وفرضوا خارجه على طول المسافة بين منفذ ربيعة ومدينة الموصل (120كم) رقابة على موازين الشاحانات (قبان). وكان لديهم أيضا عيون هناك تتمثل ببائعي الوقود على جوانب الطرقات، وهم صبية أو مراهقون تسهل السيطرة عليهم، لذا لا يمكن المراوغة معهم، لأنهم يعرفون كل شيء.

 
وواصل عبد الكريم: ” كانت لديهم عدة طرق لجباية الأتاوات، فإما يستلمونها مباشرة من السائقين، أو أتلقى اتصالاً هاتفيا من احدهم، يحدد المكان، فأذهب إليه وهناك أسلمه المبلغ وكان بالدولار عادة (300 دولار أمريكي) عن كل شاحنة يرتفع المبلغ وينخفض بحسب مزاجهم”.

 
أما مكان التسليم بحسب عبد الكريم، فكان عادة مدخل حي 17 تموز غرب الموصل، “واذا كانت هناك قوات أمنية سواء للجيش او الشرطة الاتحادية، فان اتصالات تجري ويتغير المكان. والشخص الذي يتولى الاستلام شاب كان يطلق على نفسه اسم لازم”.

 
ولازم هذا، كان يغير رقم هاتفه بين فترة وأخرى، وسمع عبد الكريم بأن قوات الجيش العراقي القت القبض عليه وعلى مجموعته مطلع عام 2009، يقول. “لكن هناك آخرين تولوا جمع الأتاوات، ولم يمكن أبدا ان نعرف ان كانوا يتبعون ما يعرف بدولة العراق الإسلامية، آم أنها كانت مجرد عصابات ضمن مافيا تسيطر على الموصل”. ثم استطرد” بطبيعة الحال لم تكن سوى الدولة الإسلامية “.

 
واستذكر عبد الكريم حوادث كثيرة تعرضت لها شاحنات تجار في الموصل، منها أربعة محملة بمادة الصوياً، رفض صاحبها ويدعى سربست دفع 1200 دولار عنها، فتم تفريغ الحمولات في منطقة حي الوحدة شرق الموصل، ثم فككت الشاحانات، ونهبت أجزائها أمام سائقيها، من قبل مواطنين اعتقدوا أنها تعود للقوات الأمريكية.

 
مجرد ذكر اسم “دولة العراق الإسلامية”، كان يثير الرعب والهلع في نفوس سكان مدينة الموصل، حتى بعد الانتشار الكبير لقوات الشرطة والجيش العراقيين، وتغلغلها في مختلف مفاصل المدينة، وتمكنها من قتل واعتقال المئات من عناصر الدولة، وعشرات من وزرائها وأمرائها ومقاتليها.

 
الدلائل رغم الصمت الشعبي، والحيرة الحكومية، أشارت إلى أن الأموال جمعت للدولة الإسلامية، والتزم الضحايا بتسديدها، أكثر من التزامهم بتسديد الضرائب للدولة العراقية نفسها، وأحتفظ بنماذج من التهديدات التحريرية التي كان يوجهها التنظيم الى ضحاياه وأكثرها دلالة على عنجهية التنظيم ورقة تهديد وصلت إحدى المدارس الأهلية في مدينة الموصل بينت مبررات إخضاع أي جهة لدفع الإتاوة.

 
ومن بينها اقتباس عن الإمام الغزالي “إذا خلت الأيادي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخوف دخول العدو ديار المسلمين أو خوف ثوران الفتنة من أهل العامة في بلاد الإسلام جاز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند_المستصفى من علم الأصول 1/264”.

 
وتنتهي ورقة التهديد بـ “فعليه إننا نبلغكم بالحسنى للإنفاق في سبيل الله تعالى وواجب عليكم بذل المال في سبيل الله عز وجل، ومن يمتنع فانه سيكون آثماً ويحق عليه التعزير وعليه ترك العمل الذي استحب من اجله الدنيا على الآخرة، فعلى كل مدرسة تمتنع عن الدفع أن تغلق أبوابها، وإلا فان كل أساتذتها والعاملين فيها يكونون هدفاً لنا بعد هذا التوضيح، وخصوصاً بعد استعانة أغلبهم بقوات الردة الرافضية الجاثمة على صدور أهل السنة في الموصل الحدباء”.

 
الحديث عن دفع الأتاوات كان ممنوعا في الموصل، ويقول طه وهو تاجر قماش كان يعمل في سوق باب السراي في الجانب الأيمن للمدينة، أنه كان يدفع من أب (أغسطس) عام 2009، مبالغ شهرية إلى شخص كان يقول أنه من الدولة الإسلامية، هدده بالتصفية أولاً عبر الهاتف، ثم داوم بنفسه على الذهاب إلى محل طه نهاية كل شهر ليتسلم مبلغ 150 دولار.

 
وذكر بأنه لم يجرؤ يوما على القول بأنه يدفع أتاوة شهرية للدولة الإسلامية، ولا حتى جيرانه مع انه كان يعرف تماماً أنهم يفعلون الشيء ذاته شهرياً، وكأنه “سر يعرفه الجميع”، وأي حادث كان يصيب أي تاجر في السوق، كان يفهم منه وعلى الفور امتناعه عن الدفع.

 
طه باع محله وكذلك منزله الكائن في حي النور شرقي الموصل، وذهب بعائلته ليسكن دهوك، بعد أن وصلته رسالة ورقية تطلب منه دفع 50 ألف دولار، وإلا ستتم تصفيته مع عائلته، وهمس بالقول: ” السوق كان تحت رحمتهم، والجميع كان يدفع بصمت”.