الأحد: 23 سبتمبر، 2018 - 12 محرم 1440 - 11:07 صباحاً
بانوراما
الأربعاء: 11 أبريل، 2018

قفزت معدلات الانتحار في العراق بشكل غير مسبوق خلال آخر عامين، وسط تفسيرات متباينة تحاول الوصول إلى أسباب هذا الأمر الذي بات ظاهرة في كُل المدن العراقية باختلاف الأعمار.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ترتفع فيها نسب الانتحار في العراق؛ إذ شهدت ارتفاعًا مماثلًا وتحولت مسألة الانتحار إلى ما يُعرف بالظاهرة المخيفة في الثمانينيات، حين كانت حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988) مشتعلة، وهرب مئات الجنود العراقيين نحو الانتحار ملاذًا لهم في ظل ظروف صعبة مروا بها في هذه الفترة الزمنية.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى الدوافع التي تقف خلف ارتفاع معدلات الانتحار بين العراقيين في أوقات الحروب، وعلاقتها بالظروف الاقتصادية والنفسية التي يمرون بها، وما هي أكثر الفئات التي مالت إلى الانتحار في السنوات الأخيرة.

حرب الخليج الأولى.. حين ينتحر الجندي هربًا من الموت غير المبرر!

قبل حرب الخليج الأولى، كان العراق الواجهة المُفضلة لمئات الآلاف من العُمال العرب من المحيط إلى الخليج، يذهبون إلى بلاد الرافدين بحثًا عن وظيفة تُدر عليهم مالًا وفيرًا في البلاد التي ذاع صيتها بالبترول الوفير. كانت كُل مباهج الحياة تدب فيها. لم يعرف العراقيون آنذاك لغة الموت، ولم تكن صفات التشاؤم والاكتئاب في قاموس المواطن العراقي؛ بل كان يعيش الحياة في رغد وحرية محبًا للحياة، ومتشبسًا بها، متحايلًا على حُكم صدام حسين الديكتاتوري بظروف مادية جيدة.

تمثال لصدام حسين وسط العاصمة العراقية

لم تمض سنوات حتى بدأت علامات حرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات؛ ومعها شاعت لغة الموت، وعلا صوت الانفجارات، وبدأت حياة جديدة عرف فيها العراقيون القنابل المُفخخة، والطائفية التي تجذرت لدى قطاع كبير من السكان.

على مدار هذه السنوات، خسر العراق ماليًّا وعسكريًّا، وهجر مواطنوه الحياة التي ألفوها، وبات الموت خيارًا مُفضلًا بالنسبة لبعضهم عن الانضواء جنودًا مُقاتلين في الجيش العراقي في حرب لا يدرون لها فائدة، أو أن يعيشوا وسط أصوات الانفجار والطائفية المتفشية، وأوضحت شهادات لعراقيين عايشوا هذه الفترة الزمنية، أن نحو مليون عراقي من الطبقتين الوسطى والفقيرة جرى تجنيدهم إجباريًّا لظروف الحرب الاضطرارية، تحايلت أعداد كبيرة منهم للهروب من الانخراط في الحرب عن طريق إيذاء أنفسهم عمدًا؛ لإعفائهم من القتال لأسباب تتعلق في المقام الأول باعتقادهم أنها حرب لا جدوى منها.

أخذ عدم قبول الجنود العراقيين بهذه الحرب مظاهر متعددة كانت تدور في فلك الخلاص من هذه الحياة والحرب التي أدخلتهم فيها قيادتهم السياسية دون أي جدوى من ورائها، حسبما كانوا يعتقدون، ليضطر مئات منهم إلى الانتحار، وينهون حياتهم بهذه الطريقة التي لم تذهب أسوأ توقعاتهم إليها.

لم يكن هذا المسار الذي سار فيه أعداد كبيرة من الجنود العراقيين للخلاص من حياتهم، مقتصرًا عليهم فقط؛ بل امتد ليشمل الأسرى

العراقيين في المعتقلات الإيرانية للخلاص من صنوف التعذيب التي واجهوها، وأشكال الإهانات التي تعرضوا لها؛ إذ تمثلت طرق انتحار الأسرى في تمريرهم سلكًا غليظًا محمى بالنار في الصدغ، أو الموت شنقًا بالملابس الرَّثة.

سار الأمر نفسه على المواطنين المعارضين أيضًا في معتقلات النظام العراقي؛ ممن أخذوا موقفًا سياسيًّا مناهضًا لسياسات صدام حسين، ونظموا تظاهرات احتجاجية ضد الانخراط في الحرب؛ فانتهت مصائرهم في سجون النظام، والتي سعوا للخلاص منها عبر إلقاء أنفسهم على المنحدرات الصخرية في مناطق العمل البعيدة التي يذهبون للعمل فيها تحت سيطرة السلطات العراقية.

حرب الخليج الثانية.. الانتحار الجماعي هذه المرة

انتهت سنوات الحرب، وسعى العراق بأموال المانحين لإعادة إعمار ما تبقى من البنايات التي تدمرت من جراء الحرب، قبل أن يدخل صدام حسين بمواطنيه في حرب جديدة، ويدفع بهم إلى الصفوف الأولى في المعركة مع الكويت في عام 1990. بثت وسائل الإعلام الحكومية أخبارًا تدعو فيها المواطنين للتجنيد، تحت دعاوى حماية نفط العراق الذي سرقته الكويت، وتحقق لصدام ما أراده من احتلال العاصمة الكويتية وبعض المدن المجاورة، وتنصيب حاكم جديد موالٍ لله بديلًا لحكم آل الصباح، قبل أن تنجح القوات الدولية من أكثر من دولة غربية وعربية في إرغام «صدام حسين» على الانسحاب تحت ضغوط قوى دولية.

Embed from Getty Images

صورة للرئيس العراقي السابق صدام حسين

لم تكن خسائر «صدام» سياسيًّا تُذكر إذا ما قورنت بخسائر المواطن العراقي الذي تعرض خلال مدة الحرب -البالغة 40 يومًا- للقصف بأكثر من 100 ألف طن من المتفجرات، بما في ذلك مئات الأطنان منذخائر اليورانيوم المخضّب. وهو ما أدى إلى سقوط ما بين 70- 100 ألف قتيل في صفوف الجيش العراقي، وجرح قرابة 300 ألف جندي، وأسر 30 ألفًا آخرين، وتباينت التقديرات بشأن عدد خسائر المدنيين الذين تم استعمالهم دروعًا بشرية لمنع قوات التحالف من قصف المواقع العسكرية العراقية.

امتدت آثار الحصار لتشمل كذلك انخفاض الناتج المالي الإجمالي في العراق إلى ما لا يزيد على ثلث المستوى الذي بلغه قبل عام 1991، وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والصناعية للعراق بواسطة القصف الأمريكي البريطاني المستمر حتى بعد انتهاء الحرب، وموت أكثر من مليون طفل عراقي دون سن الخامسة نتيجة سوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية.

خطاب صدام حسين يوم بدء حرب الخليج الثانية

كرست كُل هذه الآثار دافع الانتحار لآلاف الناجين ممن فقدوا ذويهم، وساءت ظروفهم المالية؛ فمثل لهم الانتحار خيارًا مُفضلًا للخلاص من مشاكلهم النفسية والاجتماعية والمالية، فضلًا عن شعور بالذنب تجاه عائلاتهم كبيرة العدد، بعدما أطلقت الحكومة برنامجًا لتشجيع الإنجاب بمعدلات مرتفعة، محاولة من صدام حسين للتحايل على تعرض آلاف من مواطنيه للموت من جراء الحرب.

على خلاف حالات الانتحار الفردي في حرب الخليج الأولى للجنود العراقيين أو ممن وقعوا أسرى في أيدي السلطات الإيرانية؛ كان الوضع أكثر مأساوية في حرب الخليج الثانية بعدما أخذت تلك الحالة شكل الظاهرة في عائلات عراقية، كأن يقدم رب العائلة على قتل أفراد أسرته خنقًا بالغاز، أو حرقًا، أو ذبحًا ليمثل ذلك رد فعل قاسٍ على الجوع، وانعدام القدرة الاقتصادية، وانسداد الأفق.

وفقًا لمقال منشور للشاعر العراقي صفاء خلف بموقع «جدلية»، يناقش فيه دوافع الانتحار لدى العراقيين في أوقات الحروب: «الانتحار في العراق تأسس نتيجة سوء إدارة الدولة للمجتمع. فالمجتمع العراقي في حقيقته، مجتمع مركزي/ بنيوي تديره الدولة أو السلطة أو النظام أيًا كانت العقيدة أو الفلسفة، فهو يخضع -أي المجتمع- إلى التأثيرات المباشرة، ويتحرك ضمن الإطار الذي تحدده البُنى الحاكمة، وإذا ما انعدم هذا الإطار يتحول إلى مجموعة بشرية هشة تشتبك يوميًّا مع المؤثرات المحلية أو الوافدة، وتفرز صيغًا مريعة تعمل على استكمال الهدم».

«داعش» يدفع جيل الألفية الجديدة للانتحار.. السنى والشيعى سواء

لم تنقطع ظاهرة الانتحار بعد حرب الخليج الثانية؛ بل واصلت التوسع، حتى وصلت إلى أجيال جديدة، من أوساط دينية مختلفة، ممن لم تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا في السنوات الأخيرة التي خضعت فيها مناطق واسعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

Embed from Getty Images

صورة لأحد شوارع العاصمة العراقية

كان الشاب العراقي جواد، المنتمي إلى وسط مدينة الشعلة الواقعة غربي بغداد، أحد هؤلاء، الذين اضطرتهم ظروف الفقر والحاجة للخلاص من الحياة بعد صعوبات كُبرى حالت دون عثورهم على فرصة عمل يكفُلون بها حياتهم. أتم جواد دراسته الجامعية مهندس حاسبات، قبل أن يضطر للعمل في مهن بعيدة عن مجال تخصصه مثل بائع متجول على الأرصفة، وسائق سيارة أجرة، ومندوب مبيعات في شركة لبيع الحليب والعصائر، بعد فشله في العثور على وظيفة في نطاق تخصصه، حتى انتهى به الحال بعد جلسة جمعته بأصدقائه، بشنق نفسه بحبل تدلى من المروحة السقفية في غرفته الصغيرة.

امتدت ظاهرة الانتحار في العراق مؤخرًا إلى الفتيات؛ إذ أدت الظروف الاقتصادية الصعبة، والعنف الديني إلى تبدل نظرة المجتمع العراقي لعلاقات الزواج القائمة على الحب؛ فأصبح يرى هذه العلاقات «حرام شرعًا». أخذت بعد ذلك هذه النظرة طابعًا قبليًّا بين القبائل العراقية بمنع زواج الفتاة من الشاب الذي أحبته، وإجبارها على الزواج من أحد المقربين منها، فضلًا عن إجبارها على ترك الدراسة خشية اختلاط الفتاة مع الذكور والوقوع في علاقة غرامية، أو بسبب عنف الزوج أو الإخوة، وهي الدوافع الأساسية لأغلب حالات الانتحارات بين الفتيات.

ويُشير تقرير «القتال أو الهرب. .محنة ويأس جيل 2000 في مواجهة الحرب»، الصادر من المجموعة الدولية للأزمات أن هذا الجيل يجد نفسه محرومًا بالمطلق من حق الحياة مع انهيار التعليم وتخلف التربية الأسرية. وربط التقرير دوافع الانتحار في السنوات الأخيرة بآثار ما فعله تنظيم «داعش» بالمدن العراقية.

وتمثلت آثار وجود داعش في العراق في مقتل نحو ألف مدني عراقي، شكل الأطفال والنساء أكثر من 50% منهم، ومصرع أكثر من 24 ألف رجل أمن وعنصر في الجيش العراقي، واضطرار نحو 6 ملايين نسمة للجوء خارج العراق، تركزوا في بغداد وكردستان، والأردن وتركيا ولبنان، وارتفاع عدد الأرامل والأيتام لأكثر من 40%، وبلوغ نسبة الفقر درجة قياسية غير مسبوقة، بواقع 35%، والبطالة 31%، والجريمة المنظمة بواقع 50%. وحرم نحو 3 ملايين مواطن من التعليم خلال السنوات الثلاث الماضية.

كانت كُل هذه الآثار السابقة كفيلة باضطرار آلاف إلى الانتحار؛ إذ باتت النظرة العدمية هي المسيطرة على القطاع الأكبر من المواطنين العراقيين الذين فقدوا ذويهم، وباتت احتمالات حصولهم على فرصة عمل منعدمة، فضلًا عن أنماط الحياة الاضطرارية التي حددتها «داعش» لسكان المدن التي كانت خاضعة لسيطرتها.

وتُشير شهادات متنوعة إلى أن حالات الانتحار ليست مرتبطة بمذهب أو ديانة بعينها، بل هي ظاهرة تتوزع على محافظات سنية وشيعية دون تصنيف يستثنى فئة عن فئة داخل الحالات، وتكثُر في الخمس سنوات الأخيرة، بين الأوساط الشبابية ممن تنخفض أعمارهم عن 30 عامًا، إذ كان أغلب المنتحرين في عام 2017 من هذا الجيل.

وحسب برنامج «الدراسة العراقية الوطنية عن الانتحار» الذي حدد نسبة قياس الظاهرة بين عامي (2015– 2016)، استنادًا إلى تقارير مراكز الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في 13 محافظة عراقية (باستثناء محافظات كردستان ومحافظتي نينوى والأنبار)، والتي أفادت بوقوع 290 حالة في عام 2015، و357 حالة في عام 2016 بتفصيل جندري 55,9% ذكور و44,1% إناث، مشيرة إلى أن نسب الانتحار الأعلى كانت في بغداد والبصرة.

كما حذرت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية من «ازدياد حالات الانتحار بين صفوف الشباب والشابات في مختلف أنحاء العراق بشكل مخيف ومقلق ولافت للنظر»، مطالبة الحكومة بـ«عدم الاكتفاء بدور المتفرج، والإسراع في إقرار قانون العنف الأسري، وإجراء مسح شامل لمعالجة هذه الظاهرة».

ووفقًا لتفسير الباحث في علم الاجتماع، محمد عبد الحسن لجريدة «الحياة»، فإن «العوز والفقر وتهميش المرأة تعدّ من الأسباب التي أدت إلى زيادة أعداد المنتحرين في «ذي قار» (إحدي المحافظات العراقية)، وأن التقاليد كثيرًا ما تدفع المرأة في المجتمعات المغلقة إلى الانتحار». لا توجد مؤشرات على تراجع حالات الانتحار في العراق؛ إذ لا زالت بلاد الرافدين تعيش وسط أكوام من المشاكل تخنق مواطنيها، ويحاصرها عنف طائفي أخذ أشكالًا لم يشهدها المجتمع العراقي من قبل، فضلًا عن عدم إيلاء الحكومة بتصميم برامج لمعالجة ظاهرة الانتحار المتنامية، أو النظر إلى هذه القضية باهتمام كافٍ، ولجوئها بدلًا من ذلك إلى التكتم حول الأعداد الرسمية لحالات الانتحار، والتعامل مع القضية وكأنها قضية أمن قومي، غير مسموح لأحد بالاقتراب منها.