السبت: 20 يوليو، 2019 - 17 ذو القعدة 1440 - 04:10 مساءً
دفاتر
السبت: 22 يونيو، 2019

سهيل سامي نادر

في حياتي الوظيفية أسند اليّ واجب الخفير الليلي مرتين . في الأولى كنت في “الجمهورية” وفي الثانية كنت في المؤسسة العامة للطيران المدني . في الأولى كنت صحفياً ، وفي الثانية كنت موظفاً منقولاً مغضوباً عليه.
في الأولى تسلمت خفارتي الساعة التاسعة ليلا ، ونحو الساعة الرابعة صباحا هدّني التعب والسهر فأخذتني إغفاءة عن العالم لم تستمر أكثر من دقائق جاءني فيها سعد قاسم حمودي في حلم خاطف يهز فيها كتفي ويوقظني ويلومني لأني نمت . استيقظت فزعا وما زالت آثار يد سعد على كتفي . ما كان هناك أحد غيري ، أنا اليقظ ، المضاعف ، مطبوع طبعات متراكبة على قماش قاس ، معنّف ، ساخط على نفسي وعالمي . أدركت ببساطة ما أنا عليه . أنا مقبوض عليه من قبل علاقات قوى لا تسهو تقوم بعملية ليّ حياتي النفسية . ها هو ابن الطبقة الوسطى ، بلا عشيرة ولا طائفة ولا طبقة مؤثرة ، شيوعي سابق ابن شيوعي مؤسس ، متحضر ، خجول ، مأخوذ بفكرة الواجب . ماذا أتوقع؟ ستهز كتفي علاقات القوى وأنا نائم ، تراقبني وأنا نائم ، تدعوني أن لا أسهو ، فالكوارث تجلس خلف الباب مباشرة ، وخلف الشباك من وراء الزجاج ثمت شبح مبتسم .
أنا كثير الأحلام ، لكن لم يحدث أن حلمت بهذا الحلم المباشر الذي لا يحتاج الى تفسير ، ولعل صاحبه بحاجة الى علاج نفسي ، أو عليه أن يهرب هرباً جذرياً بلا التفاتة الى الوراء !.
خفارتي الثانية كانت ستبدأ من ساعة انتهاء الدوام الرسمي في الثانية بعد الظهر وتنتهي في العاشرة ليلا. ولكي تبدو أحداثها مفهومة أحتاج الى رسم خريطة للمكان .
تقع المؤسسة العامة للطيران المدني في المنصور ، عند أول فلكة ، فوق مكاتب الخطوط الجوية العراقية . مدخلها يقع في الشارع الخلفي . يبدأ المدخل من سلم يصعد بنا الى فضاءات المؤسسة وممراتها ، بجواره الى اليسار فضاء محدود تشغله الاستعلامات.
انتهى الدوام الرسمي ليوم السبت وسألت انا الغريب سؤالين محددين : أين أقضي الخفارة ؟ وما واجبات الخفير؟ جاءني الجواب : تحت في الاستعلامات . وواجبك استلام الرسائل والرد على المكالمات وكتابة تقرير وتركه في الاستعلامات عند مغادرتك في الساعة العاشرة مساءً .
يقع قسم العلاقات والاعلام في فم السلم ، أول غرفة الى اليسار ، نوافذها تشرف على الشارع الجانبي والشارع الخلفي . نزلت مع مغادرة الموظفين . انتظرت مغادرة الجميع وفتحت باب الاستعلامات للجلوس ، وكان موظف البدالة يستعد للمغادرة . في هذه الأثناء عاد عامل الخدمات في المؤسسة (الجايجي) من الخارج وقال : هناك سيارة خصوصي تقف على بعد مترين او ثلاثة من باب المؤسسة منذ يوم الخميس الماضي أعتقد أن عليكم أن تخبروا عنها . سألت عامل البدالة كيف أخبر عنها ، أجابني أن الامر بسيط ، وسوف أتصل أنا بالنجدة . حضرت النجدة بعد سبع دقائق من الاتصال ، نزلت شرطتها وراحت تفحص السيارة المتوقفة من الخارج ، أذاعوا بواسطة اللاسلكي رقم السيارة ، فجاءتهم سيارة نجدة أخرى ، ثم ثالثة .
كان من الواضح وجود خطب ما . تجرأ شرطي وفتح شباك التهوية من الجهة المقابلة للسائق ، ثم استطاع فتح (الجكمجة) بيده التي مدها بصعوبة ، وأخرج منها مسدساً وورقة نسيئة لاستلام البانزين باسم القيادة القومية لحزب البعث الاشتراكي . عند هذا الحد اشتغلت في رأسي موسيقى تصويرية لفلم رعب. صاح صوت في داخلي : لماذا أنا يا الهي؟!
تذكرت المسيح المصلوب يلوم الله : لم خذلتني؟
أحد رجال الشرطة راح يتشمم السيارة مثل كلب، وانتهى قائلا : شممت رائحة كريهة في الصندوق الخلفي !. فتحوا الصندوق بقضيب حديد . صعد الغطاء بطرطقة عنيفة لتظهر جثة رجل وآثار دم على قميصه .
في تلك اللحظة وجدتني في مشهد حلمي أقف أمام محقق قائلا : والله سيدي لست أنا!
تغير المشهد في الخارج ، إذ جاءت عشرات السيارات التي تقل جهات أمنية وسياسية مختلفة ، وكنت أقف قريبا منهم وأسمع أحاديثهم وأسمائهم ورموزهم عبر أجهزة اللاسلكي : الأمن العام ، المخابرات ، مخابرات الفرع السوري ، الاستخبارات العسكرية ، القيادة القومية ، القطرية ، رئاسة الجمهورية ، ورموز رموز ، ثم عرفت من الاحاديث المتداولة أن القتيل سوري يعمل في القيادة القومية .
فيما كان الجمع يطوّق السيارة في دائرة بدأت تضيق كنت في مكان مظلم في عقلي أجري تسلسلا للاحداث حتى لا أنسى . كل تفصيل مهم . غداً أهم من اليوم . غداً سوف تجري مساءلتي . وكل غد لناظره قريب.
في هذه الاثناء كان الظلام قد حلّ والجمع ما زال صاخبا يناقش شيئا لم أفهمه ، فقد انسحبت الى باب المؤسسة كأنني ألجأ الى مكان محمي موجهاً رسالة صامتة : أنا موظف مسؤول . أنا من أخبرت عن السيارة . أنا الخفير. عرض تافه وضعيف احتقرته ، سرعان ما تلافيته بعقلي التحليلي المدرب متفحصا به الضعف البشري قبالة الغموض والتعالي والتجريد التي تتمتع بها كل سلطة ، وحدست الطريقة التي ينقلب فيها البعض لكي يكون صاحب سند ، أو خائن ، أو واشي . ثم الطريقة التي يقنع فيه المرء نفسه أنه بريء وكيف يتظاهر بقوة البراءة مغطياً على سذاجتها .
أثناء ما كان عقلي يمثل محاكمات خيالية ، رفعت الجثة وسحبت السيارة ، وفتح الشارع للمارة . كنت ما أزال أقف على باب المؤسسة ، فارغاً ، ضائعاً ، شاعراً أن اليوم مرّ ، وغداً أمرّ!
دخلت الى الاستعلامات وكتبت محضر ضبط بلغة محضر الضبط . كان يماثل الحقيقة ولا يصف ما حلّ بي . المجد للموضوعية . شعرت برجفة خفيفة في أصابعي وأنا أكتب .
في البيت سردت القصة لزوجتي . كعادتها طمأنتني ، ثم ساءلتني ، ثم أشارت الى حظنا السيء . فيما كانت تتكلم وجدت أن نظرتها اتجهت الى الداخل . ها هي تصاب بعدوى الظنون والتفكير الداخلي وتقليب الاحتمالات والخوف . عدوى أعرف تاريخها قلبت لها حياتها . لمت نفسي .
نمت قلقا ومتعرقا . في الصباح تناولت الفطور والشاي وابتلعت حبة فاليوم 5 وغادرت الى المنصور وبجيبي شريط من الحبوب . في قسم العلاقات والاعلام كل شيء هادئ . راقبت الشارع الخلفي حادسا أنهم سيبدأون العمل مبكرا . وفعلا رأيتهم يدقون أبواب البيوت قبالة المؤسسة ، ودورياتهم تجوب المنطقة . كل شيء عادي كما توقعته تماما . كنت خبيرا بسلوكهم ، لأننا الاثنان اشتركنا بشق الممرات الداخلية وتشييد الشبكة العصبية لتلقي الخوف والتعامل معه .
في نحو الساعة العاشرة والنصف تناولت حبة فاليوم 5 ثانية ، وبعد دقائق حضر ضابط أمن المؤسسة وقال لي بتهذيب عال بوجود أشخاص في غرفته يطلبون رؤيتي . صعدت معه الى غرفته ووجدت عامل الخدمات (الجايجي) ومدير القانونية الذي كان خفيراً يوم الخميس الماضي ، ورجلي أمن طلبا أن نلتحق بهما الى مركز شرطة المنصور الذي يقع على بعد خطوات .
في المركز أخذوا إفاداتنا وعوملنا بأدب وتهذيب ، لكني لاحظت أن مدير القانونية تلبسته حالة عسكرية ، فكان يقف باستقامة ، ويضرب كعبيه عندما يُستدعى ، حتى أن المحقق أدار رأسه مبتسما من هذا السلوك الجنوني . عدنا الى المؤسسة سالمين . أملت أن ينتهي الأمر عند هذا الحد .
بعد نصف ساعة عاد ضابط أمن المؤسسة وقد بات شبيها بالأفعى ، يتموج جسده ويتكلم بخفوت. “يطلبونكم في غرفتي ” . فهمت أن من يطلبنا جهة ارستقراطية بدليل سلوك ضابط الأمن . وأنا أصعد الدرجات ، تناولت حبتي فاليوم 5 ساحقا مراراتها بأسناني. لقد بدأ الجد والخبال . رأيت نفس الأشخاص المنكوبين مع اثنين ممن يرتدون البدلات السفاري الأنيقة . نزلنا الى الشارع معا . التفت أحدهم الينا قائلا من منكم لديه سيارة ، انبرى مدير القانونية ، واقفا باستقامة ضاربا كعبيه . ازداد معيار جنونه ، أما الجايجي فكان مستسلما للقدر ، وكنت أسبّح بسبحة ذات 99 حبة وشاهول بلا كراكيش ، منتشياً ، هادئاً ، حكيماً. كنت أعرف ما يجري كأنني أمثل دوراً حفظته .
رجل المخابرات وجّه كلامه الى مدير القانونية : قد سيارتك خلفنا !ّ . انتابت هذا رجفة صوفية وضرب كعبيه وقال حاضر!
قدنا باتجاه القصر الجمهوري ، مرورا بالقيادة القومية . كنت أجلس في المقعد الأمامي و”ابو القانونية” يقود ، والجايجي الذي أصابه الاضطراب جلس في الخلف واحتل وسط المقعد ماداً رأسه بيني وبين السائق . كان يحتمي بنا هذا الكادح . عندما صعدنا على الجسر المعلق ، خلف سيارة المخابرات ، أرعبنا ابو القانونية قائلا ” أويلي سوف يأخذوننا الى المكتب السوري!” . التفتّ اليه ورأيت شاربي الجايجي الطويلين يرتجفان .
لا أنا ولا الجايجي نعرف مكان المكتب السوري أو سمعنا به..
دخلنا الى مبنى عادي يبدأ من كراج مكشوف ، صعدنا الى الطابق الثاني ، ووجدنا أنفسنا في صالة صغيرة ، فهمت بعد دقائق أنها المكتب الخاص لناطق شاكر ، الأخ الأصغر لسعدون شاكر مدير عام المخابرات . وكان ناطق قد حضر وهو يرتدي تراكسوتا رياضيا ويضع على كتفيه منشفة متحدثا الى مدير مكتبه وغادر . جلسنا في الصالة وكان واضحا أن مدير القانونية بات مهووسا بإضفاء الروح العسكرية والاستعداد بضرب الكعبين لأي شخص يستدعيه ويتحدث معه . بات مرؤوسا من قبل جميع العاملين متخلياً عن وقاره. على عكسه كنت باردا هادئا أسقط حبات سبحتي كأنني أصنع آلة جديدة لقياس الزمن . في تلك اللحظات تخيلت نفسي أقص هذه الأحداث لصديقي رياض قاسم ، سيموت من الضحك ، ولسوف يقص هذه الحكاية بطريقته الخاصة لآخرين ، ولسوف لن أستطيع أن أمنع مبالغاته ، ثم أقبلها بالتكرار لتصبح قصتي أنا نفسي .
استدعونا فرادى في غرفة مؤثثا تأثيثا جيدا ، قدرت أنها مكتب ناطق شاكر الشخصي ، وأخذوا منا إفاداتنا. استدعوني مرتين ، وفي المرة الثانية أرادوا معرفة إن كانت إفادة الجايجي صحيحة ، وقد أكدتها .
انتهى التحقيق وطلب منا مدير المكتب الرحيل . وهنا حدثت مفاجأة لا تصدق ، فقد امتنع صاحبنا مدير القانونية عن المغادرة إذا لم يصحبنا شخص الى الخارج . سحب مدير المكتب رأسه وصدره الى الخلف مستغربا وسأله : لماذا؟
شعر مدير القانونية بالإحراج ، فلم يحر جواباً واضحاً ، لكنه أصر على وجود شخص معنا يوصلنا الى الكراج ، قائلا بتخبط إنه لم ينتبه الى السلّم . كان يقف كجندي أمام ضابط . تأمله مدير المكتب ، ثم ندّت منه ابتسامة ونفخ نفخة فروغ صبر ، وصاح على أحدهم طالبا توصيلنا الى الكراج.
في الطريق الى مؤسسة الطيران عالجت الحرية حالتنا النفسية المتدهورة ، ورحنا نتطلع الى الفضاء كأننا افتقدناه منذ سنوات . قلت ضاحكاّ لمدير القانونية الذي لم أحفظ اسمه للاسف : قل لي لطفا لماذا طلبت أن يوصلنا أحدهم الى الكراج ؟ التفت نحوي التفاتة حادة ، ثم عاد منتبها الى الطريق . سألني بطريقة من يقول إنني أسأل سؤالا ساذجاً : هل لاحظت السلّم؟. الحقيقة كان سلماً ضيقاً بعض الشيء ، وأظن كان هناك طابق وسطي صغير. أجبته : لا لم ألاحظ ! قال مفسرا : ماذا لو صادف وجود أحدهم على السلم لا يعرفنا وسألنا من أنتم ؟ سنجد أنفسنا عندها في غرفة أخرى ، وقد نضيع!
صمت ثم نظر نظرة عميقة وتأملية الى عمق الشارع وقال كأنه يخاطب شخصاً آخر : هكذا هي الحياة !
بالرغم من سلوكه الجنوني ، لكن ما قاله مثّل عندي بياناً صادقاً عن الخوف من إمكانية حدوث مصادفات كارثية على بضع درجات سلّم!
عقلي المخدّر فكر : سلّم ، على السلّم ، وأنت تنزل ، تحتاج الى رجل مخابرات يدلك إلى الطريق !
– يتبع –