الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 07:50 مساءً
دفاتر
الأثنين: 24 يونيو، 2019

سهيل سامي نادر 

طائر غريب في المؤسسة العامة للطيران المدني  !

أضافت حادثة الخفارة الى سمعتي كمظلوم سوء الحظ . أن أكون مظلوما وسيء الحظ ، جعلني أحظى باهتمام الآخرين وتعاطفهم ، ولا سيما من المدراء التقنيين غير السياسيين أو غير المسيسين بعد . كنت اؤدي عملي بصمت ، وعندما أتكلم لا أكون جاداً في الغالب ، ومن ثم بت خفيفاً ، سهل المعشر أستدعى حتى لاجتماعات مهمة لتسجيل المحاضر. 

في أحد الأيام كنت أسجل محضر أحد الاجتماعات الخاصة بتأهيل مكاتب الخطوط الجوية العراقية الخارجية ، وتدريب كادرها ، وجرى الحديث عن مؤهلات مدراء المكاتب . كانت هناك مناطق عمياء في تناول الموضوع سببها سياسي ، فمثلما جرى تبعيث الإعلام وضعت هنا خطط لزيادة أعداد البعثيين في المواقع التي تعتبر حساسة ، فضلا عن تدخل جهات أمنية.  في هذا الاجتماع لم تقل هذه الحقائق بوضوح ، لأنها أصلا غير واضحة ولا متساوية عند الجميع . كان يجب الحفاظ على ميزان متمرجح : شيء من هنا وشيء من هناك ، وإجراء توليفة ترضي مقاييس التقنيين والقانونيين والمنظمات الدولية مثل “أياتا” التي ترعى قوانين الملاحة الجوية والاتفاقات الخاصة بها . كان هناك نزاع خفي ودورانات وعدم وضوح أنهيته بتدخلي الغريب الذي حظي بصمت وانتباه . قلت : أنا أحد المؤهلين لمنصب مدير مكتب . سألني أحدهم بجد : كيف ؟ أجبت بنفس الجد : أنا يتيم وعندي انزلاق غضروفي ! . 

سمعت كركرات ، وأدرك أحدهم ممن يمتلك حس المرح أنني تدخلت لأنهي مشكلة حلها يستدعي حسما في مكان آخر . سألني ضاحكاً : وبس؟ أجبته : هذه أحسن مؤهلاتي ! ضحك الجميع وأدركوا أنني امتلك لا جاذبية المظلوم سيء الحظ حسب ، بل وروح الشيطان كذلك! 

لكن لم يطل الأمر كثيرا حتى أعادوني مظلوما بالثلاثة .. مثل رميات الطلاق ! 

ففي أحد الأيام دعتني زميلة بالقسم الى أن القي نظرة على خبر منشور بجريدة وأقرر إن كان يستحق أن نحتفظ به . فتحت على منضدتها الجريدة وراحت تنتظر استجابتي. قمت من مكاني وانحنيت قليلا على المنضدة قبالتها لأقرأ الخبر . كان باب القسم  خلف ظهري تماما ، وكانت المديرة ماجدة مجازة ، وحل محلها ، جالساً في غرفتها الملحقة ، شاب معظماوي كان صائماً ، فقد كنا في شهر رمضان. 

 تركيزي كله انصب في تلك اللحظة على مساحة الجريدة التي رحت أقرأ فيها خبرا علُّم بعلامة ضرب . فجأة شعرت بحركة قيام مضطرب من الكراسي ، والزميلة التي كنت أواجهها وقفت كأنها رأت ملك الموت ، ثم سمعت صوتاً خلفي يصيح : حقير! كلب !. 

التفتّ فإذا بوزير المواصلات سعدون غيدان يتجه نحوي بقوة  ، بجسم نحيل ، ووجه أصفر منفعل ، ثم رفع ساقه اليمنى محاولا ضربي “جلاق” أفلت منه. وقفت مكهرباً أمامه . لم أستوعب الموقف بعد ، ولم توافني أي علامة لتعليل ما حدث . كان اللامعقول يعمل بشدة ، أغلق منافذ الحسّ كلها وعقد اللسان. 

صرخ بي أن اقف على جهة . لم أفهم . صرخ أن أقف جانبا مع إشارة متوترة من يده . لم أفهم ثانية، بالاحرى كنت مأخوذا ، لكن حركة الوضعية ما بيننا اتخذت تلقائيا ما أراد . تحركت الى الجانب مبتعدا عن اشعاعه المليء بالتوتر والعنف غير المفهوم . ثم صرخ بي أن لا أتحرك من مكاني ، كررها وهو يرتجف من الغيض . 

راحت الغرفة تميد بي . امتلأت خجلا أكثر من الرعب . لم أعد أراه أمامي بل أسمع احتدامه ودمدمته . في هذه الأثناء وصل مدير الإدارة وعدد من المسؤولين ، فأمرهم بهياج : ينقل الى النقل النهري.. الآن! 

خرج من القسم وأخذ معه الآخرين . 

لا أحد عرف حقيقة ما حدث ، لا زملائي ، ولا مديري بالنيابة الذي فتح باب الغرفة الملحقة وهو يدخن بيد مرتجفة ، إذ أبطل هذا الحادث صيامه . 

ثمت غرفة أخرى ملحقة دخلتها ورحت أدخن . اذناي حمراوان محترقتان . كنت بين الغضب والحزن والشعور بظلم ليس من شخص بعينه ، بل من غمامة متجمدة محلقة فوق رأسي أشبه بغمامة فائق حسين الحجرية . لم يعد الوزير شخصا ، بل غمامة متحجرة ، نصل حاد ، عين غريبة تشع كراهية. 

دخلت زميلتي نجاة وقالت تواسيني : لقد طبعوا كتاب نقلك الى النقل النهري ، أرجوك لا تهتم . فكرت : انتهت حياتي الجوية وبدأت النهرية . قلت لها : لا بأس ، نهري بحري جوي .. لكن أريد أن اعرف ما الذي فعلت؟ قالت ستعرف ! 

لكن ما الذي سأعرفه عن لحظة جنونية لا تعريف آخر لها . لقد جرى عرض قوة غير مفهوم في مكتب إداري. أنا خريج علم اجتماع وقرأت شيئا من ماكس فيبر عن الإدارة : المكتبية الإدارية والعقلانية صنوان يعملان معا . لا مكان للجنون في أعمال الدولة . الجنون يسوّر في مكان معزول . لكن هاهي سلطة تتخذ طابعا شخصيا ، لتقوم بعرض جنوني يتخذ صفة الكارزما في بلد تستحصل فيه الكارزما من مروحة السلطة وقوتها الاستثنائية وتقاليد البطرياركيات التقليدية: الظهور بمظهر القوة ، الصرامة التي لا تستسلم للتعاطف الا باسم الكرم والهبة ، النزعة الارادية والذاتية.  

بعد أربع سنوات من هذا الحادث قرأت أبحاثا عن دور الكارزما في بناء الدولة والمجتمع العراقيين كتبها باحثون عراقيون . كان المقصود كارزما الرئيس القائد . لقد قرأوا ماكس فيبر في سياق تأويلي شكلي ، قافزين على الزمن . فالكارزما لا يعتمد على القانون بل على حضوره الطاغي وتجسيد السلطة في شخصه والظهور بمظهر الملهم . تلك هي أفضل أوصافه ، فكأنهم يمنحون التفرد بالقرارات تبريرا ، وكأنهم يمنحون لهذا التفرد حالة صوفية . كانت تلك الابحاث في المعايير العلمية تسيء الى أصحابها ، وقبلها تسيء الى شخص الرئيس نفسه.  فنحن في عصر المؤسسات بالقوة . لكن الرئيس نفسه كان يعيد إنتاج فكرته عن نفسه مغذيا صورة السلطة المتجسدة بشخصية الكارزما . كلامه قانون . بل القانون نفسه . إنه اللوغوس الآمر. لقد رجعنا الى زمن الأنبياء لكن بلا حكمتهم ، بلا روح ! 

في أوائل عام 1979 كنت أمام كارزما سعدون غيدان .   أمام فكرة وليس أمام شخص. أمام رد فعل بلا فعل. 

بعد ساعة من الصمت جاء مدير الإدارة وقال : السيد الوزير يريدك ! 

وكان هناك يجلس على كرسي رئيس المؤسسة الجديد حسين حياوي حماش الذي كان غائباً . ويبدو أنه كان يجتمع بالمدراء العامين الرئيسيين الذين توزعوا مقاعد المكتب فيما كان مدير مطار بغداد الدولي (.. الديري) في وضع غريب ، فهو يقف الى جانب كرسيه ، الى الخلف قليلا . شعرت أنني في فلم كابوسي بطيء الحركة . 

بادرني الوزير بسؤال غير معقول : لم لم تقل انك موظف في العلاقات والإعلام ؟ 

كانت هناك قطعة على الباب التي دخل منها تشير الى ذلك. فتحت فمي لكي أتكلم فأشر لي الديري بيده أن أصمت . خرجت تأتأة مني تاهت في الصمت المتحلق . 

قال الوزير : كنت تقف وتقص الخبر وليس هذه هي الطريقة الصحيحة . 

أردت أن أوضح إلا أن الديري أشّر لي بأصابعه الا أفعل . 

قال الوزير : كان يمكنك الجلوس كما أنا جالس (ودفع صدره الى امام وحرك كفيه على ذراعي الكرسي) وتفتح الجريدة هكذا (وفتح جريدة كانت أمامه ) ثم تقص الخبر (وراح يمسك بمقص خيالي وراح يقصّ) . هكذا تكون بوضع صحيح ! 

مرة ثالثة أسكتني الديري . لم انبس بكلمة . ممنوع التوضيح . كان وصف الوزير للموقف غير صحيح ، وحتى لو كان صحيحا فهذا لا يستدعي غضبه .  

قال الوزير : اذهب الآن الى عملك . ألغي أمر نقلك ! 

خرجت وأنا أدير استنتاجات واحدة تلغي الأخرى . كان من الواضح أن أحدهم أقنع الوزير أنني “خطية” ، ولا أستحق ما جرى لي ، وأنني كنت أمارس عملي . أظنه مدير مطار بغداد الدولي الذي كان يحرس فمي .. (الديري .. نسيت اسمه الاول للاسف). ولعله أراد حمايتي من رجل لا تحزر ردود أفعاله ، خريج المدرسة العسكرية ، المتفضل على انقلاب 17 تموز 1968 بخيانة رئيسه. 

بعد أيام تلقيت تفسيرا يتصف بالجرأة من مدير قسم الاتفاقيات الدولية ، وهو خبير بالقوانين والاتفاقيات الدولية الخاصة بالطيران المدني ، لقبه الجصاني (نسيت اسمه الأول) . قال : صاحبنا أراد أن يرى مديرتك الجميلة ، ولأنه لم يجدها ألقى غضبه عليك!. 

بعد شهر كنت بزيارة عمل لمكتبه فنبهني قائلا : سهيل نزلت عليك مصيبتان .. احذر من الثالثة!

كنت في تلك الفترة اتداول فكرة السفر الى الكويت مع صديقي رياض قاسم . أخبرته بنيتي فقال حسنا تفعل .  اتصل بي قبل أن ترحل! 

———  

ليس الختام .. ففي الكويت يواجه المرء ما هرب منه !