الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 07:46 مساءً
دفاتر
السبت: 22 يونيو، 2019

سهيل سامي نادر

كان قرار مجلس قيادة الثورة الذي صدر بحقي وعدد من الزملاء بنقلنا من جريدة الجمهورية وتوزيعنا على مواقع إدارية في وزارات خدمية ، جزءا من حملة تبعيث الإعلام . هناك روايتان لتفسير هذا الحدث ، الأولى تقول أن هناك مؤامرة قادها حسن علوي ضد المرحوم سعد قاسم حمودي شملتنا ، والثانية تتحدث عن رفع تقارير أمنية ومن جماعات بعثية الى القيادة السياسية تشير الى وجود بؤرة شيوعية او ليبرالية في جريدة الجمهورية . الروايتان ممكنتان ، الا أن التطورات السياسية التالية أكدت أن القرار جزء من حملة شاملة ، وأدوار بعض الأشخاص فيها ، مثل حسن العلوي وغيرهم نسيت اسمائهم ، لا تعني الكثير . الدليل أن لجنة حزبية هي من جمعت المعلومات وقدمت توصياتها الى صدام حسين شخصيا ، والأخير وافق على التوصيات ، وصدر القرار من مجلس قيادة الثورة حاملا توقيع أحمد حسن البكر.
إن التطورات السياسية اللاحقة التي شملت تصفية الشيوعيين وفرار قادتهم تؤكد أن الحملة ذات أبعاد سياسية وعقائدية .
الحقيقة أنني حدست ما يجري ، بالأحرى كنت أراقب ، فأنا المعتاد على اليأس ، لم تشغلني عن نفسي الآمال والمرويات السياسية. ثمة عرس انتهى . ويمكن قراءة وجوه السعداء أسرع من وجوه المنكوبين .
قبل شهرين من صدور القرار طلب مني حسن علوي أن أنقل نفسي الى الف باء التي كان يرأس تحريرها ، مؤكدا أنه سوف يدللني بدلا من سعد قاسم حمودي الذي وصفه بالبخيل . الا انني رفضت ، ليس لأني راض عن عملي مع صديقي محمد كامل عارف ومكتف به حسب، بل ولأني لا أحب التنقل وتتعبني أعمال التكيف لعمل جديد أيضا.
كنت لاحظت في الأسابيع القليلة ما قبل القرار أن البعثيين الشباب باتوا (يروشون) في ممرات مبنى دار الجماهير ، فهمت أن شيئا ما سيحدث (لنا) . قلت هذا لصديقي مسؤول صفحة آفاق وبالحرف : أعتقد يا محمد سوف يطلعونا من الصحافة ! سألني ما دليلك ؟ كنت أقف أمام باب غرفتنا الموارب ، فتحته على مصراعيه ، وقلت : الا ترى ؟!.
لا اظنه رأى ما كنت أراه ، ولا أظنه يتذكر ما أتذكره الآن!
قبل شهر من صدور القرار أرسل بطلبي السيد حميد سعيد الذي بات رئيس التحرير بدلا من سعد قاسم حمودي مهيئا لي مفاجأة وهي سفرة الى يوغسلافيا لمدة اسبوعين . ولأني لا أحب السفر ، ولا سيما وحدي ، اعتذرت . استغرب مني هذا الرفض بعد أن عرف أنني لم اتمتع بأي إجازة منذ سنوات ، وألح عليّ قبولها ، فقبلت تحت ضغطه . لكن قرار مجلس قيادة الثورة سبق تاريخ السفرة وانتهى الامر .
هل كان حميد سعيد يعلم؟ لا أظن . حتى لو كان يعلم بوجود تغييرات في “الجمهورية” لا أظنه يعرف التفاصيل . عندما صدر القرار لم يخف تذمره منه أمامي ، وحاول مساعدتي لارجاعي للعمل الصحفي من دون جدوى . والحال أحرجتني محاولته التي كنت متأكدا من فشلها . كنت أرى أنه بصرف النظر عن إرادته الطيبة ، كان من السهل لعقائدي مرتبط بتنظيم صارم مثله أن تعميه الألفة والاستمتاع بالسلطة ، ومن ثم يفاجأ بحدث كان يجري قريبا منه . إن منحي الأمل وقبوله كان أشبه باقتراف خيانة بحق نفسي . الهرب أجدى وأشرف. صنعت مخاوفي المتعالقة بتجربتي ومعرفتي بالسياسة المحلية ممرا بين الادراكات والحدوس المتراكبة التي لا تخطئ الا في بعض التفاصيل . بالنسبة لعقائدي غارق كنت خارجياً بطريقة كاملة منتبهاً للوضعية السياسية ولما يدور حولي.
كنت أسرع شخص ينهي معاملة انفكاكه من دار الجماهير ويسجل مباشرته في وزارة المواصلات أيام كان سعدون غيدان وزيرها . هناك باشرت مع الصديق منير رزوق المنقول معي في قسم العلاقات والاعلام للوزارة ، ووجدت أن العاملين في القسم كانوا غاية في التعاون واللطف ، بينهم المغدور موحان الظاهر ، وشخص اسمه عبد الحسين ، وآخر لقبه الياسري . كانوا يحتاجون لمنير في القسم لأنه محرر اخبار محترف وكاتب عمود سياسي ، أما انا فاحتاروا بأمري ، وعندما أخبروني بوجود مكان شاغر في المؤسسة العامة للطيران المدني وخيروني ، طلبت نقلي الى هناك دون أن امتلك اي فكرة عن عمل هذه المؤسسة . لعلي فكرت بأنني عديم الجذور أصلح للطيران . كنت أتوجس خيفة من قادم الأيام مراهنا على حضارة الطيران الممثلة بالمضيفات الجميلات!
والحال أن الاثنين ، رهاني ومخاوفي ، تجسدا . فقد عملت تحت امرة مديرة العلاقات والاعلام السيدة ماجدة عبد المجيد محمود ، ابنة وزير الاعمار في العهد الملكي ، بوجهها الجميل وأناقتها المثيرة . أما مخاوفي فقد تجسدت بقصتين غريبتين أكملت صفتي كطائر غريب حطّ في مكان لا يعود اليه.
الحقيقة كنت محظوظا باثنين ، ماجدة وعبد الكريم الندا رئيس المؤسسة . كان الاخير مهذبا جدا ، وعاملني باحترام وثقة ، ولست أدري سر هذا التعامل وهو يعرف انني كنت من المغضوب عليهم ، وهو التكريتي قريب صدام حسين . لعله لاحظ مطالعاتي وتقاريري المكتوبة بلغة رشيقة ، إذ كان كثيرا ما يستدعيني ، خارج الترتيبات الادارية ، ومن دون علم مديرتي ، ويريني بعض الكتب والتقارير ويطلب رأيي بها . استدعاني مرة وتحدث معي كأنه يناجي نفسه متحدثا عنها قائلا إنه موظف قديم ، نزيه ، حاصل على كتب شكر عن الاعمال التي مارسها ، وهو الآن يريد ان يستريح . سألته : هل تريد أن تتقاعد ؟ قال نعم وأريدك أن تكتب للقيادة هذا الطلب ، وأرجو أن لا تخبر أحدا .
كتبت طلب التقاعد وسلمته له بعد يوم واحد . شعر بالرضا وشكرني . بعد أسابيع أرسل بطلبي ، وبعد أن مدح أسلوبي المقنع ، قال انتهى الامر إذ جرت الموافقة على إحالتي للتقاعد دون مساءلات وعراقيل. هنأته واستدرت للعودة الى مكتبي ، الا انه استوقفني ، وطلب أن أقدم له خدمة أخيرة ، وهي أن اكتب ما سماه برسالة “وداعية” ذات مضمون عاطفي لموظفي المؤسسة ، شاكرا تعاونهم معه . وبسبب تعاطفي كتبت “وداعية” فيها الوان من أدب الوداع والحث على العمل والتعاون . طبعت الوداعية بالرونيو ووزعتها الإدارة على جميع اقسام المؤسسة ، كما وزعت في أقسام الخطوط الجوية العراقية .
الجميع عرف أنني الكاتب ، ورحت أتلقى نظرات الاعجاب والابتسامات . لكن في الخطوط الجوية العراقية التي كان مديرها العام هاشم حسن المجيد ، وهو شخص سيء بلا كفاءة ، انضافت هذه الرسالة الى عشرات الكتب التي حررتها وتضم شكاوى المواطنين من الخطوط . كان المجيد يتضايق من هذه الرسائل ، كما كان يكره السيدة ماجدة ، فطرح مشروع نقل هذا “البلبل” حسب تعبيره الى علاقات وإعلام الخطوط . المشروع لم يتحقق ، وأظن بسبب سمعتي كشيوعي مطرود من الصحافة ، والخطوط الجوية مكان أمني لا يقبل الخطرين .
كلفت من قبل المؤسسة أن اكتب سيناريو لفلم عن الخطوط الجوية العراقية بعد ان استوردت مدربات أرضية ، الامر الذي اضطرني الى زيارة المكتب الخاص لمديرها العام المجيد . من مدخل الباب صاح سكرتيره الشخصي : انتباه .. جاء سهيل سامي نادر . اربكني هذا ، تلكأت بالدخول ، فقال بصوت مرتفع : سيعجب كيف أعرف اسمه الكامل ، فماذا سيقول إذا عرف أنني اعرف أنه شيوعي أيضا . كان يضحك ويؤشر لي أن ادخل ، وكنت مصدوما ، ضائعا في مكان واسع أنيق ضم عددا من الضيوف . وصلت اليه فقام وصافحني بحرارة قائلا لا تخف كنت أمزح ، طلب مني ان اجلس وأوصى لي على شاي ، ثم قال أن المدير العام وافق على التصوير لكن عليك أن تتقيد أمنيا . ممنوع تصوير الطائرات الجاثمة ، المدربات الارضية فقط . كان يبتسم في وجهي بود وكأنه يقول أنه يعرفني من زمن بعيد ، لكني لم اعرفه حقا . كانت رجفة دخولي عليه ما زالت في جسدي . حتى هذه الساعة أفكر به ، وبسلوكه الغريب . نسيت وجهه ولم أنس الحادث.
رغم علاقتي الجيدة بماجدة لكن لا اتذكر كيف استبدلت بمدير آخر هو سعد الملا . الحقيقة لا اتذكر إن كانت استبدلت أو أخذت اجازة أمومة أو أقيلت أو استقالت . من الغريب أنني لا اتذكر شيئا سوى أنها اختفت من المؤسسة ليس الا. والحال كنت أتوقع أن امرأة مثلها جميلة وقوية وطموحة سوف تتعثر بقدم متعمد . كان الجميع في المؤسسة منقسم بشأنها ، إما يكرهها أو يحبها ، إما يغازلها الرجال أو يغتابونها. كانت من هذا الصنف من النساء الذي يحب النجاح ويتمسك به ، عارفة أن عليها أن تكون وقحة وشرسة لكي تبدو قوية ومسنودة . جميلة وتعرف انها جميلة ، لكنها لا تريد أن تكون جميلة فقط ، بل ومزعجة ومشاغبة تقف دون وجل أمام ذكور الكثير منهم يحبون استعراض انتسابهم للحزب أو قرابتهم من المسؤولين الكبار من اجل الابتزاز . ماجدة الدائخة من نفسها ومن طموحها ، كانت تدخن ، وتشرب أحيانا ثمانية فناجين قهوة تقلبها كلها بانتظار قارءات مزعومات يقرأنها في فترات الاستراحة وما أكثرها . ثماني قراءات في اليوم تجعل ضغطها يرتفع وينخفض حسب الرضا والازعاج . كانت هذه العادة تسبب لها الصداع لكنها لم تتركها .
لم ار ماجدة الا بعد سنين . كنت اقود سيارتي في شارع الجمهورية في أواخر التسعينات من القرن الماضي ، ورأيتها تخرج نصف جسدها من شباك سيارة زوجها التي كانت تسير باتجاه آخر ، وتصيح باسمي وتؤشر ، ومددت يدي لها ملوحا ومودعاً.
ماجدة الجميلة الأنيقة القوية التي توقعت أن تتعثر بقدم متعمد أصيبت بنكبة ، فقد قتلت القاعدة زوجها قائمقام المحمودية ، واغتالت مليشيا شيعية أخاها الدكتور حارث استاذ علم النفس ، وهي فرت الى الاردن . سألت عنها هناك من دون أن احظى بجواب ، ولم التقها في شارع او معرض فني . في العام الماضي سألت عنها من يعرفها حق المعرفة ، فجاءني جواب خضني : ماتتّ!
– يتبع –