الثلاثاء: 2 يونيو، 2020 - 10 شوال 1441 - 02:07 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 17 فبراير، 2020

عمار السوّاد

كان غاضباً وهو يقول “ليت العراقيين تحركوا قبل تسعة أعوام، عندما ثار السوريون”. جمعتني المصادفة به. روائي سوري مقيم في لندن. أخذنا الحوار إلى شيّئين جمعا العراق وسوريا: البعث وداعش.

 

حاولت ألا أكون قاسياً معه وألا أخبره أن اللوم ليس طريقة المشتغل بالثقافة في مثل هذه الحالات، وإلا فالعراقيون انتفضوا عام 1991، وقُتلوا بصمت دون أن يسمع أحد صراخهم، بل استمرت الغالبية بالتصفيق لقاتلهم.

 

اكتفيت بالقول إن ما قاله رأي مستعجل ولا يستند إلى معرفة ولو عامة بمجريات العراق وتاريخه المعاصر. والحراك السوري، كما الليبي، كان ابن لحظة زمنية ومرحلة تاريخية مختلفة تماماً عما عليه العراق الآن، وربما لبنان.

من الدولة إلى القومية

بعيداً عن رؤية الدنيا والعالم بعين الأوطان الصغيرة، هناك صراعات متواصلة في الشرق الأوسط، وفي البلدان الناطقة باللغة العربية، بل وفي عموم العالم الإسلامي، خلقتها مرحلة ما بعد هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. تحوّلات عدة ومركزيات ظهرت واختفت ثم ظهرت مرة أخرى واختفت…

 

وفي البلدان العربية، خصوصاً الجمهورية منها، كانت هناك ثلاث مراحل رئيسية: الأولى مرحلة بناء دولة حديثة قامت بريطانيا، ومعها فرنسا، بتشييدها اعتماداً على نخب محلية أو إقليمية خلّفتها المرحلة العثمانية؛ والثانية المرحلة القومية المولودة من رحم رغبة العرب باستعادة حضارة كانت العربية لغتها، لكنها ظلت أسيرة لرؤية شخص جمال عبد الناصر ورغبة القاهرة في أن تكون بديلاً عن الآستانة؛ والثالثة مرحلة صحوة إسلامية، كان شخص غير عربي في بلد غير عربي عنواناً لها: روح الله الخميني في إيران.

 

ربما سبقت مصر الدول الأخرى في الخروج من المرحلة الثانية، أي القومية. أصبحت القاهرة، مع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، مشغولة بشؤونها الداخلية أكثر من انشغالها بقضية البعد القومي، وساد مشروع الأمة المصرية بدلاً من العربية. لكنّ تعقيدات الصراع مع الإسلاميين في الداخل، والمتغيرات اللاحقة في الشرق الأوسط أبقتها في منطقة هلامية بين القومية العربية والقومية المصرية حتى عام 2011.

العراق خارج العروبة

أظن أن الجزائر والسودان هما أولى البلدان خروجاً عن الثابت القومي القديم، باستقالة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد وصعود الإسلاميين وبدء الصراع بينهم وبين العسكر مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وبانقلاب عمر البشير المدعوم من الإخوان المسلمين في السودان.

 

حضر العراق في بواكير تلك التحوّلات، عندما هُزم الرئيس الأسبق صدام حسين في حرب الخليج الثانية، وأخرجته من الكويت قوّة قادتها الولايات المتحدة المصنّفة بالمعادية للعرب، ثم انتفض عليه أكثر العراقيين في فعل شعبي خارج رغبة العسكر وفعل الجيوش.

 

ولا أتردد في القول إن المخيال العربي العاشق لصدام، دون النظر إلى جرائره في بلده وما جر عليه من كوارث خارجية، والتي تناساها الجميع، كان مخيالاً خائفاً على خسارة القومية. ذاك المخيال الثقافي والنوستالجي العربي، بنخبه وشعوبه، جعل من الرئيس ذي الكاريزما المؤثرة الأمل الباقي الذي علقت فيه الذاكرة، وبنهايته، وُلد شعور واسع بأن نهاية “الحلم العربي” قد حلّت.

أخذ العراق بالابتعاد عن مخرجات ميشيل عفلق وساطع الحصري وعبد الناصر في عام 1991، مع التأكيد على أن القومية في هذا البلد ليست الأكثر قوة ووضوحاً، إذ كانت السورية والمصرية والجزائرية أقوى، فالشعب العراقي لديه تعقيدات خاصة وضعت في طريق العروبة كوابح.

“المخيال العربي العاشق لصدام حسين كان مخيالاً خائفاً على خسارة القومية العربية، ولذلك جعل من الرئيس ذي الكاريزما المؤثرة الأمل الباقي الذي علقت فيه الذاكرة”

ما بعد القومية

عام 2003، ظهرت أطروحات تتحدث عن الأمة العراقية لا العربية، وعن ضرورة الابتعاد عن القضية الفلسطينية من منظور قومي، وعن أهمية إنشاء تحالف كامل مع الولايات المتحدة، وعن العودة إلى ما قبل الحضارة العربية في بلاد ما بين النهرين، حيث السومرية والأكادية والبابلية والأشورية والكلدانية. بل ظهرت دعوات لا تقبل التأويل إلى عودة اليهود العراقيين واستعادة أملاكهم التي صادرتها الأنظمة المتعاقبة.

 

لهذا التحوّل جانبان: أحدهما أنه نهاية لمرحلة قومية طويلة، والآخر أنه بداية لصعود الإسلام السياسي، خصوصاً في نُسخته الشيعية.

بمعنى آخر، نجحت في فرض وجودها وإرادتها، صورُ الشيعية السياسية، وأيضاً النُسخ السنّية، بدءاً من الجهاديين ومروراً بورثة الإخوان المسلمين وانتهاء بالصورة البعثية الجديدة المشبعة بالمذهبية.

 

تغلبت الفئوية الدينية على محاولة خلق هوية وطنية لا تكتسب وجودها مِن محيط قومي أو عمق ديني. فالظروف، في العراق، لم تكن مواتية بعد لإنتاج الهوية الوطنية. وبهذا، تراجع زخم الأطروحات الوطنية المولودة بعد سقوط القومية العربية في العراق.

 

وعلى سبيل المثال، ما أن ضعفت القضية الفلسطينية، وفق المقياس الإيديولوجي القومي، حتى عادت من خلال منظار وريثه العقائدي الإيراني… ولم ينجح العراقيون بتقديم مقاربة وطنية خاصة تدافع عن الفلسطينيين في قضيتهم.

 

“أخذ العراق بالابتعاد عن مخرجات القومية العربية في عام 1991، مع التأكيد على أن القومية في هذا البلد ليست الأكثر قوة ووضوحاً، إذ كانت السورية والمصرية والجزائرية أقوى، فالشعب العراقي لديه تعقيدات خاصة وضعت في طريق العروبة كوابح”

استفادت الشيعية السياسية من إفرازات الظروف الجيوسياسية الظاهرة بعد 2003. الطائفية السنّية التي تبناها في البدء تنظيم القاعدة وما سمّي بالمقاومة “الشريفة”، وزخم

المحرومية الشيعية، وأخيراً تنظيم الدولة الإسلامية، والإعلام الإقليمي المدافع عن العنف بشرعية عروبية دون النظر إلى ضحاياه العراقيين، جميعاً كانت عناصر داعمة لاستمرار الحاكمين في حكمهم، رغم فشلهم الذريع. واستفادت السنّية السياسية من الوجود الإيراني والطائفية الشيعية في مجلس الحكم والميليشيات الكثيرة.

 

وسط هذا كان هناك حراك، يستحضر لحظة 2003 بكل قوة: حلم بناء دولة وهوية خاصة تعتمد المنطلقات الوطنية قبل الأممية أو القومية أو الإسلامية. وأظن أن شعار “بغداد لن تكون قندهار” في تظاهرات عام 2010، مثّل أهم بداية لاستعادة زخم مواجهة الإسلام السياسي انطلاقاً من مدينة بغداد المتخيلة.

انتفاضة ضد الولي الفقيه

هذه اللحظة شكّلت بالفعل شرارة التحرك ضد مخرجات ولاية الفقيه وعموم الإسلام السياسي بكل نسخه الصاعدة مع الصحوة. وكان شعار “باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية” في 2015 تطوراً في مواجهة جعل الإسلام غطاءً للخراب.

 

وحين نرى اليوم انتفاضة واسعة في مراكز الشيعية السياسية، ضد النفوذ الإيراني، فإن هذا يعني أمراً واحداً، هو أنّ مخرجات المشروع الديني الذي وصل إلى ذروته عام 1979، لم يعد مقبولاً لدى كثيرين من العراقيين. وهؤلاء الكثيرون ليسوا مجموعة من بقايا الأزمنة الفاشلة، وعلى رأسها النسخة القومية المعتاشة على سقطات الآخرين، بل ينتمون إلى وجود مختلف تماماً، تقوده شرائح لا صلة لها بإيديولوجيات الحكم القديمة، بل متصلة بأسئلة الهوية الوطنية والبحث عن الدولة العادلة.

 

وفي المقابل، تسعى الشيعية السياسية إلى استعادة الزخم مستفيدة من إثارة الرعب أولاً، أو تشويه سمعة المتظاهرين، أو باستخدام حصان طروادة، مقتدى الصدر، الذي استطاع عام 2015 امتصاص الزخم واحتواء الكثير من العلمانيين واستدراجهم إلى تحت عباءته. لكنه أخفق هذه المرة، فالمثقف التقليدي السهل الانقياد بتأويل المقاربات المتفذكلة، ليس هو قائد الحراك، بل نوع آخر من الشباب.

 

لذا حين شنّ الصدر هجومه على المتظاهرين، واستخدم أتباعه من ذوي القبعات الزرقاء، ظهر في الضد منه حشد من طلاب الجامعات، لم يتوقعه، بل لم يتوقعه الكثيرون. إنها تظاهرات محتشدة تسير في شوارع كبرى المدن المقدسة، وتحديداً كربلاء والنجف، فضلاً عن بغداد والناصرية وغيرهما.

 

والمثير للاهتمام في مجتمع غلبت عليه الذكورة، وكان الرجال سادة تظاهراته دائماً، أن فتياته انطلقن هذه المرة وهنّ يرتدين زيهن الذي يرتدينه في الجامعات، ويقفن في مقدمة الجمهور، بل يعلو هتافهن على هتاف زملائهن.

 

وأظن أن بروز المرأة في واجهة التحرك الطلابي، رغم تجريم الصدر الاختلاط في خيام الاعتصامات، في محاولة تشويه أخرى قام بها، يمثل لحظة حاسمة ليس على المستوى السياسي، بل على مستوى خلق قاعدة اجتماعية مختلفة تماماً عما هو معهود.

 

أهمية الانتفاضة العراقية ليست في أنها ستغير الأمور إلى الأحسن، هذا أمر موكول لمعطيات المستقبل، ولقدرة الحراك على أن يكون أقوى من المتاجرين والمتربصين به والباحثين عن مكانة، وعلّمتنا تواريخ الثورات الخشية من المستقبل، بل أهميتها في أنها تمثل السياق الطبيعي لإنهاء ثالث مراحل الإيديولوجية.

 

ورغم أن إيران سبقت العراق في حراكها غير الديني المناهض لولاية الفقيه عام 2009، والمعروف بالثورة الخضراء، إلا أن هناك تأثيرات عراقية على الاحتجاجات في بلاد كورش، خصوصاً تلك التي انفجرت إثر سقوط الطائرة الأوكرانية.

وأكثر من ذلك، إن المطلّع على حراك 2009، يذكر وجود مقاربات طالبت باستبدال نسخة الخميني من ولاية الفقيه بنسخة السيستاني من المرجعية، أي بنسخة لا تقود الدولة مباشرة واستبداداً، تمهيداً لبناء جمهورية بلا فقيه.