الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018 - 01 ربيع الثاني 1440 - 10:31 مساءً
دفاتر
الخميس: 29 نوفمبر، 2018

عواجل برس/بغداد

اعتقدت المجتمعات القديمة بتعدّد الآلهة والأرباب، وارتكزت إلى تفسيرٍ مريحٍ وبسيط، ملخّصه أن هناك إله مختصّ بالخير وإله آخر مختصّ بالشر.

ولكن مع ظهور الديانات التوحيدية بشكل عام، والإبراهيمية منها على وجه الخصوص، فإن السؤال بدا أكثر صعوبة وعسراً، لأن مصدر الشرّ قد أصبح محصوراً ما بين الإله الواحد من جهة، أو الإنسان نفسه من جهة أخرى.

من أين أتى الشر؟ كيف تعامل الإسلام مع هذا السؤال، وكيف جاءت الإجابات من كل فرقة مؤسَّسة على مبانيها العقائدية، ونظرتها لحرية الإنسان وعلاقته بالله والكون

في اليهودية، يبدو يهوه إلهاَ للخير والشرّ معاً، فهو في الكثير من الأحيان يرتكب أفعالاً شريرة من جرّاء اندفاعه أو تسرّعه، وفي أحيان أخرى يُبدي الندم على تلك الأفعال.

وفي المسيحية، فالله ليس مصدر الشرّ، ولكنه مع ذلك قد يسمح بالتضييق أو التشديد على الناس، كنوع من الإعداد للمجد السماوي الذي ينتظرهم، فالشرّ إذاً يأتي من الحرية التي يتصرّف بها الإنسان، ومن الشيطان الذي يظهر دائماً كمصدر للغواية. إلا أن الخوض في النقاش الذي أفرزته هذه الأسئلة في السياقين اليهودي والمسيحي يحتاج إلى بحث مستقل.

تختص هذه المقالة في تناول السؤال من منظور إسلامي، وتبحث في الإجابات التي قدمتها كل فرقة بالرجوع إلى مبانيها العقائدية، ونظرتها لحرية الإنسان وعلاقته بالله والكون.

المعتزلة: الله عادل لا يخلق الشرّ

في بدايات القرن الثاني للهجرة، ظهر اتجاه فكريّ جديد على الساحة الإسلامية، ذلك الاتجاه الذي عُرف معتنقوه بالمعتزلة، دعا للتعويل على العقل في فهم النصوص الدينية، ولما كانت مشكلة الشرّ هي أحدى أهمّ المشكلات العقلية، فإنها قد استحوذت على مساحة واسعة في الفكر المعتزلي.

بحسب ما يذكر الدكتور عبد الحكيم يوسف الخليفي في بحثه الموسوم “مشكلة الشرّ عند قدماء المعتزلة” فإن مفكّري المعتزلة اعتقدوا أن هناك نوعين من الشرّ، النوع الأول وهو الصادر عن أفعال الإنسان، ويمكن أن نسميه بالشرّ الخلقي، وتتعدّد أشكاله في الكفر والقتل والسرقة، وغير ذلك من الجرائم والمعاصي؛ أما النوع الثاني، فهو نوع لا دخل للإنسان فيه، كالأمراض والزلازل والمجاعات والبراكين، ويمكن أن نسمّيه بالشرّ الطبيعي.

فيما يخصّ النوع الأول، فإن المعتزلة قد اعتقدوا أن الله عادل بشكل مطلق، واستندوا في ذلك لما ذكر في سورة الكهف “ولا يظلم ربك أحداً” ولما ورد في سورة فصلت “وما ربك بظلّام للعبيد”، وأيضاً لما جاء في صحيح مسلم “يا عبادي أني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّماً، فلا تظالموا” وإلى غير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية.

من هنا فإن المعتزلة قد رفضوا بشكل قاطع الاعتقاد بأن الله مصدر للشرور، لأن الشرّ يتعارض مع العدل الإلهي، وقاموا بنسبة الشرّ إلى الإنسان نفسه، فالعبد عندهم هو المسؤول عمّا يقترفه من شرور، وتوافقت تلك النظرة مع إيمان المعتزلة بأن العبد هو الذي يخلق أفعاله، وأنه يُحاسب على تلك الأفعال، فيُثاب أو يُعاقب.

وينقل أبو الحسن الأشعري في كتابه “مقالات الإسلاميين”، قول واصل بن عطاء، وهو أحد الآباء المؤسّسين للفكر المعتزلي، “إن الباري حكيم عارف، لا يجوز أن يُضاف إليه شرّ ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر”.

كما ينقل الأشعري في كتابه إجماع المعتزلة على “أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه مُريداً للمعاصي على وجه من الوجوه أن يكون موجوداً”.

أما بالنسبة للشرور الطبيعية، فإن المعتزلة قد نفوا كونها شروراً حقيقية، وقال بعضهم ومنهم أبو علي الجُبائي، أنها شرور مجازية، بسبب أن تلك الشرور عندما تصيب العبد فإن الله يجازيه عنها في الآخرة، فيعوض المتضرّر عن الضرر الذي لحق به، ومن هنا يبرز مفهوم الابتلاء عند المعتزلة كحلقة واصلة بين الشرّ من جهة والخير من جهة أخرى.

شاركغرديعتقد المعتزلة أن الله عادل بشكل مطلق، واستندوا في ذلك لما ذكر في سورة الكهف “ولا يظلم ربك أحداً” ولما ورد في سورة فصلت “وما ربك بظلّام للعبيد”، ومن هنا يرفضون بشكل قاطع الاعتقاد بأن الله مصدر للشرور

شاركغرداستشهد السنة بما جاء في سورة الصافات “والله خلقكم وما تعملون”، وما ورد في سورة فاطر “هل من خالق غير الله”، وبنوا على فهمهم لتلك الآيات اعتقادهم الراسخ بأن الله تعالى هو الخالق الوحيد، وأنه يخلق الشرّ كما يخلق الخير

أهل السنّة: الله يخلق الخير والشر معاً، والإنسان يُحاسب على الكسب

في مقابل الاتجاه المعتزلي، ظهر اتجاه أهل السنّة والجماعة، الذي ضمّ الجمهور الأعظم من العلماء والمتكلمين والأصوليين المسلمين على مدار القرون المتعاقبة، من الذين رفضوا الاعتماد على العقل وحده، فقالوا بالتحسين والتقبيح الشرعيين، بمعنى أن تمييز الخير والشر يحتاج للرجوع للشريعة وأن العقل لا يستطيع أن يستقلّ بتحمل أعباء تلك المهمة.

من هنا فإن أهل السنّة قد اعتمدوا على الأخذ بالقرآن والحديث الشريف، فاستشهدوا بما جاء في سورة الصافات “والله خلقكم وما تعملون”، وما ورد في سورة فاطر “هل من خالق غير الله”، وبنوا على فهمهم المباشر لتلك الآيات اعتقادهم الراسخ بأن الله تعالى هو الخالق الوحيد، وأنه يخلق الشرّ كما يخلق الخير، بل إن أفعال العباد حتى ما هي إلا مخلوقات للذات العليا، وفي ذلك المعنى يقول عبد القاهر البغدادي، في كتابه “الفًرقٌ بين الفِرَق”، “… إن الله سبحانه خالق الأجسام والأعراض خيرها وشرها…”.

ولما كان هذا الاعتقاد يقترب بشكل كبير من الجبرية الخالصة، التي يُلصق أصحابها جميع الأفعال البشرية بالله دون الإنسان، ما يُثير الشكوك والتساؤلات حول عدليّة التكليف الإلهي والحكمة من الخلق، فإن الأشاعرة، وهم الفصيل السنّي الذي اهتمّ بعلم الكلام، قد أضافوا إلى نظريتهم مصطلح جديد وهو “الكسب”، حيث اقتبسوه مما ورد في سورة البقرة “تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون”.

والكسب بحسب ما عرّفه أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين هو “أن يكون الفعل بقدرة محدثه”، والتي يقصد بها هنا قدرة العبد، بمعنى أن تتداخل قدرة الإنسان مع قدرة الله وتظهر القدرتان مع بعضهما البعض في الفعل نفسه، فالكسب هو الأمر الذي يُثاب عليه العبد أو يُعاقب.

في كتابه “العقيدة النظامية” يعمل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، على شرح مفهوم الكسب بمثال مبسّط، فيقول لو افترضنا أن هناك سيّداً يمتلك عبداً، فإن العبد لا يستطيع أن يتصرّف في مال السيد، فإن أَذِنَ السيّد للعبد بأن يتصرّف في هذا المال، لتحقّق فعل التصرّف، ولكن التصرّف هنا يُعزى إلى السيّد وليس إلى العبد، لأنه لولا إذنه لما وقع الفعل، ولكن مع ذلك فالعبد يؤمر بالتصرّف ويُنهى عنه ويُوبَّخ عن المخالفة ويُثاب على الطاعة. 

وإذا كان الأشاعرة من أهل السنة، قد التمسوا في مفهوم الكسب، وسيطاً مبرراً للربط بين الاعتقاد بكون الله هو الخالق الوحيد من جهة، والقول بأن الإنسان مسؤول بشكل ما عمّا يقترفه من معاصي وشرور، فإن ذلك المفهوم قد بقي دائماً محصوراً داخل نطاق الدائرة الأشعرية، ولم يستطع أن يلقَ قبولاً عند الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة، ومنهم أهل الحديث الذين عملوا على حلّ معضلة الشرّ بطرق أخرى.

من هؤلاء ابن تيميّة، الذي فرّق بين مشيئة العبد وقدرة الله، حيث ورد في مجموع فتاويه أنه قد سُئل في تلك المسألة، فردّ على السائل قائلاً”مشيئة العبد للخير والشرّ موجودة، فإن العبد له مشيئة للخير والشر، وله قدرة على هذا وهذا‏،‏ وهو العامل لهذا وهذا، والله خالق ذلك كلّه وربّه ومليكه؛ لا خالق غيره؛ ولا ربّ سواه؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‏،‏ وقد أثبت الله المشيئتين، مشيئة الرب ومشيئة العبد؛ وبيّن أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الربّ في الآية “إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً‏.، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً”.‏

البعض من علماء أهل السنّة مالوا إلى تأويل المسألة من خلال تقديم تعريفات مختلفة لمعنى الشرّ نفسه، ومنهم ابن القيم الجوزية، في كتابه “شفاء العليل”، حيث يقول”وهو -سبحانه- خالقُ الخير والشرِّ، فالشرُّ في بعض مخلوقاته لا في خَلْقه وفِعْله، وخَلْقُه وفعلُه وقضاؤه وقَدَرُه خيرٌ كلُّه؛ ولهذا تَنَزَّه -سبحانه- عن الظلم الذي حقيقتُه وضعُ الشيء في غيرِ موضعه، فلا يضع الأشياءَ إلَّا في مواضعها اللائقة بها وذلك خيرٌ كُلُّه، والشرُّ: وضعُ الشيء في غيرِ محلِّه؛ فإذا وُضِع في محلِّه لم يكن شرًّا؛ فعُلِم أنَّ الشرَّ ليس إليه”.

أما العالم الشامي ابن أبي العزّ الحنفي، فيرفض أن يكون الشرّ قائماً في الحياة بشكل ذاتي، بل يراه نتيجة لغياب الخير ليس أكثر، ويظهر ذلك في شرحه للعقيدة الطحاوية “فاعْلَمْ أنَّ الشرَّ كُلَّه يرجع إلى العدم، أعني عدمَ الخير وأسبابِه المُفْضِية إليه، وهو مِنْ هذه الجهة شرٌّ، وأمَّا مِنْ جهةِ وجوده المحضِ فلا شرَّ فيه…”.

ومن الملاحظ أن الكثير من علماء أهل السنة، رغم اعترافهم وإقرارهم بأن الله هو خالق الشرّ، قد رفضوا نسبة الشرّ إليه بشكل مباشر، وذلك كنوع من التأدّب والتنزيه والتبجيل، واستندوا في ذلك التوجّه إلى الحديث المشهور الوارد في صحيح مسلم “… لبّيك وسعديك، والخير كلّه في يديك، والشرّ ليس إليك…”، ومن هنا فقد جرى الاتفاق على نسبة الشرّ للنفس أو للشيطان.

الشيعة الإمامية: دمج بين نظريتي المعتزلة والسنة

تزامناً مع تشكّل الاتجاهات المعتزليّة والسنيّة، كان الشيعة يطوّرون أفكارهم السياسية لتتجه شيئاً فشيئاً نحو الوجهة العقائدية، ولم يمرّ الكثير من الوقت حتى ظهرت المدرسة الشيعية الإمامية على الساحة الفكرية، وعمل منظّروها وعلماؤها على العثور على إجابة شافية ووافية لمسألة مصدر الشرّ.

الإمامية، التي امتازت بالدمج بين الاعتقاد بنظرية العدل الإلهي من جهة، وبالاحتكام للمصادر التشريعية الرئيسة من جهة أخرى، أضافت مصدراً جديداً للتلقّي وهو أقوال الأئمّة المعصومين.

في كتابه “تذكرة الخواص” يذكر سبط ابن الجوزي، تفاصيل مناظرة جرتْ بين الإمام محمد الباقر وهو الإمام الخامس عند الشيعة الإمامية الإثناعشرية، وأبو حنيفة النعمان وهو من كبار الفقهاء السنّة، وقد ورد في تلك المناظرة أن أبا حنيفة قد سأل الباقر “أأراد الله المعاصي؟” فجاوبه الباقر بقوله “أفيعصى قهراً”، وهو ما يُفهم منه ميل الإمام الشيعي للاعتقاد برضا الله عن المعاصي والشرور التي يقترفها عباده.

ولكن الجواب السابق لا يجعل الله مسؤولاً عن خلق الأفعال الشريرة للعباد بشكل كامل كما هو الحال عند أهل السنّة، حيث ورد في كتاب تصحيح اعتقادات الإمامية للشيخ المفيد، رواية أخرى عن الإمام السابع موسى الكاظم، فعندما سأله أبو حنيفة “أفعال العباد ممن هي؟”رد عليه الكاظم”إن أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة منازل: إما أن تكون من الله تعالى خاصّة، أو من الله ومن العبد على وجه الاشتراك فيها، أو من العبد خاصّة”.

تلك الرواية وأمثالها، جعلت معظم علماء الإمامية يميلون إلى القول بأن الإنسان هو مصدر الشرّ، وأن الله ليس بمسؤول عنه على الإطلاق، فالمفيد مثلاً يصرّح بأن “الله تعالى أَقدر الخلق على أفعالهم، ومكَّنهم من أعمالهم، وحدَّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف، والوعد والوعيد، فلم يكنْ بتمكينهم من الأعمال مجبرًا لهم عليها، ولم يفوِّضْ إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها، وأمرهم بحسنها، ونهاهم عن قبيحها…”.

وفي موضع أخر من كتابه يقول “إنّ الله تعالي لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال، ولا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال، ولا يريد القبائح، ولا يشاء الفواحش، تعالي الله عمّا يقول المبطلون علوّاً كبيراً”.

ويتابعه في ذلك تلميذه الشريف الرضي، عندما يقول في رسائله “إنّ الله تعالي لم يرد شيئاً من المعاصي والقبائح، ولا يجوز أن يريدها ولا يشاءها ولا يرضاها، بل هو تعالي كاره وساخط لها”.