الجمعة: 3 أبريل، 2020 - 09 شعبان 1441 - 05:03 صباحاً
دفاتر
الخميس: 19 ديسمبر، 2019

أمين حمزاوي

شغل الجنس تفكير الفلاسفة منذ وقت مبكر، بداية بـ”مأدبة” أفلاطون، حين حكى أريستوفانيس عن كيف كان الرجل والمرأة كائناً واحداً قوياً ذا رأسين وثمانية أطراف، دفعه غروره إلى تحدي الآلهة، وأراد أن يحل محل كبيرها زيوس، فهاجمه الأخير وقسمه إلى نصفين، نصف رجل، والنصف الآخر امرأة، ليصبحا تائهين في الأرض الواسعة، ويقضي كل منهما حياته باحثاً عن النصف الذي يكمله.

 

هذا الانشغال الفلسفي بالجنس تأثر سلباً بالانقسام الذي أحدثه أفلاطون نفسه، حين فَصَل بين المادي وغير المادي، والواقع والمثال، والجسد والروح، رافعاً من شأن الأخيرة والحالات المرتبطة بها، في مقابل الحط من قدر الجسد وما يرتبط به من دوافع ولذات. هذه القسمة اعتنقها صراحة أو ضمنياً أغلبية الفلاسفة، متأثرين بالنزعة الرواقية التي تُفضِّل الحرية والسلام الداخليين وسيادة العقل، وهي قيم اعتقد الرواقيون أنها مهدَّدة من قبل أهواء الحب، والتعلق، والغضب، وبالطبع الرغبة الجنسية، كما بيّن إيغور بريموراتز في كتابه “الأخلاقيات والجنس”.

لكن تاريخ الفلسفة شهد اعتراضات عديدة على تلك النزعة، متمثلة في مذهب اللذة (الهيدونية)، بداية من إريستبوس، تلميذ سقراط، ووصولاً إلى الفيلسوف الإنكليزي جيرمي بنثام وتلميذه جون ستيورات مل. رفض هؤلاء تأسيس أخلاق قامعة للجنسانية بواسطة الفصل الأفلاطوني، واعتبروا اللذة (بما في ذلك بالطبع اللذة الجنسية) غاية قصوى للحياة، ومعياراً للقيم والأحكام الخلقية، فلم يحطوا من شأن الجنس، ورحبوا بأي نشاط جنسي طالما يوافق معيار “تحصيل أكبر قدر من اللذة، وغياب الألم”.

 

الرغبة الجنسية ومشاعر الحب

يشرح آلان سوبل في كتابه “تاريخ الفلسفة الإيروتيكية” كيف وصف ديفيد هيوم الرغبة الجنسية باعتبارها اتحاداً لثلاثة عناصر: الشعور بالجمال، واللذة الحسية/العضوية، واللطف/الحب العذري المنبثق عن مشاعر استلطاف عذرية تجاه الآخر.

 

لكن إيمانويل كانط خالفه في ذلك، إذ فصل تماماً بين مشاعر اللطف/الحب العذري والرغبة الجنسية، فموضوع هذه الرغبة، برأيه، هو موضوع حسي وجسدي خالص، لا تربطه علاقة بدوافع الحب أو الإحسان أو اللطف، أو أي مشاعر أخلاقية/روحية مُجاوزة لشهوة الجسد.

إيمانويل كانط

لذلك كان كانط أقرب إلى الفصل الأفلاطوني بين الحب الفاحش (الرغبة الجسدية المجردة) والعذري (حب وتقدير الطبيعة الشخصية بعد إقصاء الجسد/الشكل من ذلك التقدير)، وهو الفصل الذي عارضه هيوم على أساس أن مشاعر الحب تنشأ غالباً من تقدير الجمال المادي في المقام الأول، وفقاً لمعايير وتفضيلات الشخص، ومن ثم يتطور ذلك التقدير إلى شعور بالعطف والرغبة الجنسية معاً.

 

لاحظ هيوم أيضاً أن ذلك التقدير يصير مبالغاً فيه تحت تأثير الرغبة الجنسية، إذ يرى المُحِب محبوبه أجمل مما هو عليه حقيقةً، مُتجاوزاً عيوبه. بينما قد يصبح تجاوز تلك العيوب وتقبلها بعد اكتشافها بطريقة أكثر موضوعية دليلاً على الحب الحقيقي.

 

كان كانط متشككاً حيال الجنسانية والتحرر الجنسي، ولم يستسغ تحويل إنسان آخر إلى موضوع للمتعة، وإلى “شيء”، يُرغب فيه فقط لاستعماله ك”أداة” في إرضاء رغبة ذاتية، وكائن يُختزل في وظيفته الجنسية، إذ “لا تُرغَب المرأة لكونها إنساناً، ولا يَكترِث الرجل لذلك لأنه يرغبها فقط كموضوع لرغباته الجنسية”، ويمكنه في ما بعد نبذها “كليمونة جافة تم عصرها”.

 

وقد أنكر كانط الطبيعة التشاركية والتعاونية للجنس إلا داخل إطار الزواج الغيري، حيث لا يُمكن بسهولة استعمال الطرف الآخر كمجرد موضوع للمتعة أو كمجرد “شيء”، وذلك لأنه يظل ذاتاً تشارك المرء في حياة، يمثل الجنس جزءاً منها، ولا يمثلها كلها.

 

عجز كانط عن ملاحظة أنه حتى في حالات الجنس العابر، كما يوضح أستاذ الفلسفة في مدرسة الفن في معهد شيكاغو رجاء حلواني في كتابه “مدخل إلى فلسفة الحب، الجنس والزواج”، فعادةً لا يُعامِل الشركاء بعضهم بعضاً كمجرد أداوت للرغبات الشخصية، أي كملكية تفتقر إلى الاستقلالية والذاتية، فهم لا ينتبهون -على النقيض من رأي كانط – إلى إنسانية الآخر فقط، بل إنهم فوق ذلك يرغبون فيها، إذ يشتهون لقاءً جنسياً مع إنسان آخر، شخص يمكن أن يستجيب لرغباتهم الجنسية ولديه رغبات جنسية بدوره. بينما لو أرادوا حقاً مجرد ممارسة الجنس مع “شيء” كما اعتقد كانط، لكانوا انتهكوه أو عاملوه بأي طريقة يرغبون فيها ولا يرغبها هو. ولو كان البشر أرادوا مضاجعة أشياء فقط، فإن قضيب صناعي أو دمية منتفخة كانت ستفي بالغرض.

 

تهمل الرؤية الكانطية المتشائمة، يضيف حلواني، حقيقة أنه في اللقاءات الجنسية النموذجية يتوقف الشريك الجنسي عن فعل ما يفعله إذا طلب منه شريكه ذلك، لأنه يكثرث بالرغبات الجنسية لشريكه. و لا يعامله كشيء يمكن أن يمزقه، أو يحطمه، أو ينتهكه. وهكذا يصبح النموذج القياسي للجنس العابر الذي يُغفل فيه أحد الشركاء تماماً إنسانية شريكه، والذي يوافق تشاؤمية كانط، هو الاغتصاب وليس ذلك القائم على رضا الطرفين.

 

حرص كانط مثل الرواقيين على الإرادة الحرة، ورأى في الدوافع الجنسية تهديداً دائماً لها. ووافقه في ذلك آرثور شوبنهاور الذي ارتاب تجاه سلطة الرغبة الجنسية، وذلك نتيجة اعتقاده بأنها تبلغ من القوة ما يكاد يجعلها “الهدف النهائي لجميع الجهود الإنسانية”، ما يؤدي إلى تطفلها على أهم الشؤون، وعلى “أعظم العقول”، فهي كما يضيف “تسبب الخلافات، وتكسر أقوى الروابط، وأكثر العلاقات قيمة، وتتطلب أحياناً التضحية بالحياة أو الصحة والثروة والمركز والسعادة، بل إنها قد تسلب ضمير الشرفاء، وتحوِّل المخلصين إلى خونة”.

رؤى أكثر تحررية تجاه الجنس

مقابل هذه الآراء، صاغ جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل رؤى أكثر تحررية تجاه الجنس، بناءً على القاعدة “النفعية”، والتي تبرر الأفعال أخلاقياً وفقاً لما تنتجه من لذة وما تجنّبه من ألم، وليس لطبيعة جوهرية خاصة بها تُعبر مباشرة ومسبقاً عن أخلاقيتها.

كتب بنثام عام 1780 مقالاً عن المثلية الجنسية، دافع فيه عنها انطلاقاً من موافقتها للمبدأ النفعي، فلم يَفترض بدايةً وجود طبيعة جوهرية تخص أي أشكال للممارسة الجنسية، وذلك كي يتمكن من الحكم على أخلاقيتها، مُفنِداً الانتقادات الموجهة إليها كالآتي:

 

عادةً ما يُنتِج الجنس المثلي المتعة، وليس الألم، وهذا ما يجعل ممارسيه يفضلونه ويرغبون بالمشاركة فيه، وهو غير مؤذٍ للمجتمع إلا في صوره الخارجة عن عموم الأخلاق (كالاغتصاب مثلاً)، مثله في ذلك تماماً مثل الجنس الغيري. بالإضافة إلى أن ممارسته على نطاق واسع لن تؤدي، كما يخشى كثيرون، إلى زوال الجنس البشري، لأن احتمال عدم رغبة الرجال في ممارسة الجنس مع النساء لدرجة عدم رغبتهم حتى في إخصابهن يقترب من الصفر، ومن الناحية العملية، لا يلزم كثير من الجهد والوقت لإخصاب المرأة. كما أنه من الناحية التاريخية، لا يوجد دليل على أن السكان قد تناقصوا في المجتمعات التي مورست فيها المثلية الجنسية.

 

في المقابل، دافع فيلسوف إنكليزي آخر هو روجر سكرتون عن رؤية أكثر محافظة ومسيحية تجاه الجنس، تقوم على مركزية الزواج والإخلاص الزوجي، وفيها يمثل الزواج نتيجة سليمة لارتباط الشريكين، إذ يمنح العلاقة أماناً واستقراراً قائماً على الإخلاص، وهو شعور يصد رعب الحقيقة الموضوعية المتمثلة في خفوت الرغبة الجنسية نحو الشريك مع الوقت. فمع الزواج، يتبدل الحب الإيروسي إلى آخر قائم على الثقة والعشرة، وتخبو الرغبة الجنسية تجاه الشريك تلقائياً مع الوقت، ليس نتيجة سبب بعينه، وإنما لميل جوهري فيها يحتِّم ذلك. بالتالي، يمثل الإخلاص الجنسي المسيحي ضمانة ضد جرح عاطفة حب الشريك، التي تطورت لديه (مثلما تطورت لدينا) إلى صورة أخرى تحل فيها مشاعر جديدة محل الرغبة الجنسية.

 

قبله، حاول توماس هوبز تفسير طبيعة الرغبة الجنسية، مميزاً إياها عن رغبات الجسد الأخرى. فاعتقد بأن اللذة الجنسية تتضمن شهوة “إرضاء الآخر”، تلك الشهوة الخاصة بالجنس فقط، وليس الطعام أو الشراب، لأنه لا أحد يرغب في إسعاد تفاحة خلال قضمها. ورغم أنها مرتبطة ببذل مجهود في سبيل الآخر، فإن تلك الرغبة ظلت في نظر هوبز رغبة أنانية أكثر من كونها غيرية، لأن جوهرها يتمثل في ابتهاج الشخص بامتلاكه القدرة على إسعاد الطرف الآخر، وليس في الرغبة الغيرية الخالصة لجعل الآخر سعيداً، إذ تتسبب سعادته في تحفيز قدراتنا واستمتاعنا بالجنس.

 

أما سورين كيركغاد، الفيلسوف الوجودي المسيحي، فقد وافق هوبز في اعتقاده بـ”أنانية” الرغبة الجنسية. وبطريقة أكثر جذرية –اعتقد كيركغارد أن كل لذة عموماً تنبع

من شعور أناني– ذلك الشعور الذي لا ينمحي بالزواج بقدر ما يصل ذروته، إذ يعمل الزواج كضمان لكل طرف بأن شريكه سيظل موجوداً دائماً لإشباع رغبته.

 

بالتالي لاءم كيركغارد بسهولة بين الزواج والحب الشهواني، لاعتقاده بأن الزواج محصلة طبيعية لتأجُّج ذلك الحب، لأنه يعمل كوسيلة للحفاظ عليه والاحتفاظ بموضوعه أطول فترة ممكنة إرضاءً للذات.

 

ومال شوبنهاور إلى هذا الرأي، وآمن أيضاً بأن الحب ليس سوى رغبة جنسية مقنَّعة، وأنه نزوع طبيعي غايته الإنجاب.

 

تحدي البراءة العذرية

مع سيغموند فرويد، بلغ التحدي للبراءة العُذرية ذروته، فقد تحدى الاعتقاد ببراءة الأطفال الجنسية، مفترِضاً الميلاد المبكر لرغبة جنسية لدى الطفل منذ سن مبكر للغاية (3 إلى 6 سنوات)، تتجلى في رغبته بالاستئثار بأمه، وأيضاً بافتراض تحكم طاقة الغريزة الجنسية (الليبيدو: المُوزع على كامل الجسد)، إلى جانب غريزة التدمير (الموت) في دوافع وميول الإنسان المُختلفة.

 

مقابل أفكار أفلاطون وكانط، صاغ جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل رؤى أكثر تحررية تجاه الجنس، بناءً على القاعدة “النفعية”، والتي تبرر الأفعال أخلاقياً وفقاً لما تنتجه من لذة وما تجنّبه من ألم، وليس لطبيعة جوهرية خاصة.

 

كتب الفيلسوف جيرمي بنثام عام 1780 مقالاً عن المثلية الجنسية، دافع فيه عنها انطلاقاً من موافقتها للمبدأ النفعي، فلم يفترض بدايةً وجود طبيعة جوهرية تخص أي أشكال للممارسة الجنسية، وذلك كي يتمكن من الحكم على أخلاقيتها.

 

أوضح فرويد أيضاً اتحاد كل من غاية وموضوع الغريزة الجنسية بطريقة تجعل من عدد موضوعاتها لانهائياً، بمعنى أنها غير مقيدة بالموضوع الأساسي لها وهو الجسد، أو بالحضور الفعلي له، مثلما يكون الجوع مقيداً بالحضور الفعلي لموضوعه وهو الطعام، فلا أحد يمكنه تناول صورة تفاحة، بينما يمكنه في الوقت ذاته الاستمناء على صورة مثيرة، أو تحت تأثير خيال لا يستحضر الجسد البشري بشكل مباشر، وإنما يستحضر أجزاءً معينة منه، أو أشياء مادية تحرك رغبته الجنسية وتختلف من شخص لآخر.

 سيغموند فرويد

يُدعى ذلك الخيال عموماً بالفانتازيا الجنسية، بينما يُدعى الانجذاب الجنسي إلى أجزاء محددة من الجسد أو لأشياء مادية بعينها بالفيتيتش.

 

محاولات مُعاصرة لاكتشاف ما هو الجنس

يعتقد رجاء حلواني أن تعريف السلوك الجنسي يخضع لعدة عوامل هي: طبيعة الفعل الجنسي، ونوعية الشعور الناتج عنه، والسياق الثفافي الذي يُمارَس فيه، أي أنه قد لا يكون نشاطاً حصرياً للأعضاء التناسلية، خاصة إذا انتبهنا إلى أن بعض الأفعال المتصلة مباشرة بالأعضاء التناسلية لا تُعَدّ بالضرورة سلوكاً جنسياً، مثل فحص الطبيب لمهبل امرأة، إلا إذا ثبت أن الطبيب قد استثير بدرجة ما.

 

وقد تُفهَم أفعال معيّنة في ثقافة ما بصفتها سلوكاً جنسياً (سواء من قبل فاعليها أو المحيطين بهم)، وقد لا يحدث ذلك في ثقافات أخرى. على سبيل المثال، تُعتبر القبل المتبادلة على الخدين بين الرجال سلوكاً جنسياً في أمريكا وأوروبا الغربية، على عكس أوروبا الشرقية والشرق الأوسط حيث تُعَدّ روتيناً لإلقاء السلام.

 

حاول حلواني تحديد النشاط الجنسي بوصفه “إرادياً” أو “قصدياً” بالمقام الأول، بمعنى أنه نشاط ينخرط فيه المرء ويبدأ بناء على رغبة واعية غايتها تحصيل درجة من المتعة، إثر تعرّضه لمثير معيّن. وبعيداً عن المثيرات البديهية والمشتركة بين أكبر عدد من الناس، فإن أنواع المثيرات يصعب حصرها، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار الثقافة والميول الخاصة بالفرد.

 

شملت محاولة حلواني تمييز النشاط الجنسي عن الخبرة الجنسية، فاشترط بالنشاط كما سبق: إرادة واعية غايتها إشباع المتعة، أو الرغبة الغريزية للجنس بواسطة فعل مُفرد (استمناء) أو مشترك (مداعبة، مضاجعة، إلخ). بينما تدخل في إطار الخبرة الجنسية أية معايشة لتجربة جنسي، دون إرادة واعية ومتوجهة بالضرورة إلى تحصيل المتعة، مثلما يحدث بين زوجين أصابهما الملل، ويمارسان الجنس وفقاً للروتين أو بغرض الإنجاب.

 

ومثّل الوعي الذاتي بالنسبة إلى الفيلسوف الأمريكي المعاصر توماس نايغل اللاعب الأساسي الذي يميّز جنسانية الإنسان عن الحيوان، فبرأيه تدور العملية الجنسية بين حالتين متوازيتين للوعي، الأولى هي وعيي بالطرف الآخر بصفته موضوعاً للإثارة، أي إدراكي لنفسي بصفتي ذاتاً فاعلة في العملية الجنسية، ترى في الطرف الآخر موضوعاً/أداة لتحقيق متعتها.

 

في حين تُمثّل الحالة الثانية العكس، أي أنها تُشير إلى وعيي بذاتي، وذلك بصفتها موضوعاً /أداة لتحقيق متعة الطرف الآخر، موضوعاً يُسبب إثارته، تلك الإثارة التي تظهر في إيماءاته وملامحه بتقدم العملية الجنسية. وكلما اتضح وعيي بأنني استثرته أو تسببت له بقدر من المتعة، تتضاعف استثارتي بدورها.

 

يدعو نايغل ذلك بـ”الاعتراف الانعكاسي المتبادل”، وهو معيار جوهري لديه لتمييز الجنسانية “غير المنحرفة” تمييزاً سيكولوجيا وليس بيولوجياً، حيث ينتج انحراف النشاط الجنسي برأيه عن فشل ذلك الاعتراف المتبادل، وذلك حين يتوقف النشاط الجنسي عند المرحلة الأولى لإدراك الآخر كموضوع، بينما يعجز الشخص أو لا يرغب في إدراك نفسه بصفته موضوعاً لإثارة شريك، مثلما في حالة الشخص “المُتلِصص”، والذي يعجز عن إدراك نفسه كموضوع للإثارة، ويفضل دائماً أن يكون ذاتاً مستثارة من بعيد دون مخاطرة باتصال جنسي مباشر يحوله بالتبادل إلى موضوع لإثارة الشريك.

 

وبتطبيقه ذلك المعيار على المثلية الجنسية، يضعها في نطاق الممارسة الطبيعية، طالما أنها تحقق “الاعتراف الانعكاسي المُتبادل”.

 

وينبغي التنويه إلى أن محاولة حلواني وضع حدود معيارية صارمة لتعيين ماهية النشاط الجنسي باءت، وفق اعترافه، بالفشل، إذ أن تعدد وتداخل التجارب والخبرات الجنسية جعل

من المستحيل تطبيق تلك المعايير، كتمييز وجود نية من عدمها، أو إثبات انعدام المتعة في الحالات التي قد يعتقد أنها مفتقرة للمتعة، كما في تجربة مراهقين يجدان في المضاجعة من الألم أكثر مما يجدان من المتعة رغم أنهما متوجهان عن إرادة وقصد لتحصيل متعة جنسية، أو مثل تجربة عاملة الجنس التي تصطنع الوصول للنشوة.

 

هل يمكن تحقيق لذة جنسية بدون نشاط جنسي مباشر؟

ومن هنا طرح الفلاسفة سؤالاً: هل يمكن تحقيق لذة جنسية دون الانخراط في نشاط جنسي مباشر (تقليدي)، أو غير مرتبط حصراً بالأعضاء التناسلية؟

وحاولوا الإجابة على السؤال، مُتّبعين فرويد، عبر القول إن كل أجزاء الجسد هي مساحات محتمَلة لتحقيق اللذة الجنسية، وذلك على عكس اللذات الحسية الأخرى. فلذة الطعام محدودة بأعضاء معيّنة وسلوك مقيد هو ببساطة تناول الطعام نفسه، بينما لا تشترط اللذة الجنسية توليدها بواسطة الأعضاء التناسلية فقط، أو بواسطة الاتصال الجنسي المباشر فقط.

 

يعتمد ذلك على السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتم فيه الفعل، وعلى طبيعة وسياق العلاقة التي تربط الفاعلين، كما على الذائقة الحسية الخاصة بهم، فعض أذن صديق بغرض استفزازه، يختلف عن عض أذن أحدهم بغرض إثارته جنسياً، وفي المقابل لا تُحدِث بعض الأفعال مثل الرضاعة لذة جنسية لدى الأم على الأقل (حيث لدى فرويد رأي آخر في ما يتعلق بالطفل).

 

هذا يعني أن اللذة قد تتولد دون الانخراط في نشاط جنسي مباشر، مثل تحضير عشاء على سبيل المثال في انتظار رفيقك/رفيقتك، أو قراءة قصة جنسية، أو حتى أثناء قراءة رواية بوليسية في انتظار موعد مع شريك جنسي جديد اعتدت لقاءه في الأسابيع الأخيرة، تلك النشاطات العادية التي يصاحبها خيال أو وَله جنسي بأحدهم، سواء كان مُتخيَلاً أم حقيقياً.

 

لكن لا يعني ذلك بالمقابل فصل اللذة الجنسية تماماً عن الأعضاء التناسلية، فكل السلوكيات المثيرة هي مثيرة في المقام الأول، نظراً لأنها تستثير تلك الأعضاء، ولا معنى لأية لذة متولدة عن الأعضاء الأخرى إلا في صالح استثارة وتوليد لذة الأعضاء التناسلية.

 

وتوضح الفيلسوفة جانيس مولتون في كتابها “باراديم الفلسفة”، أنه يوجد نمطان من السلوك الجنسي هما: الترقّب، والإشباع.

 

في الترقب، تتركز اللذة الجنسية في محاولات العثور على شريك جنسي جديد، والتقرّب منه ومغازلته، وإغرائه. بينما في نمط الترقب: تتركز اللذة الجنسية في الاتصال الجنسي المباشر.

 

ولذلك يُعَدّ استخدام حيل (ممارسة لعبة جنسية أو سيناريو مثلاً) وسيلة لكسر الروتين واختراع النمط الأول أي الترقب، وذلك بهدف مضاعفة اللذة بين الشريكين (تلك الإثارة الناتجة عن المغازلة والانتظار وإيماءات الإغراء) والذي يدعو حلواني الإحساس المُتولد عنها بالـ”اللذيذ” أو “المُبهج”، في حين يكون الإحساس “مُرضياً” فقط في حالة نمط الإشباع (مثل العلاقة الجنسية الروتينية بين زوجين).