الأربعاء: 25 أبريل، 2018 - 09 شعبان 1439 - 12:37 مساءً
دفاتر
الثلاثاء: 27 مارس، 2018

أحمد الجدي

حوار صحافي أجراه باحث في التراث المسيحي ونفى فيه تعرّض الأقباط لاضطهاد حقيقي بعد انتشار الإسلام في مصر، كان سبباً في الهجوم عليه من قبل عدد كبير من المسيحيين وخاصة من أقباط المهجر.

هذا الباحث هو الدكتور وجيه ميخائيل الذي يؤكد لرصيف22 أن ما دفعه للرد على أحاديث الاضطهاد الإسلامي للمسيحيين هو إيمانه بأن “هناك مَن يروّج كذباً لأفكار عديدة بهدف إشعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيين”.

ولأن ما يطرحه موضوع سجالي، كان لا بد من أخذ رأي باحث قبطي آخر يعتقد بغير ما يعتقد به ميخائيل، وهو رأي قدّمه لرصيف22 الباحث في التاريخ المسيحي والناشط رامي كامل.

اضطهاد أثناء حكم عمرو بن العاص

ينفي ميخائيل وقوع اضطهاد كبير للمسيحيين في عهد عمرو بن العاص الذي “فتح” مصر، ويقول إن تلك الفترة شهدت تضارباً كبيراً في ما كُتب عنها، فالبعض صوّر الأمور بصورة وردية، والبعض الآخر صوّرها كحقبة مأساوية، والكل كتب بطريقة متحيّزة.

ويشير ميخائيل إلى أنه من ضمن ما قيل عن تلك الحقبة قيام المسلمين بإجبار المسيحيين على دخول الإسلام. ونفى هذا الأمر مؤكداً توقف المسلمين عن دعوة المسيحيين إلى دخول الدين الجديد في فترة من

الفترات لأنهم كانوا بحاجة إلى الجزية التي يدفعها المسيحيون والتي كانت ستنقطع بحال دخولهم الإسلام.

ويذكّر ميخائيل بوقائع تدلّ على انفتاح عمرو بن العاص على المسيحيين، مثل ما جاء في كتابات يوحنا النقيوسي، أسقف مدينة نقيوس المصرية، الذي كشف إعادة ابن العاص لبطريرك المصريين بنيامين بعدما كان البيزنطيون قد طردوه واستولوا على أمواله وحرقوا شقيقه.

يذكر النقيوسي أن بطريرك المصريين الأنبا بنيامين دخل مدينة الإسكندرية بعد هربه منها لمدة 13 عاماً، وسار إلى كنائسه وزارها كلها وكان كل الناس يقولون: إن انتصار الإسلام جاء بسبب ظلم الملك هرقل واضطهاد الأقباط الأرثوذكس على يد البابا كروس (المقوقس) وكانت النتيجة هلاك ملك الروم وسيادة المسلمين على مصر.

ويتحدث ميخائيل عن قوة العلاقة بين بنيامين وابن العاص وهي علاقة أنتجت متانة في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في تلك الفترة.

ويعترض رامي كامل على كلام ميخائيل ويردّ بأن هناك كتابات إسلامية أكدت وجود اضطهاد حقيقي للمسيحيين في عهد عمرو بن العاص أهمها ما وثّقه الكاتب والباحث أحمد صبحي منصور في كتاباته، بجانب ما كتبه المؤرخ المسلم المقريزي.

ويقول إنه من ضمن ما قالاه أن ابن العاص قال لوالي إخنا الموجود بالقرب من رشيد نصاً “إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم”، ما يعني أن المسلمين نظروا إلى الأقباط كـ”خزانة” لهم “يتم حلبهم لصالح العرب”، وهو ما أكده أيضاً كتاب “فتوح مصر وأخبارها” للمؤرخ المسلم عبد الرحمن بن عبد الحكم الذي نشر قصة قتل ابن العاص لمواطن مسيحي هو بطرس الصعيدي لأنه أخفى كنزاً يمتلكه.

وأكد كامل لرصيف22 أن ما يردده ميخائيل عن أن المسلمين أوقفوا الدعوة الى الإسلام كي يستحصلوا على الجزية من المسيحيين “معلومات مغلوطة”، مشيراً إلى أن الجزية لم تُرفع عن المسيحيين الذين دخلوا الإسلام من الأساس إلا في عهد عمر بن عبد العزيز (بين عامي 99 و101 هـ).

إزالة الصليب عن العملات

واقعة أخرى يعلّق عليها ميخائيل هي إزالة الصليب عن العملات التي كانت متداولة قبل انتشار لإسلام. ويعتبر أن ذلك أمر طبيعي جداً ولا يُعدّ اضطهاداً كون المنطقة أصبحت تحت سيطرة المسلمين الذين “أصبح من حقهم أن يطبعوا الشعارات التي يرونها مناسبة على العملات النقدية التي يتداولوها في ما بينهم”.

على هذه الواقعة، يعلّق رامي كامل بأنه ليس هناك مَن اشتكى من نزع الصليب عن العملات واعتبره اضطهاداً، واصفاً الحديث عن هذا الأمر بأنه “ادعاء فرضية ومن ثم دحضها لصناعة نصر وهمي”.

وأشار كامل إلى أن الدولة الأموية هي أول مَن أولى اهتماماً كبيراً بتعريب النقود وإزالة أية نقوش تعبّر عن الدولة المسيحية عنها واستبدالها بشعارات إسلامية، وأول من بدأ هذا الأمر معاوية بن أبي سفيان، وسار على نهجه من جاءوا خلفه.

وأضاف أن عبد الله بن مروان لم يكتفِ بتغيير العملات بل قام أيضاً بتحطيم الصلبان الموضوعة على مبانٍ مرتفعة، حسبما ذكره المؤرخ المسيحي الدكتور إكرام لمعي في مؤلفه التاريخي “المسيحيون بين الوطن والمقدس” الصادر عن الكنيسة الإنجيلية المصرية.

تعميم اللغة العربية وتعريب العبادات

يتحدث البعض عن اضطهاد المسيحيين عبر إجبارهم على التحدث باللغة العربية والتخلي عن استخدام اللغة القبطية في عباداتهم.

وأساس القصة قيام الخليفة عبد الملك بن مروان، خامس خلفاء بني أمية والمؤسس الثاني للدولة الأموية، في الفترة الأخيرة من عهده الممتد بين عامي 65 و86 للهجرة، بتعريب ديوان الخراج المختص بالشؤون المالية للدولة، وهو ما تم خلال عام عبر سليمان بن سعد الخشني الذي كان يتولى ديوان الرسائل في عهد ابن مروان.

وبرأي ميخائيل، فإن توحيد اللغة أمر منطقي، لأنه من المستحيل أن تتحدث الدولة الواحدة عدداً كبيراً من اللغات: قبطية، وسريانية، ويونانية.

ويشير ميخائيل إلى أن سياسة التعريب كانت فقط في الدواوين الحكومية، بينما تعريب العبادات في الكنائس هو أمر قامت به هي بدون إجبار، فراحت تعقد قداسات باللغة العربية، وترجمت الكتاب المقدس إلى العربية.

ويستدل ميخائيل على كلامه بقول الأنبا ساويروس بن المقفع، أسقف الأشمونيين، في مؤلفه تاريخ البطاركة: “استعنت بمَن أعلم استحقاقهم من الإخوة المسيحيين وسألتهم مساعدتي على نقل ما وجدناه من الأخبار بالقلم القبطي واليوناني إلى القلم العربي الذي هو اليوم معروف عند أهل الزمان بأقاليم ديار مصر… علاوة على أن يصلّى داخل الكنائس والأديرة باللغة العربية لكي يفهم الشعب الصلوات التي تُتلى”.

ويعتبر رامي كامل أن حجج ميخائيل ضعيفة، وينفي أن يكون الأقباط قد هرعوا من تلقاء أنفسهم لتعلم العربية وتحويل صلواتهم إلى العربية، مؤكداً أن هذا الرأي ضعيف أمام آراء أخرى أكثر قوة في الحجة مثل القول إنه بعدما عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين صار على أي قبطي تعلم العربية إذا أراد الاحتفاظ بوظيفته والحفاظ على قوت يومه ومصدر دخله، وهو أمر تجرّمه القوانين الحديثة وتصنفه تحت خانة الدمج الإجباري.

واعتبر كامل أن الهجمة على اللغة القبطية التي بدأت في عهد عبد الملك بن مروان كانت المسمار الأول في نعش تلك اللغة، والممهد الأول لإلغائها حتى في العبادة، وأتى تعريب الكتاب المقدس والصلاة “من باب الخوف من أي اضطهاد”، مشيراً إلى أن أول مَن قام بالتعريب الأنبا غبريال الثاني بن تريك الذي ترجم التوراة والإنجيل وبقية كتب الطقوس إلى العربية.

قطع ألسنة الأقباط

استمراراً لنقاش تعريب اللغة وإجبار المسيحيين على التحدث والتعبّد بها، تُطرح رواية قطع ألسنة الأقباط بحال تحدثهم باللغة القبطية لا العربية.

يعتبر كامل أن هذا القرار هو الأعنف على الإطلاق، وقد أصدره الحاكم بأمر الله الذي أعلن منع اللغة القبطية في الحديث الشعبي والصلاة في الكنائس، وهو ما يقول به المؤرخ المصري علي ياسين في كتابه بعنوان “2500 سنة احتلال” إذ كتب أن الحاكم بأمر الله أمر الجند بالهجوم على أية كنيسة تُقام الصلوات فيها باللغة القبطية، ما أجبر البابا غبريال بن تريك على السماح باستخدام اللغة العربية في الصلوات.

ويضيف أن هذا الأمر أكده أيضاً القمص تادرس يعقوب الملطي، أحد أبرز مؤرخي وكتاب الكنسية القبطية الأرثوذكسية، وفقاً لمخطوطات كثيرة حصلت عليها الكنيسة حول تلك الفترة ومنها تلك التي كتبها الكاتب والشماس المسيحي بقيرة بن الرشيدي الذي كان شاهداً على تلك الأحداث.

لكن ميخائيل ينفي قطع لسان أي قبطي تحدث باللغة القبطية بعد الفتح الإسلامي مشيراً إلى أن الأمر لم يتم توثيقه تاريخياً، ومؤكداً في الوقت ذاته أن فترة الحاكم بأمر الله كانت فترة صعبة على المسيحيين إذ أصدر العديد من القرارات الغريبة مثل قطع ألسنة المتحدثين باللغة القبطية إلا أنه لم يطبّق تلك العقوبة على أي مسيحي بشكل فعلي.

ويقول ميخائيل إن الغالبية العظمى من الحكام المسلمين في الدولة الفاطمية أو الأموية أو العباسية لم يمنعوا المسيحيين من التعبّد بالقبطية وأصروا فقط على أن تكون اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة في الدواوين الحكومية والمعاملات الرسمية مثل البيع والشراء والقضاء والدين، وهذا ما تؤكده دراسة مسيحية للأب إسطفانوس دانيال جرجس عبد المسيح غبريال، أحد المؤرخين المسيحيين التابعين للكنيسة الكاثوليكية المصرية، وتؤكده كتابات أخرى للاهوتي العربي حنين بن إسحاق الذي نفى وجود أي إجبار للمسيحيين على الصلاة باللغة العربية مؤكداً أن المسيحيين هم مَن تعلموها وصلوا بها بقرار منهم.

“بيت الحكمة” والترجمة إلى العربية

بعيداً عن الحوادث التي اعتبرها البعض اضطهاداً للمسيحيين نتيجة الفتح الإسلامي للشرق الأوسط، تحدث وجيه ميخائيل عن وقائع أخرى يعتبرها دليلاً على العلاقات المتينة بين المسلمين والمسيحيين بعد “الفتح”.

يقول ميخائيل إن عصر الخلافة العباسية وبالتحديد عهد الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي شهد متانة في العلاقات بين الطرفين، فقد قرر في بداية عهده تأسيس “بيت الحكمة”، وهي مؤسسة لترجمة النصوص اليونانية والسريانية إلى العربية.

ويشير إلى أن الأقباط هم مَن ترجموا 90% من العلوم اليونانية والسريانية إلى العربية في هذه المؤسسة، الأمر الذي كان دعامة لقيام الحضارة العربية الإسلامية التي قامت في الأساس على تخطي الخلافات بين الأديان من أجل مصلحة البلاد.

ويضيف أنه في عهد المأمون أيضاً، امتلأ بلاط الخلافة بالنقاشات بين الأديان الثلاثة دون تطرّف أو قتل أو تكفير، “الأمر الذي جعل عهده الفترة الذهبية في تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية واليهودية أيضاً”.

كمصادر لكلامه، يشير ميخائيل إلى كتابات قبطية لكل من يوحنا بن البطريق، والحجاج بن مطر، وحنين بن إسحق، وقسطا بن لوقا، وجميعهم عملوا مترجمين في عهد المأمون.

في المقابل، يرى رامي كامل أن عهد المأمون لم يكن بهذه الوردية، مشيراً إلى أن بلاط الخلافة كان متاحاً فقط للنخب المسيحية التي “تسبح دائماً نحو ماء السلطة الدافئ”، وكون المأمون كان يوفّر مساحة للحوار لا يعني أن الأمور كانت وردية وخاصة على المستوى الشعبي.

ويضيف أن أبسط دليل على ذلك هو ثورة البشموريين التى قمعها المأمون عام 831 عندما تمت إهانة أهل البشمور، وهم أقباط كانوا يعيشون في المنطقة الرملية على ساحل الدلتا بين فرعي رشيد ودمياط، من خلال تعذيبهم والتضييق عليهم وربطهم بالمطاحن للعمل بالقوة.

ويروي أن والي المنطقة وقتها فشل في التعامل مع الثورة، فخاطب الخليفة المأمون لإخمادها، فأرسل البطاركة اليعقوبي والملكاني وأخمدها “من خلال النخبة القبطية التى تبيع التاريخ والعلم لأي حاكم”.

فوائد “الفتح” الإسلامي

يعتبر وجيه ميخائيل أن الفتح الإسلامي عاد بفوائد على الأقباط، منها رفع الضغوط والقيود البيزنطية، فقبل ظهور الإسلام، كانت المسيحية في الشرق ثلاث فرق: فرقة النساطرة في أقصى حدود الدولة الرومانية وكانوا مستبعدين ومحكوم عليهم بالهرطقة؛ وفرقة اليعاقبة في مصر وسوريا وكانوا يختلفون لاهوتياً عمّا كان يؤمن به الإمبراطور؛ وفرقة الملكانيين التي كانت تؤمن بما يؤمن بها الإمبراطور. وكان البيزنطيون يميّزون في التعامل بين هذه الفرق ولكن لمّا حلّ الإسلام، ساوى بينهم ما وحد المسيحيين بعد تفرقهم لقرون طويلة.

ويردّ رامي كامل على هذا العرض بقوله: “من المضحكات في الطرح أن نقول إن الغزو العربي وحّد معاملة المسيحيين. فهل توحيد الظلم على جميع المسيحيين عدل ومساواة؟”، مشيراً إلى أن المأمون استغلّ القيادات الكنسية فحين قضى على ثورة البشموريين استدعى البطريرك الإنطاكي الملكاني الأنبا ديونيسيوس، وبطريرك الأقباط اليعاقبة الأنبا يوساب الأول و”طلب منهما تحت التهديد أن يتعاونا معه في إخماد ثورة الأقباط، وهو ما تم بالفعل بعد أن كتب الأنبا يوساب الأول للبشموريين يدعوهم إلى عدم حمل السلاح في مواجهة الجيش الإسلامي الأمر الذي كان سبباً في هزيمتهم”.

ويشير كامل إلى أن مصدر كلامه هذا هو ما جاء في كتابات المؤرخ المسيحي ساويرس بن المقفع الذي وثّق أحداث تلك الثورة.

ضرورة البحث عن أرضية مشتركة

يؤكد ميخائيل وجود أنواع من الاضطهاد حدثت بالفعل بحق المسيحيين، مشيراً مثلاً إلى معاناة المسيحيين في عهد الحاكم بأمر الله “بطريقة لا يستطيع أن ينكرها أحد”، بجانب دفع الجزية لقرون طويلة.

لكن برأيه، “من واجب الجميع الآن التغاضي عن ذلك والبحث عن أرضية مشتركة تجمع المسلمين والمسيحيين”، متمنياً توّحد المسلمين والمسيحيين في العالم العربي ونسيان الماضي لبناء أوطانهم.

في المقابل، يرى رامي كامل أن “مهاجمة الدكتور القس وجيه ميخائيل لمروية الاضطهاد عند الأقباط هو تأصيل لإهدار الحقوق بمشرط البحث العلمي الذي يقتطع من التاريخ لمصلحة هواه ويعتبر أن الروايات الوردية قد تُصدّق في حين أن مروية الآلام لا يمكن تصديقها متجاهلاً أن هناك علماء معتبرين وثّقوا اضطهاد الأقباط ومعظمهم مسلمون مثل الدكتور أحمد صبحي منصور الذي له ورقة غاية في الأهمية في هذا الصدد بعنوان ‘اضطهاد الأقباط في مصر بعد الفتح الاسلامي’”.