كان أمين المكتبة عبد السلام عبد الكريم يتحرك بخفة بين أرفف الكتب في مكتبة القادرية، ويرفع الأغطية الحريرية عن خزانات العرض الزجاجية بفخر ليكشف عن مجموعة من المجلدات التاريخية الجميلة، بعض منها عبارة عن نسخ للقرآن الكريم المزخرفة بأناقة، منهم نسختان بخط اليد وطول الصفحة الواحدة يبلغ مترًا، أهداها أحد الأمراء الهنديين من تاج محل إلى بغداد قبل مئات السنين.

يقول عبد الكريم: “لدينا هنا شيء مميز للغاية ووحيد من نوعه”، وكشف عن نسخة أخرى من القرآن الكريم لها حدود معقدة النقوش ومتشابكة مع أزهار ملونة وأوراق ذهبية، هذه النسخة هدية من والدة أحد سلاطين تركيا ويدعى عبد العزيز منذ مئات السنين.

نسخة من القرآن مكتوبة باليد هدية من أم السلطان التركي عبد العزيز

يضيف عبد الكريم: “في نهاية كل آية نجد تصميمًا فريدًا – زهرة أو نجمة سداسية أو وعاء فاكهة والعديد من الرسوم – في الكتاب بأكلمه الذي لن تجد له مثيلاً في أي مكان، يأتي العديد من خبراء الخط والعلامات والرموز لدراسته من جميع أنحاء العالم، لكن هذه الصور غامضة للغاية ولم يتمكن أحد من فهم دلالتها بشكل كامل”.

تقع المكتبة في أحد أركان المسجد الواسع الجميل الذي يضم ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو أحد العلماء الفارسيين من القرن الـ11 عاش معظم حياته في بغداد وأسس الطريق القادرية الصوفية.

إخفاء الكتب

أحد أهم المعروضات الرائعة هو نص ممزق وملطخ بالبقع يعود إلى القرن الـ13، حيث نجا من نهب وتدمير بغداد عام 1258 على يد قائد المغول هولاكو حفيد جنكيز خان الذي خلف وراءه 800 ألف قتيل، يقول عبد الكريم: “عندما جاء المغول هنا عام 1258، أشعلوا النيران في المكتبات وألقوا الكتب في نهر دجلة حتى إن لون المياه تحول للأسود بسبب الحبر، هذا الكتاب الذي يحتوي على تفسيرات للقرآن والإسلام من أحد الكتب القليلة التي تمكنوا من إنقاذها من النهر هذا اليوم”.

أمين المكتبة عبد السلام عبد الكريم

هذا الكتاب بالإضافة إلى كتب مكتبة القادرية بأكملها نجا أيضًا من نهب وتدمير بغداد عام 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق، حيث دمُرت 10 مكتبات في بغداد وحدها، وكان فقدان العديد من الكتب القيمة حدثًا وصفه المدير العام للمكتبات والأرشيف الوطني العراقي سعد إسكندر بأنه “كارثة وطنية تفوق الخيال”.

يقول الشيخ عبد الرحمن الإمام الثالث في المسجد: “كانت هذه المكتبة الوحيدة التي لم تتعرض للهجوم لأن الله حماها ولأن الموظفين والمتطوعين من المواطنيين العاديين وليس رجال الشرطة والأمن لم يغادروها أبدًا لحمايتها”.

يجلس الشيخ عبد الرحمن بجوار قبر الجيلاني منذ عام 1974 ليستقبل الزائرين ويجيب عن أسئلتهم ويتلقى طلبات الدعاء عبر الهاتف من محبي الجيلاني في جميع أنحاء العالم، ويضيف الشيخ: “عندما جاء الأمريكان إلى هنا وتحدثوا معنا أخبرناهم أننا مجرد أشخاص فقراء نجلس هنا بجوار ضريحنا وأشيائنا الدينية ولا نملك سوى سلاحين كلاشنكوف للحراسة، فتركونا نحتفظ بهم ورحلوا”.

عبد المجيد محمد رئيس المكتبة

وخوفًا من استهداف المجموعة القادرية مثلما حدث مع باقي مكتبات بغداد التي سُرقت وأحُرقت، قضى ريس المكتبة عبد المجيد محمد يومًا كاملًا مع باقي الموظفين لإخفاء النسخ الثمينة بعناية في القبو وإغلاقه بإحكام حتى في أثناء إطلاق النار في شوارع العاصمة.

يقول محمد: “انتهيت في الـ10 مساءً وعندما خرجت إلى الشارع وجدته خاليًا لأن الأجواء كانت فوضوية ومرعبة، ولم يكن هناك أي سيارات أجرة فمشيت إلى المنزل، لكن الأمر كان يستحق المخاطرة لأن حماية الكتب كان أمرًا ضروريًا، وبعد إخفائها قام الموظفين بلحام جميع أبواب المكتبة إلا بابًا واحدًا”.

زائرات ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني

واليوم، يحيط بالمجمع حواجز إسمنتية عالية ويحرسه أفراد شرطة، وقد نجا أيضًا من هجوم سيارة مفخخة عام 2007 وأصابه ضرر طفيف وعدد قليل نسبيًا من الضحايا المدنيين رغم أنه يقع وسط العاصمة الصاخبة.

ما زلنا هنا

لكن التهديدات عادت مرة أخرى عام 2014 على يد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في خطاب خليفتهم أبو بكر البغدادي، حيث أعلن أن مقاتلي التنظيم سيهدمون قبر الحسين بن علي في كربلاء وعبد القادر الجيلاني في بغداد، حيث أسماهم مراكز الشرك للصوفية والشيعة، يقول الشيخ عبد الرحمن: “كنا نشعر بالقلق من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لكننا كنا نملك إيمانًا شديدًا بالله، إنهم يقولون بأنهم مسلمون، لكننا هنا منذ مئات السنين نمثل المسلمين والإسلام، وانظر إلى النتيجة اليوم، ما زلنا هنا أما تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” فأين هو الآن؟”.

بحسب ما يقوله المتطوعون في الضريح، يزور قبر الجيلاني مئات الحجاج كل يوم من السنة والشيعة من العراق أو من أماكن بعيدة مثل باكستان وموريتانيا، كما يقولون إنهم يستقبلون زائرين من المسيحيين وبعض الهندوس والبوذيين على أوقات متباعدة، لكن القليل من الحجاج الجدد يهتمون بالمكتبة التي يقول موظفوها إنها موجودة منذ 1000 عام، وتشكل مخطوطات الجيلاني قاعدتها الأساسية، وتعتمد المكتبة على عائدات الأراضي والممتلكات القريبة التي تملكها بالإضافة إلى التبرعات.

نسخة من القرآن بغطاء ذهبي هدية من أحد مريدي الشيخ في سوريا

على مر العصور، كان مريدو الجيلاني يتبرعون بالكتب للمكتبة، وما زالت الهدايا تصل حتى اليوم، وفي خزانة خاصة مغلقة بجوار المدخل تُوجد نسخة من القرآن الكريم بغطاء ذهبي مزخرف، هدية من أحد مريدي الشيخ في سوريا أرسلها قبل 10 سنوات، ورغم أن معظم الكتب القيمة في المكتبة هي نسخ للقرآن الكريم، فالمكتبة تحتوي على العديد من النصوص والمخطوطات العلمية القديمة، أما أقدم المجلدات في المكتبة فهو منذ 950 عامًا عن علم اللغة العربية.

يقول عبد الكريم: “نحن نعتني بالكتب عناية شديدة لأنها قيمة للغاية ويجب الحفاظ عليها، يأتي الخبراء كل فترة لحماية الكتب من التلف ويستخدمون لذلك أدوية خاصة من أجل المخطوطات القديمة التي يبلغ عددها 1950 مخطوطة”.

التفاؤل الهادئ

يجلس مجموعات صغيرة من الطلاب للدراسة في مدرسة المسجد؛ حيث يحصلون على دروس في الدراسات الإسلامية والخط العربي، ويجلسون على طاولات مزينة برسومات الورود الملونة، أما السيدة نورا التي ينحدر أصلها من نسل الجيلاني مباشرة فهي تدرس الدكتوراة في لندن وتقضي شهرًا هنا كل عام لدارسة المخطوطات، لكن مقاعد مكتبة القادرية غالبًا ما تكون فارغة، فقد تناقص عدد الطلاب والباحثين الذين كانوا يأتونها من جميع أنحاء العراق منذ مئات السنين بسبب ظهور الإنترنت.

تحتفظ المكتبة بنسخ قديمة من كتب في علم الفلك وكذلك أدوات فلكية

يقول عبد الكريم: “اعتدنا أن يزورنا العديد من طلبة الماجستير والدكتوراة، ونسخنا معظم النصوص القيمة حتى يتمكن الطلاب من دراستها مع الحفاظ على النسخ الأصلية، لكن الآن مع انتشار الإنترنت أصبحنا نستقبل حفنة صغيرة من الطلاب”.

رغم عدد الزوار المتواضع فإن موظفي المكتبة يحافظون على طابعها الأصلي ويفتحون أبوابها 5 أيام في الأسبوع، كما أنشأوا عرضًا جديدًا عن “100 عام من الصحف العراقية” في الطابق العلوي، إنهم يبذلون وسعهم لتطوير المكتبة باستمرار حتى لو كان عدد الزوار الذين يقدرونهم قليلاً للغاية.

تقع المكتبة في أحد أركان مجمع الجيلاني الذي يضم ضريح الشيخ

يعترف عبد الكريم بأن تشجيع الزوار على زيارة المكتبة ليس أولويتهم الرئيسية في مجمع ضريح الجيلاني، فتركيزهم منصب بشدة على أداء واجباتهم الدينية من استقبال الحجاج وتقديم الطعام للفقراء، حيث يطعم مطبخ المسجد مئات العائلات يوميًا، ومع ذلك لم يفقد موظفو المكتبة تفاؤلهم بشأن المستقبل وآمالهم بقدوم المزيد من الزوار وربما اعتراف دولي بأهمية المجموعة التي يعتنون بها هنا.

بالإضافة إلى الكتب النادرة، يقدرّ عبد الكريم عدد الكتب أنها بين 80 ألف وحتى 85 ألف كتاب، ويعتقد أن مكتبة القادرية من أكبر المكتبات الآن في بغداد بعد تدمير الكثير من المكتبات عام 2003، ويضيف: “كنا نرغب في أن يكون لنا تواصل مع المكتاب حول العالم، لكننا لسنا مطّلعين على الجديد في هذا الصدد، كما أننا لا نملك حتى بريدًا إلكترونيًا لذا نحن منقطعين عن العالم الخارجي نوعًا ما، لكننا سعداء بعملنا هنا بين الكتب”.