الثلاثاء: 31 مارس، 2020 - 06 شعبان 1441 - 05:30 مساءً
سلة الاخبار
السبت: 25 يناير، 2020

ترتبك سلميّة الحراك الاحتجاجي في العراق مرة ثانية لتطل الدموية مجدداً على المشهد القائم منذ تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، لا سيما بعد انسحاب المتظاهرين الصدريين من مختلف ساحات التظاهر امتثالاً لطلب زعيم مقتدى الصدر الداعي إلى “مليونية” احتجاجية ضد الوجود الأمريكي في البلاد يوم غد الجمعة، في 24 كانون الثاني/ يناير.

وكان زعيم التيار الصدري قد طالب، في 14 كانون الثاني/ يناير الجاري، بمشاركة جماهيرية من مختلف الأطراف بغية توحيد المطالب الداعية إلى إنهاء الوجود الأجنبي في العراق، على ضوء استهداف قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني وقائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في الثالث من الشهر الجاري.

دعوات الصدر المتناغمة مع سياسة حلفاء إيران في بلاده وضعها مراقبون سياسيون في سياق عودته إلى الحضن المذهبي والتوافق السياسي، من أجل مكاسب جديدة يروم تحالفا “الفتح” (بزعامة هادي العامري المقرب من إيران) و”سائرون” (كتلة الصدر النيابية) إلى جنيها من الواقع الحكومي المرتقب.

وإذ يحاول الزعماء الشيعة لملمة أوراقهم نتيجة الحصار الاحتجاجي الذي يتعرضون له، فضلاً عن الظرف الحرج الذي تمر به حليفتهم طهران، تسعى الأخيرة إلى لم شتات حلفائها من الأحزاب الشيعية وإعادة هيكلة وجودها العسكري عبر منظومة الحشد الشعبي التي خسرت أبرز قادتها العسكريين جراء الضربة الأمريكية.

“خذلان صدري لساحات الاحتجاج”

وُصفت مشاركة الصدريين في التظاهرات العراقية التي شهدت موجات عنف عالية أدت إلى مقتل 600 متظاهر وجرح أكثر من 22 ألفاً بـ”الإيجابية”، وذلك لثقهلم العددي داخل الاحتجاجات، فضلاً عن حماية تشكليهم العسكري المتظاهرين من “بطش” الفصائل المسلحة التابعة لتحالف “الفتح” (الراعي السياسي لحكومة المستقيل عادل عبد المهدي).

بعد ذلك، قاد التعاطي الصدري مع سياسة محور إيران في العراق إلى انسحاب تكتيكي للتيار الشيعي الأكثر شعبية من ساحات التظاهر، ما أسفر عن ضعف أعداد المحتجين الذين ذهبوا الى خيار التصعيد وقطع الطرق والعمل على وقف الدوام الرسمي لمؤسسات الدولة.

يصرح غانم الدراجي، وهو أحد قياديي التيار الصدري في بغداد، لرصيف22 بالقول: “نحن مع مسار التظاهرات التي انطلقت منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وما زلنا معها حتى نيل حقوقها المطلبية والقانونية، علماً أن تيارنا شارك بقوة فيها لإيماننا العميق بمشروعيتها الوطنية والإنسانية”، مبيناً أن “الصدريين هم عصب التظاهرات، لأنهم أبناء المحرومية والمظلومية التي أنتجتها العملية السياسية منذ 16 عاماً”.

لكن ماذا عن رعاية التيار الصدري يوم غد الجمعة للتظاهرات الموالية لسياسة إيران، والداعية لإنهاء الوجود الأمريكي؟ يرد الدراجي بأن “التيار الصدري له هوية سياسية تتوافق مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وهذا التوافق قائم على محورية المقاومة للنفوذ الأمريكي في بلادنا”، لافتاً الى أن “هذا التوافق طبيعي ومبني على أساس مبدئي عقائدي”.

“نعيش خذلاناً صدرياً بعدما أوهمونا بأنهم شركاؤنا في الحرمان والمصير”… مقتدى الصدر يعيد خلط الأوراق مع إيران ويدعو لتظاهرة “مليونية” يوم غد ضد الوجود الأمريكي في العراق”

ويضيف عضو الهيئة السياسية في مكتب بغداد، قائلاً: “الخلاف بيننا وبين باقي الكتل السياسية المقربة من تلك الدولة أو غيرها، يأتي من نوعية السلوك والتعاطي الوطني، والتقييم لفاعلية تلك الكتل داخل الحكومة والبرلمان في خدمة مصلحة أبناء شعبنا”، مشدداً على أن “الصدريين في صف الشارع الاحتجاجي، ما دامت هناك مظلومية من حكومة بعيدة عن مطالب الجماهير”.

وبالحديث عن السياسة الصدرية الرامية إلى تغيير بوصلة التظاهرات العراقية، يتهم الناشط المدني أحمد علي (22 عاماً) التيار الصدري بـ”التنصل من كل الوعود والتصريحات التي أطلقها في مواصلة السير الاحتجاجي لتحقيق المطالب المشروعة لنا”، مبيناً أن “مقتدى الصدر وتياره يسيران باتجاه المفاوضات على المكاسب”.

ويقول علي لرصيف22: “استثمر التيار الصدري التظاهرات لمصلحته، وها هو يترك الشباب العزل في مواجهة الرصاص المليشاوي”، مضيفاً: “نعيش خذلاناً صدرياً بعدما أوهمونا بأنهم شركاؤنا في الحرمان والمصير”.

“براغماتية” التيار الصدري

في السياق ذاته، يعتبر مراقبون سياسيون أن ما يحصل في المشهد العراقي بصورة عامة هو “تخادم نفعي جديد” بين قوى السلطة والقوى الأخرى التي تدّعي أنها تمثل الشارع المحتج على السلطة، ويرون أن التيار الصدري يعمل بطريقة “براغماتية” حينما يضع قدماً مع المحتجين والثانية مع الحلفاء السياسيين، ويحاول خلط الأوراق عبر تظاهرة الجمعة المناوئة للوجود الأمريكي.

وعن التظاهرة، يتحدث الباحث السياسي طالب الفيصل موضحاً أنها “تمثل حالة تخادمية جديدة هي الأولى من نوعها، إذ سيلتقي جماهير طرفين متناقضين، لطالما خاضا حرباً خطابية اتهم فيها أحدهما الآخر بالعمالة والحالة الذيلية”.

ويضيف الفيصل في حديثه لرصيف22: “التيار الصدري كان يرى أن الميليشيات المنظمة في الحشد الشعبي تمثل امتداداً لطموحات إيران في العراق والمنطقة، بينما ينظر قادة الميليشيات وجماهيرها إلى التيار وزعيمه على أنهما منسجمان مع مشروع إقليمي عربي هدفه تقويض التشيّع ثم ضرب القيادة المركزية للشيعة والمتمثلة بالجمهورية الإسلامية”.

ويعتبر المحلل السياسي العراقي أن “كل ذلك يجري في إطار حالة استقطاب داخلية وعملية استقواء خارجية، برغم أن التيار الصدري يعلن أنه مستقل تماماً عن أي تأثيرات داخلية أو إقليمية أو دولية، بينما لا ينكر الطرف الآخر صلته بالمشروع الإيراني”، مستدركاً بالقول “لكن الواضح في الأمر أن الصدر يلعب على ورقة التوازنات، ويعيد حساباته بين فترة وأخرى ويطلق مواقف وتصريحات تنسجم مع الحالة الراهنة”. 

وبخصوص توافق الصدر مع قادة الفصائل الشيعية الموالية لإيران، يعزو الفيصل ذلك إلى أمرين، أولهما أن “الزعيم الصدري لا يريد أن يكون نشازاً بين الشيعة بعد الضربة الأمريكية التي أججت العاطفة الشيعية… ولهذا يسعى بمشاركته في التظاهرة لامتصاص الغضب والنقمة الشيعية من الشارع وحتى من الميليشيات وجماهيرها، ومنع أي اعتداءات على الحركة الاحتجاجية التي يدعي حمايتها”.

وثانيهما، حسب الفيصل، هو “أمر استراتيجي يسعى الصدر وأتباعه إلى تأكيده، وهو أنهم مقاومون للاستكبار الأمريكي، ولا يمكن لأحد أن يزايد على مقاومتهم لأهداف أمريكا، وكذلك قطع الطريق على استهداف أمريكي محتمل للصدر”.

“بالمحصلة، ستكون هذه التظاهرات حالة استقطاب جديدة واستثمار في موقف قد يجلب الكثير من المصالح للصدر”، كما يختم الفيصل كلامه.

إيران تُوازن سلطة حلفائها في العراق

لأسباب عدة، تحاول إيران الحفاظ على سلمية نفوذها في العراق الذي يمثل الرئة التي تتنفس منها، وبالتالي تجد ضرورة للخروج بموقف سياسي شيعي موحد داخل العراق يساعدها كذلك على مواجهة الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تعصف بها والتصدي لتبعات التصعيد الدولي بينها وبين الولايات المتحدة.

“لقاء الصدر والعامري يُعتبر لقاءً حاسماً، إذ أسفر عن موافقة الصدر على التصالح مع قادة الفصائل التي دخلت في خصومة معه”… زعيم التيار الصدري يعيد خلق الأوراق بمصالحة مع إيران وانخراط في هيكلة الحشد الشعبي”

وحاولت إيران تدارك خلافات قادة القوى الشيعية العراقية عبر عقد صلحٍ في ما بينهم بإشراف مباشر من الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله الذي استضاف، في 9 كانون الثاني/ يناير الجاري، قادة الفصائل العراقية في الضاحية الجنوبية لبيروت.

بدوره، أقنع زعيم تحالف “الفتح” زعيم التيار الصدري بضرورة المصالحة والعمل ضمن جبهة سياسية واحدة.

ويقول الخبير الأمني العراقي وليد الخفاف لرصيف22: “لقاء الصدر والعامري يُعتبر لقاءً حاسماً، إذ أسفر عن موافقة الصدر على التصالح مع قادة الفصائل التي دخلت في خصومة

معه، منذ انشقاقهم عنه”، مبيناً أن “العامري ونصر الله يحاولان لملمة البيت الشيعي وتدعيم الجبهة الداخلية في العراق”.

وكان قادة الفصائل الشيعية في العراق، وهم قيس الخزعلي وأكرم الكعبي وشبل الزيدي وحامد الجزائري وأبو آلاء الولائي، من قادة ميليشيا “جيش المهدي” التابع للتيار الصدري أيام مواجهة الغزو الأمريكي عام 2003 والحرب الأهلية بين عامي 2005 و2007.

هؤلاء انشقوا لاحقاً عن الصدر، وذلك بعد حصولهم على دعم إيراني متصل بتشكيل فصائل أخرى تحت أمرتهم، وهذا ما أفضى الى مناكفة الصدر لهم سياسياً ومواجهتهم عسكرياً في بعض الأحيان.

هيكلة جديدة للحشد الشعبي

في الأثناء، تسعى مختلف الأطراف الشيعية، ومن خلفها إيران، إلى إيجاد بديل لشخصية المهندس الذي كان يعتبر المظلة الجامعة لمختلف الفصائل المتناحرة في ما بينها، في حين أفضت المساعي الإيرانية إلى إعادة هيكلة الحشد الشعبي إثر توافق أغلب زعامات الفصائل على ذلك.

ويقول مصدر مطلع في الحشد لرصيف22: “الهيئة ستكون برأس جديد، وأبرز المرشحين لهذا الدور هو الأمين العام لمنظمة بدر زعيم تحالف الفتح هادي العامري، باعتباره شخصيةً توافقية عليها إجماع من مختلف القوى المساهمة في الحشد الشعبي”، لافتاً إلى أن “العامري يمتلك روحاً قريبة لروح المهندس في احتواء الآخرين”.

“هناك شبه إجماع على تولي العامري إدارة ملف الحشد في الوقت الراهن، ما عدا كتائب حزب الله في العراق التي أبدت تحفظاً على الهيكلية الجديدة”.

ويضيف المصدر: “هناك شبه إجماع على تولي العامري إدارة ملف الحشد في الوقت الراهن، ما عدا كتائب حزب الله في العراق التي أبدت تحفظاً على الهيكلية الجديدة، لكونها لا تريد أن تنزوي تحت قيادة منظمة بدر في الحشد، لاعتبارات خاصة لا أكثر”، مشيراً إلى أن “الإيرانيين يواصلون إقناعها”.

وعن الهيكلية الجديدة، يوضح المصدر تفاصيل أكثر بالقول: “العامري سيرأس هيئة الحشد الشعبي، في حين سيُلغى منصب نائب رئيس الهيئة ويُستبدل بمنصب قائد الأركان، وهو منصب سيذهب إلى كاظم العيساوي، المعاون الجهادي لزعيم التيار الصدري”.

الفياض خارج منظومة الحشد

وفي إطار التحديثات الهيكلية للحشد الشعبي، سيكون رئيس الهيئة فالح الفياض خارج المنظومة، مكتفياً بمنصبه الحالي في مستشارية الأمن الوطني.

ويعدّ الفياض الشخصية السياسية الشيعية المقربة من إيران والتي تقود ملفات عدة داخل المشهد السياسي والأمني العراقي، كما يعتبر عنصراً فاعلاً في تحالف الفتح الذي يقود السلطة في البلاد.

وعن سبب إبعاد الفياض عن الحشد، يوضح الخبير في الجماعات المسلحة قاسم والي أن “طهران تجد من مصلحتها الضغط على حلفائها العراقيين، والتنازل عن هذا المنصب أو ذاك، لديمومة مشروعية فصائلها الموالية”، مبيناً أن “الفياض هو الحلقة الأضعف بين مختلف الشخصيات العسكرية والأمنية والعسكرية الفاعلة في العراق، لكونه سياسياً أكثر منه ميليشاوياً، ولا يمتلك فصيلاً يمكن أن يهدد بالتمرد أو العصيان”.

ويقول والي في حديثه لرصيف22: “الفياض يحتفظ في الوقت نفسه بمنصبه الرفيع داخل الدولة العراقية، وهو منصب مستشار الأمن الوطني العراقي، أما إدارته هيئة الحشد الشعبي فكانت شكلية، على اعتبار أن الجنرال أبي مهدي المهندس كان القائد الفعلي للحشد”.

ويفصّل والي كلامه شارحاً أن “مجيء الفياض للحشد كان ضمن مساحة سياسية نتيجة التعاون الرسمي بين الحكومة السابقة برئاسة حيدر العبادي والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة داعش، فيما كان من الصعوبة وضع المهندس رئيساً للهيئة وهو في الوقت نفسه كان مصنّفاً على قائمة الإرهاب من الإدارة الأمريكية”