الجمعة: 26 أبريل، 2019 - 20 شعبان 1440 - 02:16 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 11 أبريل، 2019

عواجل برس/متابعة

لا غرابة حين يلتقي الإنسان العراقي أي قريب من السلطة العراقية، فيقول له: “احمدوا الله وسبحوا بحمده صباحًا ومساءً لأنكم تعيشون في ظلال الديمقراطية”، وينطلق هذا القول من تجربة العراقيين مع الاستبداد في أيام النظام البعثي برئاسة صدام حسين، إذ كان “للجدران أذان تسمع” كما هو المثل الشائع، فيخاف منها الناس، ولا يتحدثون أمامها لأنها ستؤدي بهم إلى الإعدام أو إذا لطف بهم الخالق إلى السجن المؤبد.

يشهد الفيسبوك في العراق حالات متعدّدة يجد من خلالها الإنسان العراقي نفسه أمام سلاح العشيرة أو الميليشات بسبب “بوست”

لكن الفخر بـ”الحرية” الذي يقوله مقربو السلطة والذي يقتصر على حقبة ما بعد سقوط صدام حسين واستبدال حكمه من قبل الاحتلال الأمريكي، لا يتضمن الحقيقة كاملة، حيث إن نظام الديمقراطية التوافقية بأصله يعطي حقًا للجماعة الطائفية أو العشائرية أو العرقية ويتجاهل الفرد، فضلًا عن أن الأخير لا يساوي شيئًا أمام شوكة الجماعة بسلاحها الذي يوازي سلاح الدولة، وإذا كان البعث هو العدو الوحيد الذي يترقب العراقي ملاحقته في 35 عامًا مضت، فاليوم يستطيع الجميع أن يلاحق ويقتل ويسجن ودون أن تعرفه أو تشخصه، ميليشات كان أم عشيرة أم سلطة.

 

منذ أن دخلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى العراق، صارت خاضعة أيضًا للمعايير التي يضعها الثلاثي المتنفذ: السلطة والميليشات والعشيرة. وبين الثلاث هناك تحالف غير معلن، حيث يحمي أحدها الآخر ويستمد كل منهم قوته من خلال الدعم المتبادل والسلطات الموزعة لاستخدامها على حركة المجتمع والأهم على كلمته.

شهد الفيسبوك، باعتباره الموقع الأكثر رواجًا في العراق، حالات متعدّدة يجد من خلالها الإنسان العراقي نفسه أمام سلاح العشيرة أو الميليشات بسبب “بوست” لا يتعدى المائة كلمة، حتى وإن كان المكتوب سياسيًا، يخص عشيرة سياسيّ ما في محافظة عراقية، أو يتحدث عن نقد اجتماعي، كما حصل مع صحفي نقل أحداث معركة عشائرية فوجد نفسه واقعًا بين سلاح العشيرة لا يخلصه من نارها إلا بضعة ملايين عراقية يدفعها كدية للعشيرة التي نقل معركتها بشكل صحفي.

لكن وصول هذه الظواهر إلى المعترك الثقافي يشكل فضيحة ما، بالرغم من أنه ليس غريبًا مع الأسماء التي صنعتها مواقع التواصل الاجتماعي ودور النشر التي لا تحركها أي ضوابط أو معايير أخلاقية وأدبية وفكرية، سيكون من الطبيعي أن تسمع إن مقالة نقدية أدّت بصاحبها إلى أن يجلس ويعتذر ويعطي تعويضًا ماديًا لعشيرة مؤلف كتاب نصوص أدبية، إضافة إلى أنه تعرض للضرب حتى لا “يكرر” جريمة النقد.

يقول الشخص الذي تعرض للضرب بسبب مقالة، مشددًا على عدم الكشف عن اسمه لئلا يتكرّر هجوم العشيرة عليه، إنني “قرأت قبل مدة كتاب وهو مجموعة من النصوص لكاتبة من محافظة السماوة، وكقارئ أهوى الأدب فأني اكتشفت الكثير من السرقات التي تضمنها الكتاب، ما دفعني إلى كتابة دراسة نقدية تبيّن هذه السرقات للناس والتهافت التي وقعت به الكاتبة”.

يبيّن الكاتب في حديثه لـ”ألترا صوت”، أنه “تم نشر الدراسة وتفاعل معها الناس وأشادوا بها وبعضهم وبخوها على صنيعها السيئ”، لافتًا إلى أنه “في اليوم التالي اتصل بي زوجها طالبًا لقائي في محافظة الديوانية قرب إحدى المكتبات، ووصل ليلًا مع مجموعة من الضباط لا أعرف هل هم من أقاربه أو لا”.

وأضاف: “أخذوا هاتفي الشخصي بالقوة وبدؤوا يفتشونه فأخبرت أحد الضباط الذي يحمل مسدسًا بوجود صور عائلية، فضربني على يدي وقال: أصمت”، مشيرًا إلى أنه “وبعد جولة تفتيشية في هاتفي، أمرني الضابط أو كما يسموه بذلك، بحذف الدراسة النقدية وتقديم اعتذار إلى الكاتبة عبر صفحة الفيسبوك، وإلا فأن الموضوع سيتطوّر وتتعرّض الى التعذيب وتعترف على قضايا لا علاقة لك بها”، في إشارة إلى الاعتراف بقضايا تتعلّق بالإرهاب، ربما تؤدي بالكاتب إلى الإعدام أو السجن المؤبد في أحسن الحالات.

وأوضح، أن “الضابط رفع صوته عليّ، وقال: الآن احذف المنشور وقدّم اعتذار وإلا شنقتك على عمود الكهرباء”، مبينًا: “وافقت على هذه الشروط وعدت إلى البيت مشيًا على الأقدام بعد أن عرفت أنهم يراقبونني”.

ويتابع: “اتصل بي الضابط في صباح اليوم التالي وأخبرني أنه سيحوّل الأمر إلى موضوع عشائري، قائلًا إليّ سأتهمك بقضية تحرش، مستدركًا: “كيف ولماذا لا أعرف، لكنه قام فيما بعد بتفعيل حساب وهمي ينتحل به شخصيتي وباتفاق مع الكاتبة، فأنه أرسل رقمي وكل تفاصيلي إلى الكاتبة وقاموا بتصوير الرسائل وأظهروني بمظهر المتحرش”.

وأشار إلى أنه “اتصل بعشيرتي، فما كان منهم إلا الرضوخ إلى الأمر لعدم معرفتهم بالقضايا الالكترونية وقد دفعت مليون دينار (يعادل 800 دولار) إلى السيد الذي توسط لحل الموضوع وتعهد بـ 25 مليون بعدم التعرض إلى نقد الكاتبة مرة أخرى”.

خلاف لغوي يؤدي إلى تهمة “الإرهاب”

لا يقتصر الأمر على قضية النقد الأدبي فقط، لكن الاختلاف في النقاش ربما يؤدي إلى السجن والحرمان من الدراسة الجامعية، وفي حالات، تؤدي إلى الحرمان من الحياة إلى الأبد، مع تجاهل المأثور “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”، وقد تحدّث طالب دراسات عليا من محافظة ذي قار إلى “ألترا صوت”، طالبًا عدم الكشف عن اسمه بسبب تعهد قدّمه أيضًا، إنني “كنت جالسًا في مكتبتي فجاءت قوة من مكافحة الإرهاب، وأخذوني عنوةً ومن دون أي كلام إلى مقر المكافحة، ولولا تدخل الأهل والأقارب لما توقفوا عن ضربي وتعذيبي، مبينًا: “كانت امتحانات الدراسات العليا لم تزل جارية ما أدى الى حرماني من أدائها”.

وأضاف: “تهمتي كانت وفق المادة (4 إرهاب) والسبب يعود إلى حادثة حرق سيارة لواحد من اساتذتي في المرحلة العليا قبل أكثر من ثلاث سنوات وقد اتهمني بالحادثة، موضحًا: “السبب يعود لأني كنت دائمًا اختلف معه في الدرس، مشيرًا إلى أنه “قبل مدة اختلفت معه في تحديد معنى مصطلح لغوي وذكرت له كل الأدلة المتوفرة عندي فأبدى انزعاجه وامتعاضه الشديد فما كان منه إلا اتهامي بحادثة حرق السيارة قبل ثلاثة سنوات”!.

 الجامعة، ومعها المعترك الأدبي، في العراق صارت أشكالًا تعبيرية عن ثقافة الميليشات التي ليس لها حل إلا في السلاح وإسكات الخصوم به

ولفت إلى أنني “وضعت محامي ودفعت الكثير من الأموال (لأجل المحكمة) والحمد لله خرجت براءة بعد أسبوع كامل مع تعهد بعدم ذكر الموضوع وازعاج الأستاذ مرة أخرى”.

 

يصل هذا الرعب وإرهاب أصحاب الرأي إلى مواقع من المفترض أن تتسع من خلالها ثقافة تقبل الآخر، وعدم الخوف من النقد، ومواجهته بالنقد والفكر، لكن الجامعة ومعها المعترك الأدبي، فضلًا عن الأوساط الأخرى في العراق صارت أشكالًا تعبيرية عن ثقافة الميليشات التي ليس لها حل إلا في السلاح وإسكات الخصوم به، يحدثنا مصدر عن أحد الذين يعتبرون من الشعراء والمثقفين المشهورين، يقوم بجمع الأسماء التي تنتقد الميليشات وإيران والمسؤولين المدعومين منها، ويساهم بإبعادهم من عملهم في الصحافة بالقوة، فضلًا عن تقديم أسمائهم إلى الميليشات للتفاهم معهم وتعليمهم على السكوت أمام كل الظواهر.