الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 10:46 مساءً
ثقافة وفن
الأثنين: 19 فبراير، 2018

هيفاء زعيتر

لا تزال مواقف المفكّر الفرنسي ميشال فوكو الدفاعية عن ثورة الخميني في إيران عام 1979 تثير الجدل، بعد مضيّ حوالي أربعين عاماً على إطلاقها، وأكثر من ثلاثين عاماً على وفاة صاحبها.

حضرت آراء صاحب “أركيولوجيا المعرفة”، الذي زار إيران كصحافي مرتين بين 16 و24 سبتمبر وبين 9 و15 نوفمبر من عام 1978، في حجج المدافعين عن نموذج الثورة الإسلامية كما حضرت كثيراً في كتابات تنتقد آراء المفكرين السياسية في قضايا العالم.

وكُتب الكثير عما نقله فوكو في سلسلة تحقيقات للصحيفة الإيطالية الشهيرة “أخبار المساء” (Corriere della sera)، نُشرت لاحقاً في كتاب “فوكو صحافياً، أقوال وكتابات”.

وأتت آراء فوكو في وقت كانت الصحافة الدولية متفاجئة من السقوط السريع لنظام الملكية الذي سماه فوكو “نظام التحديث الزائف”، ومن صعود نظام ديني يهدّد بعودة الأنظمة الثيوقراطية التي كانت الحداثة الغربية قد انتصرت عليها منذ الثورة الفرنسية.

لكن أبرز ما احتفظت به الذاكرة من حماسة فوكو للثورة الإيرانية مديحه للانتفاضة الشعبية (كان يؤمن بنجاح الانتفاضات وفشل الثورات) ووصفه للمناخ الثوري بـ”الروحانيّة السياسية” التي قال إنها يمكن أن تغيّر المشهد السياسي في أوروبا، وبالتأكيد في الشرق الأوسط.

قبل أيام، نشرت مجلة “لونوفيل أوبسرفاتور” الفرنسية حواراً مع فوكو أجرته معه عام 1979 وبقي أسير أرشيفها إلى أن اكتُشف في العام الماضي، ونشر بعد موافقة العائلة. ظهر الفيلسوف الفرنسي على صفحاتها ليشرح منطلقات اهتمامه بالثورة الإيرانية، ويدافع عن رأيه بالروحانيّة كقوة سياسيّة.

في المقدمة التي كتبها للحوار، يقول إريك آيشيمان إن فوكو اتُّهم بالتعامي عن مخاطر النظام الإسلامي، ووقع تحت سحر البعد الديني للثورة، لكن “الوثيقة الرائعة” المكتشفة تقدم إضاءة حاسمة على الجدل المثار بشأن رأيه بـ”الروحانيّة السياسية”.

وتكمن قوة ذاك الحوار، الذي اكتشفته سابينا فاكارينو بريمنر، وهي طالبة دكتوراه في الفلسفة، في المكتبة الوطنية الفرنسيّة، في قوة فوكو نفسه كمفكّر.

يشرح آيشيمان أن ما قاله فوكو “قابل للنقد لأنه خفّف من خطر استلام الملالي للحكم لصالح حماسته الفائضة للثورة، وأخّاذ لأنه تعبير عن قناعة مطلقة ميّزت جميع أعماله، بأهمية مواجهة كل السلطات والبدء بالاستماع إلى أولئك الذين يقومون بفعل المقاومة والتمرّد والمعارضة”.

سرّ الإقبال على الموت… ورفض الحداثة

برأي فوكو، حين يتحوّل الأمر إلى مواجهة مع السلطة القائمة، يصبح ما رآه في إيران روحانيّة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما وجده في انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني تحت الحكم الشيوعي، وما وجده في البوذيّة… فهذه الأمور كلها رموز لـ”الإرادة الروحانيّة” كوسيلة لـ”رفض العالم” ولا يمكن إدانتها بل من الضروري الترحيب بها ورؤية “إمكانيات العمل من داخلها”.

سُئل فوكو في المقابلة عما كتبه عن أن “إيران كانت تبحث عن شيء نحن، الغربيون، كنا قد نسينا إمكانية إيجاده منذ عصر النهضة والأزمة الكبرى للمسيحية، أي الروحانية السياسية”.

وجاء جوابه: “كنت أحاول معرفة ماهيّة تلك القوة، القوة الدائمة التي باستطاعتها الوقوف في وجه نظام رهيب، مروّع، مسلّح ومدعوم بجهاز شرطة ضخم يواجه شعباً أعزل. لا أدري إن كان هؤلاء يخبئون بعض السلاح، ولا بدّ أن يخبئوه ولا بدّ أن يكون قليلاً، لأنهم لم يستخدموه بعد بينما يسقط يومياً عشرات وعشرات القتلى”.

يتابع فوكو: “ما هي إذاً تلك القوة ذات الإرادة الفظة، العنيدة، المتجددة يومياً التي تُقبِل على الانتفاضة وتقبل التضحيات، تضحيات الأشخاص بأنفسهم؟ من الجليّ أنها ليست من طينة الأيديولوجيات السياسية كالماركسيّة أو الأيديولوجيات الثورية على الطريقة الغربيّة. إنها من مكان آخر”.

أقوال جاهزة

شاركغرداتُّهم ميشيل فوكو بالتعامي عن مخاطر النظام الإسلامي، وبالوقوع تحت سحر البعد الديني للثورة الإيرانية… حوار مع الفيلسوف الفرنسي يكشف رؤيته لدور “الروحانية السياسية”

شاركغردفوكو في حوار عن الثورة الإيرانية: الروحانية جذر كل التغيّرات السياسية والثقافية الكبرى

في الحوار، جرت استعادة النظرية التي كانت رائجة في أوروبا بشأن الأزمة الإيرانية وفسّرتها بأنها نتيجة أزمة التحديث/ العصرنة السريعة التي شهدتها إيران.

لم يُبدِ فوكو ترحيباً بهذا التفسير. فبرأيه “يمكن للإيرانيين القول نحن نرفض ذاك التحديث، وهذا النظام (نظام الشاه) يلزمنا بوتيرة تنمية تناسبه، ويفرض علينا بنى سياسية لا طاقة لنا على احتمالها، ولا نريد أن ندفع ثمناً كهذا للتحديث المفروض علينا”. مع العلم، يعقب فوكو، إنهم لا يقولون كل ذلك.

أناس يشبهون الخميني

ينتقد مفكّر ما بعد الحداثة مفهوم الحديث نفسه. يعبّر عن اعتقاده بأن ما كان يجري في إيران، مستنداً كذلك إلى ما كان يجري في تركيا، ليس حداثة بل هو أقرب إلى الأشياء القديمة المُعاد تدويرها.

ويربط تلك الأشياء بـ”الكمالية” (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك)، القائمة على نوع من إعادة الهيكلة للمجتمعات المسلمة والإسلامية بإسقاط نمط مُستقدَم من الغرب عليها. وبرأيه، هي مخطط جرى تطويره في العشرينيات من القرن الماضي من قبل كمال أتاتورك، وطبقه رضا بهلوي علناً بين عامي 1938 و1940، ثم طُبّق بشكل مبطّن لاحقاً.

في المقابل، والكلام لفوكو، كانت هناك شرائح واسعة من المفكرين إلى العمال في مصانع عبادان (جنوب غرب إيران) وتجار طهران إلى الفلاحين شرقي إيران، وبشكل أعم رجال الدين، ترغب بالإسلام وبشكل آخر من الحياة: ليست الحياة القديمة، إذا ما قارناها بالمعاصِرة، ولكنها نوع خاص من الحياة يرتبط بالدين.

“فهل يكون الديني في ظروف محددة فضاءً اعتراضياً للمقاومة ضد الدولة؟”. يستغل فوكو السؤال ليوضح ما قصده بـ”الروحانيّة” بشكل أكثر دقة. يقول: “لا بدّ من التفريق بين الروحانيّة والدين”. يتعجب لخلط الناس بين مفاهيم كالدين والروحانيّة (spirituality) والاتجاه الروحاني (تواصل الأرواح مع الأحياء عبر وسيط) (spiritualism). وبرأيه يمكن إيجاد الروحانية داخل الدين، لكنها موجودة كذلك خارجه.

ما هي الروحانيّة إذاً؟

حسب فوكو، هي الممارسة التي حوّلت الإنسان ونقلته وجعلته مضطرباً إلى حدّ تخليه عن فردانيته، وهي ألا نبقى موضوعاً لسلطة سياسية، وأن نكون قادرين على الانتفاض على المكانة التي فرضتها علينا سلطة سياسية أو دينية أو عقيدة أو إيمان أو عادة أو بنية اجتماعية.

ويضيف: “إنها الروحانية التي تعني أن نكون غير ما نحن عليه. والأكيد أن الأديان هي وعاء لهذه الأنواع من الروحانية ولممارساتها وحدودها. تحدد الأديان الشكل الذي يصبح عليه الإنسان عندما لا يعود نفسه، وأي اتجاه يسلك، وفي أية مرتبة يصير”.

من هنا، هل تحمل الشيعيّة الإيرانيّة، التي تسمح اليوم بهذا النوع من المقاومة ضد الدولة، قيوداً في ذاتها؟

يجيب فوكو بأن الانتفاضات الكبرى، السياسية والاجتماعية والثقافية، لم يكن لها أن تحجز مكاناً في التاريخ إلا عبر الحركة الروحانية. كل شيء يتغير في المعتقدات وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية وأساليب الطاعة السياسية والهرمية الاجتماعية والممارسات الاقتصادية. كل شيء يجري تعديله.

ويثبت تاريخ الانتفاضات والثورات لفوكو كيف يمكن اعتبار الروحانية جذر كل التغيرات السياسية والثقافية الكبرى، وكيف يمكن للدين أن يلعب دوراً حاسماً في التغيّرات، ولكن في الحالة الإيرانية، كانت الروحانية وليس الدين هي ما لعب هذا الدور.

هل تبرّر طبيعة القضية طبيعة الردّ؟

يوضح فوكو أن الشعب الإيراني عانى من الظروف الاقتصادية التي فُرضت عليه، ومن النظام البوليسي الذي لا يُطاق، ومن “سلب” الموارد الطبيعية الذي مارسه كل من النظام والأمريكيين.

المشكلة هي في معرفة طبيعة ردّ الإيرانيين على كلّ ذلك. وبرأيه، المؤكد أن الدين الإسلامي هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يمدّ الإيرانيين بشكل فاعل بتلك الروحانيّة، أي بإرادة ألا يكونوا على ما هم عليه، وأن يتحولوا، بشكل ملموس ومحدد ومنظم، إلى حركة سياسية.

ولكن، كيف يمكن لفوكو، من خلال كتاباته عن إيران أن يوحي بأن الخميني، العائد إلى نهج أقل تقدميّة، يمتلك كل أنواع الفضائل؟

يقول فوكو إن الفشل الكبير لمشروع الثورة المبنيّة على أسس علمية، والفشل الكبير للثورة التي تفضي إلى دولة تُدار على أساس عقلاني يضمن رفاهية أفرادها، هذا الفشل هو واحد من الأسباب التي أدت إلى ظهور إرادة الروحانية بشكلها المجرّد. وبرأيه، إذا أردنا إلباس تلك الحركة لباساً ما، لا يمكن أن يكون سوى اللباس الديني.

وعن المأخذ الأبرز الذي ساقه الباحثون والكتاب طويلاً بشأن تعاميه عن مخاطر قيام النظام الديني، وهو شكل أصولي مرعب قد يكون أكثر قمعية، كان جواب فوكو، عام 1979، أنه يساوي بين مخاطر الحوكمة المستوحاة من الغرب وتلك الآتية من حكم ديني.

خطر التطرّف الديني

يقول فوكو: “حين نطرح مسألة الأقليات الدينية في نظام إسلامي، يأتي جواب القرن الثامن عشر، الكلاسيكي والبديهي بقدر ما هو خطير، من جهة بأن ‘الأكثرية هي التي تضع القانون وتحدد وضع الأقليات’. ومن جهة أخرى، يفسّر الأشخاص أنفسهم كيف أن البهائية، مثلاً، المتواجدة في إيران خاطئة ومغلوطة، والتسامح معها لا يمكن أن يكون موضع نقاش”.

هكذا يحمّل فوكو الفكر الغربي العقلاني المنبثق من الديمقراطية اليعقوبية (الجناح الراديكالي الدولتي في الثورة الفرنسية)، مسؤولية تعزيز مخاطر التطرف الديني.

مَن تكلّم معهم فوكو في إيران مطولاً قالوا إنهم واعون تماماً لتلك المخاطر، والمشكلة تكمن لديهم في معرفة ما إذا كانوا قادرين، من خلال الإسلام الذي يقع في صلب تراثهم ووعيهم الوطني، وهو في الآن نفسه أداة مقاومتهم ومبدأ نهوضهم، على الاستفادة مما يمكن أن يجنبهم تلك المخاطر.

المشكلة، حسب فوكو، تكمن في العالم الحالي. بالنسبة للإيرانيين وكذلك لأي كان غيرهم، المشكلة هي ما يمكن أن نفعله بالإرادة الروحانية حين تعاود الظهور عارية تحت أنقاض الآمال الثورية العظيمة، وتتجسد في هذه الحالة في الإسلام، وتتجسد في حالات أخرى في المسيحية.

أخبار زيارة فوكو لإيران على لسان رفيقه

أرفقت المجلة الفرنسية مقابلة فوكو بشهادة لرفيقه الباحث الاجتماعي دانييل ديفير شرح فيها أسباب حماسة المفكر الفرنسي للانتفاضة الإيرانية وكواليس لقاءاته مع مقربين من الخميني.

في صيف 1978، تخوّف المراقبون من استيلاء الجيش على الحكم بمساعدة الاتحاد السوفييتي، لكن فوكو لم يقتنع بذلك. كان مأخوذاً بعلاقات الأخوة المبنية بين الشعب والجيش، بفضل رابط الإسلام.

خلال زيارته الثانية إلى إيران، حين كان لا يزال الخميني في فرنسا، دعاة قائد الطائرة الإيرانية إلى قمرة القيادة ليقول له “بلدك مسؤول عن كنزنا الوطني. اهتموا به جيّداً”. تأثر فوكو بذاك الرجل ذي الخلفية التقنية الذي يحمّل آماله لرجل عجوز.

في يومه الأول في طهران، التقى فوكو محمد كاظم شريعتمداري ومهدي بزركان الذي سيصبح لاحقاً أول رئيس حكومة بعد سقوط الشاه. استمع حينها إلى شرح حول التشيّع كحركة اعتراضية ضد السلطة، وهذه الرؤية للتشيّع أغوت فوكو المتحمس دائماً للحركات الاعتراضية الدينية.

في اليوم نفسه، وصلته رسالة إلى الفندق حيث يقيم مفادها: “أود أن أعرض عليك برنامجنا للحكومة الإسلامية. ستصل سيارة ليموزين لتقلك عند الثامنة مساء. أتمنى عليك اتخاذ كافة تدابير الحيطة”.

كان ينتظره شخص في إحدى ضواحي طهران، وقال له عند اللقاء: “سيدي، أنا كنت تلميذك في هامبورغ. أنا مقرّب من الإمام آية الله الخميني. سأشرح لك البرنامج”.

يقول ديفير: “بعد ثلاث سنوات، وبعد اغتيال العديد من أعضاء حكومة الخميني، أطلعني فوكو على صورة طالبه. كان آية الله (محمد) بهشتي… ومنذ عام جاءني فريق من تلفزيون إيراني ليسألني في مقابلة عن فوكو، وسمعت منه أن بهشتي كان ثاني أقوى الشخصيات في الثورة بعد الخميني ولو بقي هؤلاء، لكانت الثورة مختلفة”.

يتابع ديفير: “أعتقد أن لقاءه ببهشتي كان وراء مقالته ‘بماذا يحلم الإيرانيون؟’”، وفيها قال إن القرآن لا يجيب عن كل شيء، ولكنه يحوي المفاتيح الأساسية، ومنها “ما يعتبر ملكية عامة (مثل الماء والأرض) لا يجوز تخصيصه لأي شخص؛ سيتم احترام الأقليات وحرياتهم طالما أنهم لا يضرون بالأغلبية؛ بين الرجال والنساء لن يكون هناك عدم مساواة بل مراعاة للاختلاف؛ وكل شخص، كما يقول القرآن، لديه الحق في الوقوف في وجه المسؤول ومحاسبته”.

ونشر فوكو المقال في أسبوعيّة “لونوفيل أوبسرفاتور” الفرنسيّة لعام 1978، ومما جاء فيه كذلك: “يمكن فهم الوضع في إيران على أنه منافسة تحت شعارات تقليدية، بين ملك وقديس ورع، بين حاكم مسلّح ومنفيّ مسكين، بين طاغية ورجل دين خالي الوفاض إلا من دعم الشعب له”.

كما ذكر فوكو تياراً أقلوياً يتجاوز الشيعية إلى شكل أقل مأسسة وأكثر روحانية، تياراً متصوفاً غامضاً، أُعيد تنشيطه عبر علي شريعتي.