الثلاثاء: 12 ديسمبر، 2017 - 23 ربيع الأول 1439 - 12:44 صباحاً
على الجرح
الخميس: 7 ديسمبر، 2017

د.حميد عبدالله

ثبت لمن يتابع معارك العبادي ان لكل معركة ميعاد ، ولها ساعة صفر يحددها العبادي بنفسه بعد ان يستكمل مسلتزمات المواجهة!

انطلقت صفحات الحرب على داعش بمواقيت دقيقة حددها القائد العام للقوات المسلحة ، وحسمت تلك الصفحات بنصر لايحتمل الشك والتشكيل ، وباعلان رسمي حرص العبادي أن يجعل منه (بيان البيانات ) ، وخاتمة الكر والفر ، في واحدة من اشرس المعارك في التاريخ الحديث!

اما معركة التقسيم فقد حسمت بصمت وهدوء ، كانت الحكمة والصبر والتأني وسعة الافق ونبذ المهاترات اكثر الاسلحة فتكا فيها! ماكان لاحد ان يتصور عودة كركوك الى سلطة بغداد من غير تضحيات ، ولا دم ، ولا اقتتال بين ابناء الشعب الواحد ، وهي التي ظلت ( قدس الاقداس) للكرد، و(محفظة المال ) لبقية العراقيين !

بذل الاكراد التضحيات بسخاء، وخاضوا مفاوضات عسيرة مع الحكومات العراقية للظفر بمدينة (الذهب الاسود) الا انهم ظلوا ينظرون اليها بعين حسيرة ، وارادة كسيرة ،وحين نجح العبادي باستعادتها خلال ساعات اصيب القادة الكرد بحالة من الدوار لم يصحوا منها حتى اللحظة!

الآن بدأنا نسمع زمجرات المعركة الاكبر والاخطر، وهي معركة الفساد الذي هو الاب الشرعي لداعش والتقسيم والفوضى واضعاف الدولة وضياع المجتمع!

هل اخطأ العبادي بتراتبية المعارك؟ هل كان الاحرى به ان يبدأ بمواجهة الفاسدين وتسقيطهم اولا ليكون الطريق سالكا امامه لاستئصال ذيولهم وزعانفهم واذرعهم ؟

لو فعل ذلك لكان عليه ان يقاتل على جبهات متعددة، ويواجه جميع اعدائه دفعة واحدة ، وعندها سيضيع ويكون خاسرا لامحالة! اذن المعارك اتت بالتتابع وحسب الاوليات ، وقد جاء الدور على الفساد ليكون اندحاره فاتحة عهد جديد لعراق جديد وزمن جديد !

بخلاف المعارك السابقة فان معركة الفساد قد تبدأ من خارج العراق وليس من داخله ، وساحتها ستكون في عواصم عربية قريبة واجنبية بعيدة ، وفرسانها رقباء ومدققون وخبراء مال ، اما العدو الابرز والاشرس فيها فهم ساسة كبار يتحدثون عن (الوطنية) و(الدين ) و( الجهاد )و(الشرف) بصوت عال وهم اول من قايضوا الوطن بصفقة فساد ،وفي مقدمة من افسدوا الدين ، وتاجروا بالجهاد ،وضللوا الناس بلبوس التقوى، وتعويذات الزهد والتدين !

هؤلاء من وصفهم العبادي بانهم ( يحتالون باسم المذهب) وما اكثر المحتالين واقل الصادقين في هذا الزمن الاغبر!!

مايجعل معركة الفساد اكثر تعقيدا هو البيئة السايكلوجية للمجتمع العراقي التي تشبعت باليأس ،والاحباط من اصلاح حالة الانحراف التي دفعت بالبلاد الى هاوية سحيقة من الخراب ، حتى صارت اية صيحة للاصلاح واقتلاع الخلايا السرطانية للفساد اشبه بالخدعة او النكتة السمجة عند الغالبية العظمى من المسحوقين والمغلوب على امرهم.. المهددين بامنهم وامانهم ومستقبلهم ولقمة عيشهم!

تجربتنا مع حيدر العبادي تؤشر مستوى مطمئنا من الثقة في تصريحاته واقواله ، وهنا علينا ان نفرق بين النيات والافعال التي تترجم صدقيتها ، فعلى مستوى النيات اخرج الرجل سيف التغيير من غمده لكن السؤال هنا : هل ان سيف العبادي على درجة من المضاء تمكنه من جز الرؤوس الكبيرة ام انه سيف من خشب كما يقول نزار قباني ؟

يا ابن الوليد.. ألا سيفٌ تؤجره؟

فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

حاول العبادي في مستهل ولايته اقصاء نواب رئيس الجمهورية لكنهم التفوا على قراره ،وعادوا الى (عروشهم ) من نافذة القضاء المسيس!

لم يحدث خلال السنوات التي اعقبت الاحتلال ان اقتيد مديرون عامون تسندهم قوى سياسية نافذة من مكاتبهم الى السجون وهذا حدث في عهد العبادي!

لم يحدث طيلة 14 عاما من عهد المحاصصة والفساد ان يتصدر المؤسسة العسكرية ضباط على درجة عالية من البسالة والشجاعة والكفاءة والنزاهة وهذا حدث في عهد العبادي

لم يحدث ان زغردت نساء المنطقة الغربية لجنود وضباط من الناصرية والبصرة وكربلاء والنجف زحفوا لتطهيرمدنهن من ادران داعش وهذا حدث في عهد العبادي

لنتذكر ان العبادي ليس طليق اليد فيما يتخذ من قرارات ، وليس دكتاتورا يقول للاشياء كوني فتكون ، انه نتاج معادلات معقدة تفرض عليه قيودا ، وتكبله بتوازنات لايستطيع القفز فوقها مهما اوتي من قوة!

رغم ذلك فان الرجل رسم خارطة طريق واضحة بالنسبة له مبهمة بالنسبة لنا، لكبح غول الفساد ، وضرب رؤوسه !

علينا ان لانستبق التفاؤل بالياس ، ولا نقدم الاحباط على البسالة والاقدام في مواجهة حيتان اللصوصية وسراق المال العام!

التسريبات شبه المؤكدة تقول ان العبادي اعلن ساعة الصفر لانطلاق معركة الفساد وان المعركة انطلقت بالفعل ، وان الرجل حدد اهدافه بدقة وحدد سبل الوصول اليها!

ليس بالضرورة ان يكون الخط المستقيم هو اقصر الخطوط الموصلة للفاسدين الكبار ربما تكون الخطوط المتعرجة او الملتوية هي الاسهل!

اعني هنا ان ضرب الفاسدين لا يتم بالضرورة باستهدافهم بنحو مباشر انما يبدأ بقصقصة اجنحتهم ، واستئصال زعانفهم !

قريبا جدا سنسمع اعترافات لفاسدين صغار وضعوا وراء القضبان تضع الفاسدين الكبار في دائرة الجريمة وليس في اطار الشبهة، قريبا سيتبدد الاحباط الذي تلبسنا سنين طويلة بضربات تجعل الفاسدين في حالة ذهول وحيرة

قريبا سنرى وجوها حائرة تتلفت ذات اليمين وذات الشمال فلم تجد ناصرا ولا معين، عندئذٍ سنتيقن ان سيف العبادي ممشوق بارادة قوية لاتعرف المهادنة والخنوع ..انها تمنيات مشفوعة ببعض الحقائق التي تدعو للتفاؤل والامل …قولوا آ مين