السبت: 14 ديسمبر، 2019 - 16 ربيع الثاني 1441 - 02:06 مساءً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 19 نوفمبر، 2019

ميزر كمال

الآن وخلال كتابة هذا التقرير، أطلقت قوات مكافحة الشغب الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين العُزَّل في منطقة باب المعظَّم وقرب جسر الشهداء في العاصمة العراقية بغداد.

مر 13 يومًا على انطلاق المرحلة الثانية من تظاهرات العراق، وبعد سقوط 100 قتيل وأكثر من 4 آلاف جريح ما يزال المتظاهرون في العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية يواصلون اعتصامهم المفتوح وعصيانهم المدني، لكن في بغداد بدأت الاحتجاجات تأخذ طابع الاستحواذ على المناطق والمواقع الإستراتيجية في المدينة، ومن تلك المواقع الجسور التي تربط جانبي المدينة (الكرخ والرصافة) ببعضمها على نهر دجلة، فالمتظاهرون وحتى وقت كتابة هذا التقرير أغلقوا أربعة جسور من أصل 13 جسرًا في بغداد حتى باتت المنطقة الخضراء فيما يشبه الحصار.

«مذبحة كربلاء».. قصة المليشيات التي قتلت متظاهري العراق في مدينة الحسين

جسر الجمهورية.. خط الصد الأول

أهمية جسر الجمهورية تكمن في كونه حلقة الوصل بين المنطقة الخضراء وساحة التحرير، فعبور الجسر من جهة ساحة التحرير يعني الدخول في المنطقة الخضراء شديدة التحصين والتي تضم مقار الرئاسات العراقية الثلاثة (رئاسات: الجمهورية، والوزراء، والبرلمان)، بالإضافة إلى مقار البعثات الدبلوماسية الأجنبية، وأهمها مقر بعثة الأمم المتحدة والسفارة الإيرانية والسفارة الأمريكية.

 

مع اندلاع الموجة الأولى من التظاهرات مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019 والتي استمرت أسبوعًا كاملًا، وانتهت بسقوط 157 قتيلًا من المتظاهرين وأكثر من 8 آلاف جريحٍ كانت القوات الأمنية تسيطر على جسر الجمهورية بالكامل، وتتمركز عند مداخله من جهة ساحة التحرير، كذلك فإنَّ القناصة الذين استهدفوا محتجين كانوا يتمركزون على أسطح البنايات العالية المطلة على الجسر وساحة التحرير، ومن أهمها بناية المطعم التركي، والتي باتت تُعرف فيما بعد بـ«جبل أحد» بعد سيطرة المتظاهرين عليه في موجة التظاهرات الثانية.

 

في الخامس والعشرين من أكتوبر اعتلى المتظاهرون بناية المطعم التركي المطلة على ساحة التحرير وجسر الجمهورية، وسيطروا على مقدمة الجسر من جهة الرصافة، لكن هذه السيطرة كلفت المتظاهرين عشرات القتلى ومئات الجرحى، ويعتقد المتظاهرون أن البقاء على الجسر والدفاع عن مواقعهم يعزز تأمين الحشود البشرية في ساحة التحرير كذلك مئات الشباب المرابطين في بناية المطعم التركي، أو جبل أحد كما يحلو لهم تسميته.

المتظاهرون العراقيون على جسر الجمهورية

عباس حسين، أو عبوسي كما يلقبه رفاقه، أحد شباب «الخط المتقدم» وهو مصطلح يُطلق على المتظاهرين الذين يقفون على المتاريس الحديدية المقابلة تمامًا لقوات مكافحة الشغب في النصف الثاني من الجسر، يحكي لـ«ساسة بوست» عن الأسبوعين الماضيين اللذين أمضاهما هناك: «لا نفكر بترك الجسر، خسرنا عشرات الشباب عليه من أجل إبعاد قوات مكافحة الشغب، والتراجع عنه يعني السماح للحكومة بإنهاء وجود المتظاهرين في ساحة التحرير وجبل أحد».

 

عن صمودهم على الجسر يقول عبوسي: «نحن شباب الخط المتقدم لا نغادر الجسر إلا للعلاج أو الاستحمام، ومن يغادر عليه أن يعوض النقص برفيق له، وأصحاب التكتك من خلفنا دائمًا في حال حدوث أي إصابة، أحيانًا قوات مكافحة الشغب تطلق القنابل المسيلة للدموع بشكل أفقي علينا، وهذا يسبب وقوع ضحايا، لقد سقط أمامي عشرات الشباب، وأحد أصدقائي اخترقت رأسه قنبلة غاز مسيلة للدموع ولم نستطع إنقاذه، وأنا من أجله ومن أجل شهداء الثورة لن أغادر الجسر حتى تسقط الحكومة».

 

عبوسي البالغ من العمر 20 عامًا يعمل حمالًا في أسواق الشورجة بالعاصمة العراقية بغداد، ترك المدرسة مبكرًا ليعيل عائلته المكونة من سبعة أشخاص، وعندما بدأت التظاهرات انضم إلى رفاقه الذين سقط عدد منهم على جسر الجمهورية وفي ساحة التحرير، وهو الآن يريد وطنًا بلا فاسدين لكي يستطيع إيجاد فرصة عمل لائقة يؤمن بها مستقبله ومستقبل عائلته الفقيرة.

 

جسر السنك.. الطريق إلى السفارة الإيرانية

في الثلاثين من أكتوبر 2019، توجه مئات المتظاهرين لفتح جبهة ثانية على جسر آخر هو جسر السنك، في خطوة جاءت لتشتيت تمركز قوات مكافحة الشغب على جسر الجمهورية، وتضييق الخناق على السلطة التي تتمركز في المنطقة الخضراء، والتي يعد جسر السنك أحد أهم الطرق المؤدية إليها.

 

في حديث سابق مع «ساسة بوست» عن واقعة جسر السنك، تحدث علاء هاشم، وهو أحد المشاركين في تظاهرات ساحة التحرير قائلًا: «في ساعات المساء الأولى انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر باتجاه ساحة التحرير، وهذا ما أغرى المتظاهرين بالتقدم نحو جسر السنك، وبعد إسقاط الحاجز الأول من الكتل المسلحة أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص بشكل أفقي على المتظاهرين، وهذا ما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا».

 

علاء هاشم ذكر لـ«ساسة بوست»: أنَّ «لا أحد يعرف لماذا انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر، وهناك اعتقاد بأنَّها أرادت تشتيت الحشود عن ساحة التحرير، والإيقاع بالمتظاهرين على الجسر، واتهامهم بارتكاب أعمال تخريب حتى يسهل عليها فض اعتصام التحرير، وإخلاء بناية المطعم التركي المحاذية لجسر الجمهورية المؤدي مباشرة إلى المنطقة الخضراء».

 

متظاهرون عراقيون يسقطون الكتل الكونكريتية على جسر السنك

بعد أن أسقط المتظاهرون الكتل المسلحة التي وضعتها قوات الأمن على الجسر لمنعهم من العبور إلى المنطقة الخضراء، واجهت تلك القوات حشود المتظاهرين بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع وتحدث نشطاء عن قيام عناصر ملثمة ترتدي الزي الأسود باستهداف المتظاهرين من مسافات قريبة، حيث يعتقد المتظاهرون أن تلك العناصر تتبع لمليشيات موالية لإيران.

 

سقط في أحداث جسر السنك قتيل واحد من المتظاهرين، وأُصيب 12 بحسب ما ذكرت مصادر طبية لـ«وكالة الأناضول»، وفي تلك الليلة أيضًا وقع قصف بصواريخ الهاون على المنطقة الخضراء تسبب في مقتل أحد عناصر الأمن الذين يتولون حراسة البوابة المؤدية إلى السفارة الأمريكية.

 

جسري الأحرار والشهداء

على غرار جسري الجمهورية والسنك، باغتت جموع المتظاهرين العراقيين في العاصمة بغداد قوى الأمن على جسري الأحرار والشهداء اللذين يربطان الكرخ بالرصافة، وتقع بينهما وبين جسر السنك أكثر المناطق حيوية في بغداد، وتضم مبانٍ حكومية مهمة، مثل المقر البديل لرئاسة الوزراء، والبنك المركزي العراقي، ووزارة العدل، ومثل كل المواجهات التي حدثت على الجسور السابقة، سقط قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين، إذ وثَّقت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للبرلمان العراقي سقوط ثلاثة قتلى، وإصابة 150 آخرين في أحداث جسر الأحرار.

 

سجّاد الموسوي، أحد المشاركين باقتحام جسر الأحرار قال لـ«ساسة بوست»: «توجهنا من ساحة التحرير على شكل مجاميع مكونة من مئات المتظاهرين باتجاه جسر الأحرار، وعندما وصلنا إلى منطقة العلاوي كان الشباب ينضمون إلينا، رغم أن قوات مكافحة الشغب أطلقت علينا الرصاص الحي، وقنابل الغاز المسيل للدموع، وسقط عشرات الشهداء والجرحى، لكننا استطعنا العبور ووصلنا إلى مبنى شبكة الإعلام العراقي».

 

«اتهمونا بإحراق وزارة العدل، وهذا كذب، قوات مكافحة الشغب هم من أطلق النار عليها لإحراقها»، يؤكد سجاد لـ«ساسة بوست»، ويضيف: «عندما وصلنا إلى تمثال الملك فيصل الأول قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية شاهدنا عناصر ملثمة وترتدي الزي الأسود، وهم أنفسهم الذين رأيناهم من قبل على جسر السنك والجمهورية ومول النخيل، وبدأوا بإطلاق الرصاص الحي علينا وملاحقة الشباب لاعتقالهم».

 

متظاهرون عراقيون عند جسر السنك في بغداد

يرى سجاد أنَّ الغاية من إغلاق جسري الأحرار والشهداء هي منع الموظفين الذين يكسرون الإضراب من الذهاب إلى أماكن عملهم، وإدامة زخم الاحتجاجات والضغط على الحكومة: «هناك الكثير من الموظفين يؤذوننا عندما يكسرون العصيان المدني والإضراب، لا نريد منهم أن يشاركوا معنا في التظاهرات، فقط نريد منهم أن يجلسوا في بيوتهم ويصمتوا، ذهابهم إلى العمل يعطي الشرعية للحكومة الفاسدة بأن تستمر في عملها، وبالتالي المزيد من الفساد والسرقات، هذه الحكومة يجب أن تنتهي، وهذا لا يتحقق إلا إذا وقف الشعب كله ضدها».

 

يعتقد سجاد أن السلطة في العراق تراهن على نفاد صبر المتظاهرين، وتماطل في الاستجابة للمطالب، وتظن أنًّ القمع سيحد من عزيمة المتظاهرين في بغداد ومدن جنوب البلاد، لذا يصرُّ هو ورفاقه على مواصلة التظاهر والعصيان المدني وتحشيد الناس للضغط على النظام السياسي للرضوخ إلى مطالب الشعب.

ميرفت عوف

 

تمثل مظاهرات العراق الكثيفة التي تشهدها كل من لبنان والعراق قلقًا كبيرًا لإيران ووكلائها في المنطقة؛ فالسلطات الإيرانية التي عملت لسنوات لبسط نفوذها في هذين البلدين أمام تحدٍ كبير، حين يصر مئات الآلاف من المتظاهرين على التخلص من نفوذها.

 

بيد أن العراق التي صدعت بشعار «إيران بره بره» وغيره، تخافها إيران أكثر من غيرها من مناطق النفوذ خاصتها، وهي تخشى بشكل كبير من نجاح الشعب العراقي في التغلب على وحش الطائفية، وتغيير الوضع الحالي، وتقزيم نفوذها، ناهيك عن خوفها على رئتها الاقتصادية والشيعية الأكبر في المنطقة؛ لذا فهي لم تتوان عن استخدام قوة مضاعفة للسيطرة على الحشود المنتفضة في العراق، على وجه التحديد.

 

بعيدًا عن التعبيرات الدبلوماسية.. هل تحتل إيران العراق حقًا؟

العراق رئة مفتوحة لإنعاش النظام الإيراني

أكثر من مرة شهدت إيران مظاهرات حاشدة نددت بالنظام الإيراني، وتبديد المال على ما يراه المتظاهرون مغامرات خارجية واستغلالية مكلفة، كان آخرها في أغسطس (آب) الماضي، حين خرجت عدة مدن إيرانية احتجاجًا على ارتفاع التضخم وانهيار قيمة الريال، الذي فقد ثلثي قيمته قبيل إعادة واشنطن فرض العقوبات على طهران آنذاك.

 

صورة من مظاهرات العراق

تمتلك السلطات الإيرانية ثقة كبيرة في النفس في مثل تلك الظروف، يفخر الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالقول: «نحن في إيران نعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات»، قمعت المظاهرات وتعاملت معها بقسوة؛ إذ اعتقلت آلاف وشددت من قبضتها الأمنية على مرافق البلاد.

 

طهران التي تخاف الآن من فقدان نفوذها المتراكم في العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، يخشى نظامها السياسي من ضمن ما يخشاه انتقال عدوى المظاهرات من بغداد إلى طهران؛ إذ يتابع الشعب الإيراني مظاهرات العراق.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف إن الإيرانيين يعون تمامًا أن الشارع العراقي، ليس كغيره من البلدان التي يتمتع فيها نظام طهران بنفوذ، فالشارع اللبناني مثلًا، والشيعي منه بالتحديد، قراره مصادر من قبل ثنائية «حزب الله– حركة أمل»، بالتالي ليس هناك منصة أكثر «استقلالية» لشيعة لبنان للتعبير عن رفض النفوذ الإيراني.

 

ويضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «يحاول الإيرانيون عسكرة الاحتجاج بأي شكل من الأشكال، ويضغطون على النظام في العراق لتشوية سلمية التظاهرات؛ فقائد فيلق القدس قاسم سليماني في اللقاء الأخير له في بغداد، تعهد بإنهاء الاحتجاجات على الطريقة الإيرانية بالتالي، الإيرانيون لا يؤمنون فعلًا بشيعية العراقيين، بقدر إيمانهم بقدر خنوع العراقيين لنفوذهم وتنفيذ مصالحهم»، ويضيف: «إن خسرت إيران العراق، فهي بداية تداعي نظام طهران سريعًا، واشتعال شرارة الثورة في إيران، وانحسار نفوذها بكامل المنطقة، العراق يمثل لإيران رئة مفتوحة لانعاش نظام يحتضر اقتصاديًّا وسياسيًّا».

مترجم: هل تُسقط احتجاجات العراق النظام السياسي؟

العراق.. كنز اقتصادي لإيران

تمكنت طهران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 من ترسيخ الطائفية السياسية في نظام الحكم العراقي الذي جعل السلطة في يد الطائفة الشيعية، فأقامت علاقات متينة مع أعضاء البرلمان العراقي ومع رجال المؤسسات المركزية، كما فرضت حصصًا مهمة للميليشيات المسلحة الموالية لها في مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها؛ لتكون حصيلة السنوات الماضية اكتساب إيران قوة أكبر بكثير في بغداد على خلاف مناطقها مثل اليمن ولبنان وسوريا، وعلى رأس تلك المصالح خلق اقتصاد بديل لإيران ينجو من العقوبات الأمريكية والدولية.

 

صورة من مظاهرات العراق

ومع ذلك كانت نقطة ضعف إيران في  خطتها المستمرة منذ أربعة عقود  في العراق، تجاهل خلق رؤية اجتماعية اقتصادية للحفاظ على قاعدة دعمها الشعبية في العراق ولبنان أيضًا، فمقابل سيطرة طهران على كل قطاع في العراق، أثقل البلد بالديون والفقر والبطالة، وفقد العراقيون فرص العمل، وتدهورت الخدمات، وتعاني الغالبية العظمى من نقص المياه النظيفة، والكهرباء، والرعاية الصحية الكافية، كما تظهر تصريحات المتظاهرين.

 

المفارقة أن الحال السيئ ذاك كان في بلد غني جدًّا؛ فالعراق أحد أكثر الدول الغنية بالنفط في العالم، يحتل رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم،  ويؤكد قطاع كبير من العراقيين أن أموال النفط وأرباحه تستفيد منها إيران، فيما يساهم الفساد المتفشي في إفلات الطبقة الحاكمة بمباركة من إيران ذات تأثير كبير في المشرعين من العقاب، لاستيلائهم على التخفيضات الضخمة من إيرادات الدولة على مدار معظم الأعوام الست عشر الماضية، كما أن هؤلاء المسئولين العراقيين دفعوا نحو مشروعات اقتصادية تخدم إيران بالدرجة الأولى كتخصيص آلية مالية خاصة تسمح للبلد بمواصلة استيراد الغاز والكهرباء من إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية، أو البدء في بناء خط سكة حديدية يربط بين معبر شلامشة الحدودي في جنوب غربي إيران والبصرة في جنوب العراق خلال ثلاثة أشهر.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف: «بصراحة شديدة، إيران عارضت طيلة سنوات ماضية أي اقتتال شيعي – شيعي؛ لأن ذلك سيؤثر في ملفاتها ونفوذها في المنطقة، ويحجب الرئة الاقتصادية المفتوحة من العراق لإنعاش اقتصادها، وكذلك خطوط الإمداد والوصول إلى سورية»، غير أن خلف يرى أيضًا «مصائب قوم عند قوم فوائد».

 

يستدرك خلف القول: «لكن الآن، إيران باتت تؤمن أكثر من أي وقت مضى بأنها بحاجة إلى إشعال فتيل اقتتال شيعي – شيعي بشكل محدود، لقصقصة نفوذ الجماعات والتيارات الشيعية المعارضة لها في العراق، ولزيادة نفوذ الميليشيات المرتبطة بها، ولإزاحة النفوذ الأمريكي نهائيًٌا من العراق، ومعاقبة الشارع الرافض للوجود الإيراني».

 

العراق.. ممر إيران الوحيد نحو مناطق نفوذها

أصدر رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي في الأول من يوليو (تموز) 2019 قرارًا يقضي بدمج الميليشيات الشيعية المسلحة الموالية لإيران، والمعروفة باسم «الحشد الشعبي»، بالكامل في القوات المسلحة العراقية.

صورة من مظاهرات العراق

ما سبق دلل على أن تأثير إيران في العراق لا يمضي على طريق التراجع في الاستفادة القصوى من الممر البري الوحيد لإيران في المنطقة، فمنذ تبنت الحكومة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية سياسية ترتكز على تصدير الثورة إلى المنطقة، كانت طهران شديدة الصبر والمرونة في سبيل فرض النفوذ الإيراني على العراق أولًا، ثم لبنان، وسوريا، واليمن.

 

وقد أدرك العراقيون مدى إصرار طهران على قمع احتجاجاهم الآن؛ لأنها تريد تجنّب أي شيء قد يهدد وجودها في العراق، لذا فمنذ اللحظات الأولى لتلك الثورة العراقية الشيعية تعرض العراقيون للبطش الشديد، وغلب سفك الدماء على نطاق واسع في هذه الاحتجاجات، فقُتل أكثر من 250 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات لأول مرة في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نتيجة استهدف المتظاهرين مباشرة، سواء بالرصاص الحي أو بقنابل الغاز المسيل للدموع من الطراز العسكري التي ثقبت جماجمهم، على يد قناصة الميليشيات المدعومة من إيران.

 

ويؤكد الباحث والمحلل السياسي اللبناني ربيع دندشلي أن حراك العراق أقرب جغرافيًّا لإيران، كما أن العراق يشكل مركز الثقل الديني الشيعي العربي، وبالتالي يمكن أن تكون المستجدات العراقية أكثر حضورًا على طاولة القيادة الإيرانية، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «النفوذ الإيراني في الدول العربية يتفاوت من حيث الحضور والوزن، وأي شكل من أشكال التغيير للوضع القائم في كل من سوريا، أو اليمن، أو العراق، أو لبنان سيؤثر حتمًا في النفوذ الإيراني».

 

الخوف من الانقلاب.. طبيعة العراق تحدث فارقًا!

بعد يوم واحد فقط من اندلاع الاحتجاجات، حطت طائرة هليكوبتر إيرانية في المنطقة الخضراء شديدة التحصين بالعراق، ففي وقت متأخر من الليل قرر الجنرال الإيراني قاسم سليماني مفاجأة كبار المسؤولين الأمنيين الذين كانوا على موعد للاجتماع برئيس الوزراء العراقي  عادل عبدالمهدي.

 

جاء سليماني من بلاد لها سجل واضح في قمع الاحتجاجات داخل أراضيها، ليسدي النصح ويخطط لمقاومة أي تفجر للوضع في المظاهرات، وقد وصلت الرسالة حينها إلى العراقيين بأن الاحتجاجات يجب أن تقمع بأي ثمن في بلادهم.

 

الموقف الإيراني السابق لم يتخذ من قبل إيران وحليفها «حزب الله» في لبنان، إذ إنها أكثر اطمئنانًا على أن الوضع قابل للسيطرة من خلال منظومة الحزب، بينما طهران وميليشياتها في العراق يهابون أكثر من هاجس الانقلاب في العراق، الذي تعد الثورات والحروب والاضطرابات فيه أحداثًا متكررة.

 

يقول الباحث في شؤون الأزمات والصحافي العراقي صفاء خلف إن العراقيين لا يفكرون بأعمال عنف انتقامية مباشرة من مصالح طهران في العراق، فحتى حرق القنصلية في البصرة في سبتمبر (أيلول) 2018، وحرق بوابة القنصلية في كربلاء الآن، ليس بالعمل الانتقامي، إنما مفاده إيصال رسالة، والعراقيون بارعون في إيصال هكذا رسائل بالأسلوب نفسه الذي برع فيه الإيرانيون سابقًا.

 

ويضيف: «إن تخوف إيران من الحراك في العراق، ليس مصدره حرق قنصلياتها، بل انحسار نفوذها، إذ لم تتوقع الاستخبارات ودوائر القرار الإيرانية حجم كراهية الشارع العراقي لنظام طهران»، فطيلة السنوات الماضية كان الإيرانيون يبثون دعاية شديدة التنسيق والاتساع بأن العلاقات بين الشعبين عميقة ووطيدة، ثم اتضح أن هذه الدعاية كانت مبنية على أوهام، وأن الدعاية الإيرانية لم تؤثر عميقًا، فالعراقيون يرون في طهران عامل تخريب إقليمي في بلادهم، حسب خلف.