الأثنين: 18 نوفمبر، 2019 - 20 ربيع الأول 1441 - 01:21 مساءً
ثقافة وفن
الأحد: 22 سبتمبر، 2019

زينة شهلا

افتُتح في العاصمة السورية دمشق يوم الخميس الفائت معرض الكتاب الحادي والثلاثين، بمشاركة ثلاث عشرة دولة عربية وغربية، وحوالي 230 دار نشر –مقارنة بمئتين العام الفائت وأكثر من ثلاثمئة عام 2010-، وما يزيد عن خمسين ألف عنوان.

 

من سوريا إلى مصر ولبنان والعراق وتونس والأردن والإمارات والسودان وسلطنة عمان، مروراً بإيران وروسيا ووصولاً لإندونيسيا والدنمارك، وتحت شعار “الكتابُ بناءٌ للعقل”، عرضت عشرات دور النشر كتبها على منصات ورفوف وُضعت في ساحة مكتبة الأسد الوطنية والتي تقع في أحد أركان ساحة الأمويين غرب المدينة. ويشهد المعرض إلى جانب ذلك فعاليات ثقافية مرافقة من حفلات لتوقيع الكتب وندوات وأمسيات ومحاضرات عن الشعر والقصة والسينما والتاريخ وغيرها من المواضيع.

 

ورغم كونه أضخم حدث يحتفي بالكتاب والقراءة في سوريا، لم يكن من الغريب أن يخيّم شبح الحرب التي تعيشها البلاد منذ سنوات على مجرياته، فشريحة واسعة من السوريين لا تقع الثقافة اليوم ضمن أولوياتها مع تدهور الأحوال الاقتصادية وتراجع قيمة الليرة السورية بشكل غير مسبوق، كما أن انتشار الكتاب الإلكتروني ونسخ الكتب دون مراعاة حقوق المؤلف وبيعها بأسعار منخفضة يؤثر على مبيعات الكتب الأصلية، وفق حديث العديد من القائمين على دور النشر .

 

الكتاب أم لقمة العيش؟

مع افتتاح معرض الكتاب أبوابه، وصل سعر صرف الدولار الأمريكي لحوالي 625 ليرة سورية، وهو رقم قياسي لم تشهده البلاد خلال سنوات الحرب، ومرتفع جداً مقارنة بما كان عليه قبل العام 2011، 50 ليرة للدولار الواحد.

 

“بالطبع يؤثر ذلك على مبيعات الكتب، وهي حتى اليوم أقل مما كانت عليه العام الفائت بحوالي ثلاثين بالمئة”، يقول وليد الأحوش من مكتبة بيسان .

 

هي المشاركة الخامسة للمكتبة اللبنانية بعد اندلاع الحرب في البلاد، ورغم تقديم حسومات كبيرة والبيع بأسعار تتناسب مع سعر صرف الليرة، يبقى الحضور خجولاً وهو أمر يعتبره الأحوش “طبيعياً في ظل ما تعيشه البلاد، فكيف لنا أن نطلب من موظف لا يزيد راتبه عن مئة دولار أمريكي أن يشتري الكتب؟ لقمة العيش أهم، وهي حديث الشارع السوري اليوم، ولا بنية تحتية تشجّع على بالقراءة وهو أمر يجب الاهتمام به منذ الصغر خاصة ضمن المدارس”.

 

تتربع الروايات الروسية الكلاسيكية على عرش مبيعات الروايات هذا العام، حيث ازداد الاهتمام بها في سوريا والمنطقة بشكل عام خلال الأعوام الخمسة الأخيرة وفق ملاحظة عباس الفقيه من دار المحجة البيضاء اللبنانية.

 

لا ينفي المتحدث وجود شريحة جيدة من القراء اليوم في سوريا، وقسم كبير منها بعمر الشباب، واستمرارها بالاهتمام بالعديد من العناوين خاصة تلك التي تتعلق بمجريات الأحداث في البلاد والمنطقة، وهو ما يدفع المكتبة للاستمرار بالمشاركة كل عام حتى دون تحقيق أرباح مادية تذكر.

 

غير بعيد عن بيسان، يجلس مجد داخل جناح دار ورد السورية. يهز رأسه بأسىً لدى سؤاله عن مبيعات اليوم، ويفتح دفتراً صغيراً سُجل فيه عنوانان فقط: “منذ الصباح وحتى الآن، لم أبع سوى كتابين”.

 

للأمر عدة أسباب كما يعتقد الشخص الذي فضّل الحديث مع رصيف22 باسمه الأول فقط، أولها وأكثرها تأثيراً انخفاض مستوى المعيشة في عموم البلاد، وثانيها الكتب الالكترونية وسهولة الحصول عليها مجاناً، وثالثها غياب الرقابة فيما يخص حقوق التأليف والنشر في سوريا، وبالتالي انتشار ظاهرة نسخ الكتب وبيعها في الشوارع وعلى الأرصفة.

 

“حقيقة أخجل عندما يسألني أحد عن سعر الكتاب هنا”، يقول مجد. “كيف سأقول ثمانية أو ستة أو خمسة آلاف ليرة وكثيرون لا يتجاوز دخلهم الشهري أو مصروفهم كطلاب أربعين ألف ليرة؟ أبذل ما بوسعي لتقديم الحسومات ونهتم بالتواجد هنا كل عام، لكنني أعتقد بأن القراء الحقيقيين ما عادوا اليوم موجودين في سوريا، فمنهم من سافر ومنهم من باتت له أولويات أخرى غير الثقافة”.

 

كتب متنوعة، والأفضلية لكتب الأطفال والدينية والتعليمية

قُبيل افتتاح معرض الكتاب بيوم واحد، عقد وزير الثقافة السوري محمد الأحمد مؤتمراً صحفياً لإطلاق المعرض والحديث عن تفاصيله، ومنها عرض أكثر من خمسين ألف عنوان، والتحضير لبرنامج ثقافي غني مرافق للمعرض.

 

وكشف الوزير وفق ما نقلته صحيفة الوطن السورية عن تشكيل لجنة عليا لانتقاء الكتب مؤلفة من عدة لجان تتبع لجهات منها وزارة الثقافة والإعلام والتعليم العالي والأوقاف، وأشار إلى أن “اللجنة وضعت محددات وأسساً في عملية الانتقاء، فنحن دولة تدعم ثقافة التنوير والمقاومة وتعمل على استبعاد الكتب الطائفية والتحريضية والمؤلفين الذين أسهموا في الحرب الإرهابية على سورية”، كما نوه “لاستمرار مراجعة اللجنة للكتب المعروضة، وفي حال تم اكتشاف أي كتاب معاد لسياساتنا وتوجهاتنا وقيمنا سيتم سحبه من العرض مع محاسبة الدار بحرمانها من المشاركة في الدورة المقبلة”.

 

بذلك، تنوّعت عناوين الكتب المعروضة بين الرواية والتاريخ والفن والإدارة والعلاقات الدولية والسياسة، وكتب الأطفال، والكتب الدينية والتعليمية والترفيهية، مع سهولة ملاحظة امتداد دور نشر كتب الأطفال على مساحات واسعة من أجنحة المعرض، واستقطابها للنسبة الأكبر من الزوار، تليها الكتب الدينية، ومن ثم الروايات والكتب الترفيهية.

 

أمام أحد الأجنحة، تتفحص إيمان الزايد وهي سيدة خمسينية مجموعةً من كتب الأطفال والكتب الدينية، وهي التي تدفعها بشكل أساسي للحضور إلى المعرض كل عام. “هو فرصة للاطلاع على كل هذه العناوين في مكان واحد، والحصول عليها مع حسومات جيدة”.

 

وإلى جانب اهتمامها بالكتب الدينية، تركّز الزايد على كتب الأطفال التفاعلية التي تساعدها على جذب اهتمام أحفادها للقراءة والتخلص من “إدمان الهواتف الجوالة” كما تسميه. تضيف السيدة في حديثها: “يعاني هذا الجيل من معضلة التعلّق بالأجهزة الالكترونية، ويتحول ذلك في بعض الأحيان إلى كابوس يقف الأهالي مكتوفي الأيدي أمامه. هنا يأتي دور فعاليات كهذه لتقديم حلول ممكنة”.

 

تتفق سميرة شكر من دار الحافظ السوريّة مع هذا الرأي، إذ تؤكد أن النسبة الأكبر من مبيعات هذا العام تعود لكتب الأطفال، سواء كانت التعليمية أم الترفيهية، مع اهتمام الأهل بالكتب التفاعلية البعيدة عن التلقين، والتي يمكن أن تبعد الأطفال عن التكنولوجيا التي باتت مسيطرة على حياتهم اليوم في سوريا بشكل كبير.

 

في زاوية أخرى تبحث سارة وهي طالبة بكلية الإعلام عن بعض الروايات باللغتين العربية والانكليزية، وتتحدث عن اهتمامها بارتياد المعرض كل عام والبحث عما يثير اهتمامها من عناوين جديدة. “هو من الفرص القليلة لاستعادة رائحة الكتب الورقية التي قلّما بتنا نجدها في سوريا اليوم”، تقول الفتاة العشرينية.

 

وتشكّل الروايات وفق آراء عدد من القائمين على دور النشر المشاركة جزءاً كبيراً من اهتمامات رواد المعرض، كما يشير عباس الفقيه من دار المحجة البيضاء اللبنانية . “أعتقد أن السوريين وحتى القراء في عموم الوطن العربي يبحثون اليوم عن كتاب يبعدهم عن أجواء النزاعات والحروب التي تعيشها المنطقة منذ سنوات، ويجدون أنفسهم في الروايات والقصص بشكل أو بآخر”.

 

وتتربع الروايات الروسية الكلاسيكية على عرش مبيعات الروايات هذا العام، حيث ازداد الاهتمام بها في سوريا والمنطقة بشكل عام خلال الأعوام الخمسة الأخيرة وفق ملاحظة الفقيه.

 

“كبلد يعيش حرباً وأوضاعاً اقتصادية متردية كما هو حال سوريا اليوم، وفي ظل تراجع شعبية الكتاب الورقي في كل مكان، أعتقد بأن الثقافة في سوريا لا زالت بخير. قد لا نحقق أرباحاً مادية من معرض الكتاب هذا العام، لكننا نهتم بالتواجد في السوق السورية لأهميتها الكبيرة”، يضيف الفقيه في ختام حديثه.