الأربعاء: 19 سبتمبر، 2018 - 08 محرم 1440 - 11:29 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 26 يونيو، 2018

عبدالزهرة زكي

وحَجَّبَتِ النَوى الظَبياتِ عَنّي .. فساعدت البَراقِعَ وَالحِجالا
لبِسنَ الوَشيَ لا مُتَجَمِّلاتٍ .. ولكن كي يَصُنَّ بهِ الجَمالا
وضَفَّرنَ الغدائرَ لا لحُسنٍ .. ولكن خِفنَ في الشَعَرِ الضَلالا

في واحدة من أشهر قصائد المتنبي كان أبو الطيب يشكو من نفسه، كان يتساءل مع ذاته فيبوح بهذا شعراً يشكو فيه ويتذمر مما هو عليه. ليس صعباً على قارئ المتنبي أن يقف على مرارة هذه الشكوى وقد صاغها في هذا البيت المعروف:
أصخرة أنا؟ مالي لا تحرّكني .. هذي المُدامُ ولا هذي الأَغاريدُ!

الحياة العقلية المائزة للشاعر واقترانها بمطامح بعيدة المرام هي التي صنعت تجربة الشاعر في الشعر، وهي ما جعلت من موضوعات كثيرة في الشعر، كالغزل والتغني بالخمرة والافتتان بسحر الطبيعة، موضوعات ثانوية في اهتمامه الشعري. وكان بهذا يعبّر عن حياة وسلوك جادّين.

بيت الشكوى والتذمر والتساؤل يفصح عن هذا الحال الذي يمكن أن يراه كثيرون على أنه يتعارض مع الطبيعة التي جُبل عليها الشعراء، وهي طبيعة تأسرها كل هذه الاهتمامات، لكن التجارب النادرة، ومنها تجربة المتنبي، من شأنها لا ابتكار الشعر وحده وإنما حتى نمط حياة وتفكير وعقل الشاعر النادر.

جديرٌ هنا أن نقف عند ما قاله واحد من أصدقاء ومقرّبي المتنبي عن المتنبي، وهو علي بن حمزة البصري من رواة أبي الطيب ومن ثقات أهل اللغة. يقول البصري:” صحبت أبا الطيّب سنتين ونصف (السنة) لا أفارقه فيها ليلاً أو نهاراً، فما رأيته زنى ولا لاط ولا دخل في حرام”، ثم يوثّق رسم تفاصيل أخرى لبورتريه الشاعر، فيقول: “ولا ضحك ملء فيه، وكان إذا سمع شيئاً مضحكاً ستر فاه بكمّه، وقلّما كان يهزل”.

الأبيات الثلاثة المختارة هنا هي بعض النسيب الذي كان يتصدّر بعض القصائد أو يأتي في متونها، إنها أبيات من قصيدة مديح (بقائي شاءَ ليسَ هُمُ ارتحالا). إنها أبيات تعنى بموضوع واحد هو النأي والهجران.هذه هوية شخصية، وكان الشاعر قد تحمّل بموجبها الكثير. لقد تجسّدت عبر سلوك يومي، كما تجسّدت في التعبير شعراً عنها. فقد بقي النسيب هو الحلقة الأضعف في شعر أبي الطيب المتنبي. لا أتوقّع أن قصيدة كاملة من قصائده انصرفت تماماً لهذا الغرض، لكن موضوع الغزل وشعر الحب بقي مبثوثاً في الكثير من نصوصه التي أوقفها لأغراض أساسية أخرى كالمديح والهجاء والفخر.

….

يتنوع الموضوع ما بين انشغال شعري بالرحيل والبعد مكانياً وما بين التحجّب والتواري عن الأنظار. كلاهما، النأي مكانياً والاحتجاب أو الاختفاء، يحولان دون اللقاء والرؤية، ويتنوّع موضوع الأبيات بإنشاء تقابلات من زوايا مختلفة ولكن ما يجمعهن هو ثنائية واحدة تعنى بالبعد والهجران. ما يفعله المتنبي هنا هو مهارة التعبير بما ينشئه من تقابلات تختلف فتتوحد حتى تبدو عقليةً، محكومة بمنطق بارد، إلا أنها تظل مفعمة بروح الشعر. مهارة الشاعر هي في قدرته على تطويع الإجراء الشعري العقلي ليكون شعراً.
في البيت الأول:
فساعدت البَراقِعَ وَالحِجالا .. وحَجَّبَتِ النَوى الظَبياتِ عَنّي
يتقابل (النوى)، وهو البعد، مع اختفاء الحبيبة في البراقع والحجال، وهي الهوادج، يقول المعري في شرحه البيت: ” فكما كانت البراقع والهوادج تسترهن، فكذلك النوى، سترتْهُن عنّي، فاتفقا من هذا الوجه”. إنها مقابلة ما بين الرحيل مكانياً من جانب وما بين الاختفاء والتواري في الهوادج والبراقع.

بينما في البيت الثاني:
لبِسنَ الوَشيَ لا مُتَجَمِّلاتٍ .. ولكن كي يَصُنَّ بهِ الجَمالا
يقدم الشاعر تقابلاً آخر ما بين إظهار الجمال وإخفائه؛ التزيين الذي وسيلته الوشي، أي ارتداء الديباج، وهو سعي لاستعراض الجمال ولمضاعفته، يكون في هذه المقابلة وسيلة لحفظ الجمال بإخفائه. يرى الواحدي في شرحه معنى البيت: “لا حاجة لهنّ إلى التجمّل بلبس الديباج ولكن يلبسنه لصون جمالهنّ به”. إنه تقابل على أساس ثنائية أخرى، هذه المرة جمالية تزيينية، ولكن أيضاً قوامه الظهور والاختفاء.

لكن في البيت الثالث:
وضَفَّرنَ الغدائرَ لا لحُسنٍ .. ولكن خِفنَ في الشَعَرِ الضَلالا

تتقدم مقابلة أخرى إنما بطرفين آخرين؛ الإغواء، بضفر الغدائر، وخشية الضلال إذا ما ترك الشَعر مرسلاً. إنه تقابل مضمر ما بين الظهور والإخفاء. يقول أبو العلاء في معرض شرح طويل لهذا البيت: “لا يضفرن شعورهن ليجتلبن الحسن والجمال، ولكن خفن أن يَضْلِلْنَ في شعورهن ويَضِعْن فيها؛ لطولها وكثافتها ووفورها”، ثم يستدرك فيقول: “وقيل: أراد (الشاعر) أنهن خِفْن ضلال الناس في شعورهن (فضفرنها)”.

وحدة الموضوع في هذه الأبيات تنضبط بالتنوع الذي يقيمه الشاعر من أجل بلوغ تلك الوحدة. لا تحول استقلالية البيت الشعري العربي عما سبقه وما بعده دون إدامة تلك الوحدة في الموضوع، لكن هنا يجري إثراؤها بتعدد زوايا تمثيل الموضوع. كل بيت يقدم النأي والاحتجاب من زاوية أخرى.

إنها أبيات تعنى بحالة عاطفية، الهجران والفراق، وهي حالة شائعة في الشعر العربي، وربما في كثير من شعر الأمم، لكن المتنبي ينصرف بهذا الانشغال، كما تقدمه الأبيات، عن المشاعر الشخصية الناجمة عن الفراق.

لا أثر لعاطفة الشاعر هنا؛ تتوارى العاطفة، وتزاح جانباً. هذه كتابة ليست نتاجا لتجربة عاطفية شخصية، أصخرة أنا؟ تساءل المتنبي نفسه.

هذه تقابلات نتاج عقل لا تجربة. العقل من الممكن أن يكون مولِّداً شعرياً. من الممكن لاجتهادات العقل أن تكون شعراً، كل شيء قابل لأن يكون شعراً، وكان جانبٌ كبير من عمل المتنبي في الشعر نتاجاً لعقل ظلّ يشتغل شعرياً. قيمة تجربة المتنبي تعبر عن مهارة هذه الخصيصة.

…..ويصادف في مثل هذا الاهتمام الشعري أن يكون الشعر، شعر السابقين، مصدراً من مصادر التأليف الشعري واختيار الموضوعات. مهارة الشاعر، بمثل هذا الحال، تكمن في كيفية استلهامه لا انسحاقه تحت قوة تجارب السابقين. ما أكثر ما أحيلت أبيات كثيرة للمتنبي إلى شعراء كبار ومتواضعين سابقين، وما أكثر ما أزاحت أبيات المتنبي آثار تلك الأبيات الأولى الملهمة فجعلتها نسياً منسياً، لا تُذكر، ولا تحضر إلا بمدى إلهامها أبا الطيب. حتى في هذه القصيدة، وبهذه الأبيات المختارة هنا، يمكننا الوقوف على ذلك.

جاء في “المنصف للسارق والمسروق منه” لابن وكيع قوله: ” قال أبو تمام:

وثَنْوا على وَشْيِ الخُدودِ صِيانَةً .. وَشْيَ البُرودِ بِمُسْجَفٍ ومُمَهَّدِ

وقال ابن الرومي:

يُكْسَى الثِّيَابَ صِيَانَةً وحِجَابَةً وهو الحَقِيقُ بأنْ يُصانَ ويُحْجَبا

وكلاهما أشار إلى مراد أبي الطيب. ولكنه (المتنبي) في المعنى أوضح وعبارته أحلى وأرجح، وما زادا (أي أبو تمام وابن الرومي) على أن اللّباس لمن أراده صيانة. وخبّر هو أنهن غير متجمّلات ولكن صنّ باللباس جمالهن، فكشف ما كان مستوراً، فهو أحق بما أخذ”.

هذا حكم نقدي لابن وكيع ينحاز فيه إلى أحقية (الأخذ) حين يكون الآخذُ خلاقاً صانعَ معانٍ جديدة. و(الأخذ) في النقد القديم هو باب من أبواب (السرقات الشعرية)، وهي تسمية ليست أخلاقية قدر ما هي نقدية يكون معها الكثير من تلك الأبواب مشروعة، بل ضرورية.
قيل للصاحب بن عباد، حسب الواحدي في شرحه المتنبي، أغرت على أبي الطيّب في قولك:
لبسن بُرود الوَشي لا لتجمُّل .. ولكن لصون الحُسن بين بُرود.

و(الإغارة باب من أبواب السرقات)، لم ينكر الصاحب ذلك وهو من أشد المغالين في كرهم المتنبي والتعريض به، فقد أجاب: نعم. لكنه عاد ليبرر ذلك بقوله: “كما أغار هو (المتنبي) في قوله:
ما بالُ هَذي النجوم حائرةً .. كأنها العُمْيُ ما لها قائد.
على بشّار في قوله:
والشمس في كَبِد السماء كأنّها .. أعمى تحيَّر ما لديه قائِدْ

لكن في “يتيمة الدهر”، ينقل الثعالبي عن أبي بكر الخوارزمي أن بعض ندماء الصاحب كانوا قد سألوه عن إغارته على بتن ابي الطيب فوافقهم، وتذرّع بإغارة المتنبي على البيت المذكور إنما بنسبته البيت إلى العباس بن الأحنف