الأثنين: 24 فبراير، 2020 - 29 جمادى الثانية 1441 - 08:16 مساءً
سلة الاخبار
الأحد: 19 يناير، 2020

عواجل برس / بغداد

المجلس الاستشاري العراقي يقترح حلول ومعالجات لتفادي آثار العقوبات الاقتصادية الامريكية المحتملة على العراق .

و قد تم إعداد هذه الورقة في إطار مناقشة موضوعية فرضتها تهديدات الولايات المتحدة الأمريكية وتلويحها بفرض عقوبات اقتصادية على العراق، بغية إيجاد الحلول والمقترحات الواقعية والممكنة لتفادي الآثار السلبية لأية عقوبات محتملة قد تفكر واشنطن بفرضها على بغداد الآن أو مستقبلا.

في ظل تأثر العلاقات القائمة بين البلدين بتوتر الأوضاع في المنطقة. لذلك حرصنا كل الحرص على عرض الحقائق كما هي، حول موضوع مصيري يهم العراق أولا وأخيرا، دون الاستغراق في لغة الأرقام والمصطلحات الاقتصادية والعلمية، ليكون المضمون واضحا ولا يحتمل التأويل والاجتهاد.

بمعنى آخر أردناها ورقة لمناقشة واقعية تستند الى ما هو حقيقي وقائم ومتاح وفي متناول كلا الطرفين العراقي والأمريكي من مقدرات وامكانات، في عالم صارت تتهدده الحروب والمواجهات الاقتصادية قبل العسكرية، وبالتالي تقديم مقترحات عملية لمعالجة وتدارك الآثار السلبية المترتبة في حال تعرض البلاد لمثل هذه العقوبات .

١- التلويح الأمريكي بالعقوبات “سوف نفرض عليهم (العراق) عقوبات كما لم يروها من قبل. وستجعل العقوبات الإيرانية مقارنة بها تبدو سهلة بعض الشيء” {١} بهذه الكلمات هددت الولايات المتحدة الامريكية على لسان رئيسها دونالد ترمب العراق بفرض عقوبات اقتصادية، وجاءت تهديدات الرئيس الأمريكي بفرض العقوبات على خلفية تصويت مجلس النواب العراقي على إخراج القوات الامريكية من العراق في ٥ كانون الثاني ٢٠٢٠، والذي تلاه تصريح لرئيس حكومة تصريف الاعمال عادل عبد المهدي بالطلب من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ” أن يرسل وفدا للتفاوض حول آليات الخروج ” {٢} مما دفع الجانب الأمريكي الى رفض الخروج و التلويح بفرض عقوبات صارمة.

في هذه الورقة النقاشية المقتضبة التي تحمل عنوان ( حلول ومعالجات مقترحة لتفادي آثار الإقتصادية المحتملة للعقوبات الأمريكية المحتملة على العراق ) وبوصفها ورقة نقاشية نحاول أن نبين التأثيرات الفعلية المباشرة منها وغير المباشرة لهذه العقوبات عند فرضها على العراق وما ستتواجهه حكومة العراق واقتصاده على نحو عام والمواطن على نحو خاص، والمقترحات والحلول الممكن تطبيقها لتقليل تأثيرات أي نوع من هكذا تهديد وكيفية تمكين الاقتصاد من الصمود بوجهها وبخطوات عملية.

٢- قدرة الولايات المتحدة على فرض العقوبات تعد الولايات المتحدة الدولة العظمى في العالم بحكم سيطرتها على الاقتصاد العالمي تسليحيا وماليا، فترسانتها الحربية تعتبر الأقوى في العالم، والتي غالبا ما تلوح باستخدامها للدفاع عن مصالحها، وماليا كون الدولار الأمريكي هو المحرك لإقتصاديات العالم، وهيمنته على التبادلات التجارية لمبيعات النفط.

الى جانب سيطرتها على القطاع المصرفي العالمي والذي يمنحها قدرة فائقة على للسيطرة على الحوالات المصرفية عبر البنوك الامريكية تحديدا. وبإعتبارها مالكة للدولار الأمريكي، يحق لها ان تحصر التعامل بعملتها، وهذا ما عملته مع أيران عندما أعلنت فرضها للعقوبات الإقتصادية عليها وحظرت المصارف الإيرانية من التعامل بالدولار بحكم قدرتها على مقاضاة أي مصرف عالمي يحاول خرق هذا الحظر والتعامل مع المصارف الإيرانية بالدولار. {٣}

هذه المميزات أعطت الولايات المتحدة الأمريكية القدرة على التحكم بفرض العقوبات ومحاصرة حتى الدول الكبرى وقتما تشاء من دون أي رادع، وقد فعلتها مرارا عندما فرضت حصارها الاقتصادي على روسيا التي تعتبر من اكبر الدول المنافسة لأمريكا عسكريا، مما جعل الروبل الروسي يفقد قدرته على الصمود بوجه الحصار الأمريكي. كان الدولار عند بداية الأزمة في اذار ٢٠١٤ يساوي ٣٥ روبلا روسيا، بعد فرض الحصار وصل قيمته الى ٨٠ روبل في ٢٠١٦. ولم يستعد الروبل عافيته لغاية يومنا هذا حيث يبلغ الدولار اليوم ٦١ روبلا، كما هو في الرسم البياني ادناه. {٤} {٥}

في ذات الوقت فأن دول العالم بحاجة الى الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الامريكية لتنشيط التجارة والتعامل مع السوق الأمريكي التي تعد من اهم واكبر الأسواق للبلدان المصدرة، فلا يوجد دولة مصدرة لا تعمل مع أمريكا، ولذلك نرى أن غالبية الدول حتى العظمى منها تحرص على خزن كميات كبيرة وضخمة من الدولار، كما هو موضح في الرسم البياني الاتي حيث انها تمثل المبالغ المخزونة من الدولار لدى كل دولة لغاية شهر أيلول ٢٠١٩ .

وعلى سبيل المثال ، نرى ان اليابان والصين لديهما خزين هائل يبلغ اكثر من ١١٠٠ مليار دولار تليهما بريطانيا ولديها ٣٤٦ مليار دولار. مما يعني أن هذه البلدان التي تعد من العظمى عليها أيضا التعامل مع الدولار وسندات الخزانة الامريكية لتطوير اقتصادها. {٦}

٣- وضع العراق الاقتصادي لا يختلف اثنان حول وضع الاقتصاد العراقي الذي يصفه الجميع بانه اقتصاد هش كونه ريعي، حيث يعتمد العراق على الصادرات النفطية بنسبة ٩٥ بالمئة من موازنته السنوية، مقارنة بايران التي تعتمد موازنتها السنوية على الصادرات النفطية بنسبة لا تتجاوز ال ٣٠ بالمئة، ويفتقر العراق أيضا للقطاعين الصناعي والزراعي الكفيلين بتوفير احتياجاته المتزايدة من السلع والأجهزة والمعدات والمنتجات الزراعية والغذائية، كما أنه لا يمتلك القدرة على انتاج ما يصدره للخارج الى جانب النفط لزيادة الدخل القومي من العملات الصعبة. في الوقت الذي نرى فيه ايران لديها تنوع في صادراتها غير النفطية والتي بلغت ما يقارب ٢٩ مليار دولار فقط في العام الماضي ٢٠١٩ بالرغم من الحصار الأمريكي المفروض عليها. {٧}

ضعف الاقتصاد العراقي سببه الاعتماد الكلي على الصادرات النفطية، لذلك نراه غالبا ما يواجه أزمات اقتصادية حادة تصل الى حد الاختناق أحيانا في حال أي تراجع أو انهيار بأسعار النفط العالمية كما حصل في شباط عام ٢٠١٦ عندما تهاوى سعر النفط الى اقل من ٢٧ دولار. فضلا على الإحتمالات غير المستبعدة لتوقف الصادرات النفطية جراء التوترات الأمنية والعسكرية المتصاعدة في المنطقة والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز والذي يعد في وقتنا الراهن المنفذ الأساسي لتصدير النفط العراقي الى الأسواق العالمية. {٨}

ان ثلثي التجارة العالمية تتم باستخدام الدولار الأمريكي و ثلثي الحوالات المصرفية في العالم تتم عبر المصارف الامريكية، وبما أن مبيعات النفط عالميا تتم بالدولار او ما يسمى (بترودولار) دون غيره من العملات الأخرى لذا فأن الاقتصاد العالمي المبني على الدولار يستمد قوته من حجم السوق العالمية للنفط، وفي حال تمت المبيعات بعملات ثانية فأنها لابد من تحويلها الى الدولار.

وقد حاولت أطراف دولية تجربة البيع والشراء من دون الإستعانة بالدولار ولم يكتب لها النجاح باستخدام (بترويورو) كمثال، لان الولايات المتحدة الامريكية تقف بوجه أي دولة تحاول الأقدام على أي خطوة من هذا النوع. يعتقد مراقبون أن من بين أهم أسباب استهداف نظام صدام حسين من قبل أمريكا كان محاولته بيع النفط العراقي بعملة غير الدولار.{٩}

وهنا تتعقد أزمة العراق أكثر من ذي قبل مقارنة مع ايران او غيرها من الدول التي دخلت في مواجهة اقتصادية مع واشنطن. فإذا قررت الولايات المتحدة حصر او تحديد تدفق الدولار على العراق فان الوضع سيكون في غاية الصعوبة أن لم يكن صادما، ولن يكون بإمكان العراق اقتصاديا الصمود امام التحديات الداخلية والخارجية، كونه لا يمتلك الدعائم البديلة والمكملة لاقتصاد النفط من زراعة وصناعة ونشاط استثماري فاعل ومؤثر، مع انعدام شبه تام للأمن الغذائي، كون ما نسبته ٩٨ بالمئة من مجمل الاستهلاك المحلي يتدفق عبر الاستيراد وبالعملة الصعبة (الدولار).

ولا بد من الإشارة هنا الى ان المصارف العراقية وخصوصا البنك المركزي مرتبط بشكل مباشر ووثيق مع النظام المصرفي الأمريكي. واعتماد العراق على هذا النظام أصبح أساسيا منذ عام ٢٠٠٣ ٤- تداعيات العقوبات في حالة فرضها بإمكان الولايات المتحدة الامريكية فرض عقوبات أساسية مباشرة او عقوبات ثانوية غير مباشرة{١٠} ،

وفي كلتا الحالتين تكون تأثيراتها سلبية ومباشرة على الاقتصاد العراقي، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

١- انهيار الدينار العراقي : تأتي قيمة صرف الدينار العراقي من قوة الإحتياطي النقدي لدى البنك المركزي العراقي والذي يشكل الغطاء النقدي لقيمة العملة المحلية، وهذا الغطاء هو خزين البنك من الدولار المودع في حسابات العراق في نيويورك بالإضافة الى ممتلكاته من الذهب. وفي حالة فرض العقوبات يكون هناك تقييد أو حجز على مليارات الدولارات العراقية الموجودة لدى الولايات المتحدة، وهذا يعني انهيار سعر صرف الدينار مقابل جميع العملات. كما سينهار الدينار العراقي في حالتين آخرتين حتى وان لم يتم فرض العقوبات: الحالة الأولى:

إيقاف العراق من التعامل بالدولار كما جرى مع ايران، فيفقد الدينار قيمته امام الدولار لأنه سيزيد من عرض العملة المحلية مقابل شحة او انعدام المعروض من الدولار بما يلبي تزايد الطلب عليه، في ايران وصل سعر صرف الريال الإيراني الى ١٧٦ الف ريال للدولار الواحد في عام ٢٠١٨ في حين كانت تتراوح سعر صرف الدولار الواحد بين ٢٥-٣٠ الف ريال في عام ٢٠١٠ {١١}.

والحالة الثانية: ان تعمد واشنطن الى خفض تدفق كميات الدولار الى العراق والذي سيؤدي حتما الى زيادة حجم المضاربات المالية في السوق مع ارتفاع العرض وشبه إنعدام للطلب بسبب فارق السعر. وهذا ما حصل عام ٢٠١٥ حينما عمدت أمريكا الى الحد من تدفق الدولار الى العراق لحين اجراء جرد ومراجعة شاملة مالية لتجفيف منابع تمويل تنظيم داعش. {١٢} وينبغي التنويه هنا الى أن انهيار الدينار امام الدولار لها عواقب كارثية على الاقتصاد العراقي وكيان البلد بشكل عام والتي يمكن أيجازها على النحو الآتي:

أ – زيادة حجم التضخم النقدي، وبالتالي فقدان الدينار لقيمته امام الدولار وبقية العملات الأجنبية، مما يقلل الطلب عليه.

ب – زيادة حجم التضخم المفرط، وبالتالي يؤدي الى نزول القوة الشرائية للدينار وارتفاع غير مسبوق لأسعار البضائع والسلع في الأسواق لأن سعر الاستيراد سيرتفع بفعل إنخفاض قيمة صرف الدينار. وبما أن الدخل الشهري للمواطن يكون بالدينار العراقي فهذا يعني انه لن يتمكن من شراء وتوفير احتياجاته الأساسية طبقا لما يتقاضاه من راتب شهري. ولعل فنزويلا خير مثال لما آلت اليه الأمور بعد انهيار عملتها. كما أن اقتصادها يشبه الى حد كبير الاقتصاد العراقي. وأن ما حصل مع الدينار العراقي في تسعينات القرن الماضي خلال سنوات الحصار الاقتصادي ليس بعيدا عن الأذهان.

ج – نزول قيمة مدخرات المواطنين الى ادنى المستويات.

٢- إرتفاع مستويات الفقر وتفشي البطالة بسبب توقف قطاعات العمل القائمة برغم قلتها كما هو معروف، تحت ضغط العقوبات وتوقف حركة السوق بانعدام الإستيراد.

٣- لتقليل الاعتماد على الدولار قد يحاول العراق بيع النفط بعملة غير الدولار، لكن هذه المحاولة ليست سهلة، فقد اخفقت فيها روسيا وايران وغيرهما من الدول، لآن مساحة السوق العالمية ستتقلص الى مجرد سوق محدود التداول لا يتخطى بضعة دول قد تغامر بالشراء تحت ضغط الحاجة الملحة للعراق ومحاولته بيع النفط اقل بكثير من أسعار السوق العالمية، وبالتالي انخفاض حتمي لمدخولات البيع المتحققة، وهذه حتى لو تمت أيضا ستعترضها عقبات التحويل المالي لان البنوك لا تتعامل مع العملات المحلية مما يتطلب تحويلها الى عملة أخرى مثل اليورو والجنيه الاسترليني وغيرهما، علما ان هذه الدول أيضا لديها شروطها الخاصة للتعامل ولا توفر سيولة كبيرة في الأسواق وعند التحويل يكون الدولار هو الأساس في تبديل العملات، وبذلك سيخسر العراق أجور التحويل مرتين، فضلا على قلة دول مستعدة للتعامل مع غير الدولار لشراء النفط تحاشيا لشمولها بالعقوبات الأمريكية المحتملة.

٤- صعوبة توفير السيولة النقدية، ذلك ان الاقتصاد العراقي يعتمد على كميات الدولار النقدي التي تدخل البلد والتي تبلغ نحو ٧ مليار دولار شهريا {١٣}، وأن عدم بيع النفط بالدولار او تصديره بمعدلاته الحالية، يعني انخفاض الدخل وقلة السيولة المتأتية منها، لذا فأن تغيير عملة البيع الى عملة أخرى مثل اليورو ليس سهلا لان البنك المركزي الأوروبي يصعب عليه تجهيز العراق بمثل هذه المبالغ الضخمة. وعليه ستقل السيولة النقدية مما يساهم في انهيار الدينار العراقي أيضا.

٥- عدم تمكن الحكومة من الإيفاء بواجباتها من سداد الديون الخارجية والداخلية ودفع الرواتب الشهرية لملايين الموظفين والمتقاعدين و الضمان الاجتماعي، والأنفاق على المشاريع الضرورية والخدمات الأساسية وغيرها من الإلتزامات الواجبة التنفيذ بسبب انخفاض الدخل الشهري كما اسلفنا في النقطة ٤ بالإضافة الى زيادة العجز الحقيقي في الموازنة السنوية بسبب انخفاض الدخل وقلة السيولة.

٦- امتناع المؤسسات المالية العالمية عن التعامل مع البنك المركزي العراقي او المصارف العراقية الاهلية او الحكومية. وهذا يعني اصابة الاقتصاد العراقي بالشلل التام، خاصة قطاعي الاستيراد والتصدير. حيث لن يكون بإمكان المصارف العالمية التعامل مع المصارف العراقية خوفا من العقوبات الامريكية، حفاظا على مصالحها مع النظام المالي والاقتصادي الأمريكي، ولعل ما نراه من إيقاف التعاملات المالية من قبل المصارف العالمية مع المصارف الايرانية خير مثال.

٧- امتناع كبريات الشركات الامريكية من التعامل مع العراق، مثل شركة جي أي المسيطرة على قطاع الكهرباء او شركة بوينغ العملاقة، ولدى العراق اسطول كبير من طائراتها مما سيحرمه من الحصول على خدمات الصيانة وقطع الغيار. مما سيضطر العراق البحث عن بدائل غير مضمونة وبأسعار تفوق الأسعار المتداولة.

٨- رفع الحماية عن البنك المركزي العراقي وامواله المودعة لدى المصارف الأمريكية، مما يعرضها لمخاطر الاستحواذ عليها من قبل الدول والشركات والأطراف الدائنة والتي مازالت قضاياها قيد التداول لدى المحاكم الدولية، بدواع التضرر من حروب سابقة او تعاملات مالية وتعاقدات اقتصادية سابقة مع العراق والتي قد تصل مبالغها الى مليارات الدولارات.

٩- تراجع التصنيف الدولي للعراق في الأسواق المالية العالمية حيث يتمتع حاليا بدرجة جيدة مما يؤثر سلبا على تدني الثقة بالسندات العراقية. وتزايد مصاعب العراق في اصدار سندات مالية في المستقبل او الاقتراض من البنوك والمؤسسات المالية العالمية لسد العجز المالي السنوي.

١٠- وقف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من المؤسسات المالية العالمية تعاملاتهم المالية مع العراق في ظل تزايد حاجاته السنوية لدعمه ماليا من قبل تلك المؤسسات، وهذا يؤدي الى فقدان مصادر مهمة للاقتراض عند الحاجة.

١١- صعوبة تسديد الديون السيادية على العراق والبالغة ٢٨ مليار دولار عدا الديون المتراكمة القديمة (٤١ مليار دولار) وتوقف الدول المانحة من تقديم مساعداتها للعراق قروضا ومنحا وهبات مثل اليابان وقروض جايكا. {١٤}

١٢- توقف الدعم العسكري والمادي من الولايات المتحدة لتسليح وتدريب القوات المسلحة العراقية والذي يقدر بنحو ٣ مليارات دولار سنويا. بالإضافة الى فقدان الغطاء الجوي العسكري ومصادر المعلومات الاستخباراتية التي تحصل عليها الجهات الأمنية العراقية من الجانب الأمريكي، وخسارة الدعم الجوي ومنظومات الدفاع الجوي وطيران الجيش ومنظومات الدرونز ورصد انفاق ومخابئ بقايا تنظيمات داعش، وفرق العمل المشتركة لقوات التحالف في قيادات العمليات بالإضافة ان منظومة السلاح الأمريكي المجهزة للعراق بعد ٢٠٠٣ ستفتقد عمليات التدريب والتجهيز والصيانة وقطع الغيار. وهذا الجانب بحاجة الى دراسة مستقلة عن التأثير المالي والاقتصادي.

١٣- انهيار الموازنة السنوية بسبب ارتفاع نسبة الموازنة التشغيلية عن الموازنات السنوية السابقة. حيث بلغت النفقات التشغيلية مستويات لا يمكن للعراق الالتزام بها، نذكر على سبيل المثال النفقات التشغيلية في موازنة ٢٠١٩ بلغت ١٠٠ تريليون دينار عراقي من ضمنها ١٥ تريليون دينار تسديد فوائد الديون الداخلية والخارجية، بالإضافة الى ٤٣ تريليون دينار عراقي لتغطية رواتب الموظفين. ومن المتوقع ان ترتفع هذه النفقات بنسبة ٢٥ بالمئة حسب رأي أعضاء اللجنة المالية في مجلس النواب، ما يعني ان العراق بحاجة الى زيادة الاقتراض لسد العجز السنوي. وفي ظل أي عقوبات مرتقبة لن يكون بالإمكان الاقتراض لعدم وجود ثقة بإمكانية التسديد، وبالتالي لا يمكن سد العجز المالي بل ستزداد. {١٥}

١٤- احدى تبعات الحصار المفروض على العراق في حقبة التسعينات، هجرة العقول المحلية الى الخارج، التي خسرها العراق وربحتها مؤسسات عالمية مثل وكالة ناسا والأسواق المالية في نيويورك ولندن وباريس وكبريات الشركات والمصانع في أرجاء المعمورة، وأن فرض أية عقوبات سيؤدي الى هجرة موجات جديدة للعقول العراقية للخارج وخصوصا لدول الخليج وأوروبا وبالتالي افراغ العراق مما تبقى من تلك العقول.

١٥- استهداف شخصيات عراقية اما بشمولها بقانون حجز الأموال او منع التعامل المالي معها أو إدراجها على لائحة الارهاب الدولي. وقد يشمل ذلك مسؤولين في الحكومة العراقية مما يزيد من صعوبة معالجة اثار العقوبات على العراق او التعامل مع الحكومة لان الكثير من الدول ستتجنب التعامل مع العراق كما هو الحال مع ايران بعد فرض الحصار الأمريكي.

١٦- تراجع ان لم نقل انهيار قطاع الاستثمار. الى جانب هروب رأس المال المحلي الى خارج العراق، حيث لن يكون باستطاعة المستثمر المحلي أو الاجنبي العمل في سوق جامدة تحت طائلة عقوبات قاسية. مما يهدد عجلة الاقتصاد وتلاشي فرص تعافي العراق من الدمار الذي طاله جراء الحروب المستمرة وانعدام الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي.

١٧- توقف تنفيذ مشاريع البنى التحتية الأساسية مثل مشاريع الماء والمجاري وبناء المستشفيات وغيرها من المشاريع الخدمية التي تحتاج مليارات الدولارات، بالإضافة الى توقف تمويل مشاريع إعادة اعمار المناطق المحررة.

١٨- انسحاب شبه مؤكد لكبريات الشركات العاملة في القطاع النفطي، والذي سينعكس سلبا على مستوى الإنتاج ومن ثم التصدير بما يخل بمستوى الدخل، ويزيد من عجز الموازنة السنوية بالإضافة الى عدم تمكن العراق من تطوير القطاع النفطي وإعادة اعمار المصافي او بناء مصافي جديدة او معامل الصناعات النفطية.

١٩- انسحاب ملحوظ للبعثات الدبلوماسية وغلق للسفارات الأجنبية التي تعتمد على الحماية الأمنية الامريكية، جراء عدم توفر متطلبات وإجراءات السلامة والامن الداخلي حسب رأيهم.

٥- الحلول والمعالجات بما أن العراق ليس بمقدوره تحمل أي نوع من العقوبات أو الحصار أي كان مصدرهما، لذا فمن الضروري حمايته من الوقوع تحت تأثيراتهما والحيلولة دون تعرضه أصلا لمثل هذه الأزمات الآن أو في المستقبل. بما أن النظام المالي والاقتصادي العراقي يعتمد على النفط بشكل رئيسي، فهذا يعني ان الحكومة ملزمة بإتباع الدولار في سياستها النقدية على المدى الراهن والمتوسط ، ريثما يتم تقليل الاعتماد على الدولار الى مستويات ادنى على المدى البعيد. وذلك باتباع مجموعة خطوات عملية لتطوير الاقتصاد والنهوض بالبنى التحتية والتي تتلخص بما يلي:

١- تنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد على مبيعات النفط، والاهتمام بالقطاعات غير النفطية مثل الصناعة والزراعة والسياحة، وتطوير مقوماتها الاساسية لهذه القطاعات في غضون السنوات الخمس القادمة، من خلال توفير موازنة استثمارية واطلاق مبادرات صناعية وزراعية. الى جانب الاهتمام بالصناعات البتروكيماوية والبلاستيكية وغيرها التي تعتمد النفط الخام كمواد أولية، حيث ان هذه الصناعات ستساهم في زيادة الدخل القومي، بالإضافة الى توفير فرص عمل لمئات العاطلين عن العمل، وتوفير المواد الأولية للمصانع. يضاف الى ذلك تطوير شبكة الطرق والجسور والسكك والموانئ التي تشكل عصب التطور الاقتصادي الشامل.

٢- تحويل نسب معينة من خزين الدولار لدى البنك المركزي الى عملات صعبة أخرى مثل اليورو والين و الجنيه الاسترليني وذلك لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي بشكل رئيسي.

٣- تغيير أنظمة وقوانين المصارف وقانون البنك المركزي لمواكبة تطور الأنظمة المصرفية في العالم الحديث، والشروع بربط مصارفنا بشبكة الأسواق المال العالمية، وبذلك يتمكن العراق من جذب الأموال الخارجية وتسهيل اقتراضاته وتعاملاته المالية والمصرفية مع كبرى المصارف العالمية.

وهذه الخطوة ستؤدي أيضا الى تشجع حركة الاستثمار داخل العراق عبر خلق بيئة جاذبة للمستثمرين الأجانب وتشجيعهم على جذب وتشغيل رؤوس أموالهم في السوق العراقية.

٤- فتح قنوات التعامل مع المصارف الأوروبية الكبيرة واعتمادها كمصارف وسيطة للتحويلات المالية وفتح السندات الحكومية، وتقليل الاعتماد على المصارف الامريكية بشكل تدريجي، علما ان كبريات المصارف الأوروبية في وقتنا الراهن ستوقف أي تعامل مصرفي مع العراق في حال فرض العقوبات حفاظا على مصالحها مع الولايات المتحدة مثل ما حصل مع ايران، والتي بالتأكيد لن تجازف بعلاقاتها الواسعة والمتشعبة مع الولايات المتحدة من اجل العراق.

٥- اتباع سياسة الأمن الغذائي وتأمين ما تحتاجه هذه السياسة من متطلبات لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وبالتالي تقليل الاعتماد على الاستيراد للمنتجات الزراعية والتحول نحو تنشيط القطاع الزراعي، وتحقيق الاستفادة القصوى من توفر مقومات الأرض والمياه والأيدي العاملة مع التركيز على توفير المكننة الحديثة.

٦- تشجيع الصناعات الغذائية والتعبئة والتعليب والتسويق، ومساعدة القطاع الخاص على إنشاء المعامل الصغيرة والمتوسطة لسد حاجة الأسواق المحلية المتنامية. وتقليل الاستيراد عبر الاعتماد على تنمية وتطوير القطاع الخاص في هذا المضمار، والذي سينعكس بدوره على تشغيل المزيد من الايدي العاملة العراقية والحد من تفشي البطالة.

٧- اطلاق مبادرة لتشجيع التعليم الحرفي والتقني وانشاء صندوق لدعم المشاريع الحرفية الصغيرة والذي سيساهم في استثمار الطاقات البشرية وتشغيلها، وزيادة حجم الانتاج المحلي بدلا من الاستيراد بالعملة الصعبة.

٨- تطوير الحوار الدبلوماسي مع الدول المؤثرة في العالم وتفعيل التفاهم المشترك معهم ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وتجنب لغة التصعيد وصولا الى أقناعها بعدم اتخاذ إجراءات تعسفية ضد العراق، حرصا على مصالح العراق العليا من جانب ومن جانب آخر كون العراق ليس في وارد القدرة على مواجهة ندية لا الآن ولا في المستقبل مع أمريكا بوصفها قوة عظمى، والتباين واضح هنا لكل ذي بصيرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

٩- تشجيع الاستثمار الأجنبي والانفتاح بهذا الصدد على الأسواق العربية والأوروبية والصينية واليابانية، شريطة تأمين بيئة استثمارية مشجعة وجاذبة لرؤوس الأموال الوافدة والتي من شأنها المساهمة في تطوير مختلف القطاعات المهمة والأساسية التي يحتاجها العراق الآن وفي المستقبل.

١٠- انشاء صندوق النقد السيادي من خلال تمويله بنسبة معينة من مبيعات النفط الشهرية وتطوير هذا الصندوق من خلال استثمار الأموال في مشاريع استراتيجية تساهم في تطوير القطاعات المختلفة وتطور العائدات للصندوق كما هو الحال في الكثير من الدول النفطية المتطورة مثل النرويج والسعودية والامارات وقطر. أخيرا ينبغي التأكيد هنا ووفقا لما اوردناه آنفا، أن الاقتصاد العراقي لن يتحمل أي نوع من التهديدات والمخاطر المتأتية من تلويح الولايات المتحدة بفرض عقوبات على العراق والذهاب الى تطبيقها فعليا. قد يقول قائل بأن العراق سبق له وأن تحمل سنوات من الحصار الدولي خلال حقبة النظام البائد، لكنه هنا يتناسى أن العراق آنذاك تمكن من تخطي مجاعات مخيفة بفعل تطبيق نظام البطاقة التموينية لكافة أفراد الشعب على حد سواء ، والتي كانت مفرداتها تكاد تكفي الأسرة الواحدة مهما كان عدد أفرادها. فضلا على كون تعداد سكانه أقل عما هو عليه اليوم بأكثر من عشرة ملايين نسمة، الى جانب امتلاكه لقطاع زراعي منتج على نحو لافت وقاعدة صناعية تكاد تفي بالحد الأدنى من المتطلبات الأساسية من سلع ومنتجات ضرورية، وبنى تحتية جرى إعادة أعمارها بعد انتهاء حرب قوات التحالف الدولي مباشرة، ورغم ذلك كانت آثار وتبعات الحصار كارثية، ولم يتعافى منها العراق حتى يومنا الحاضر. لذا فمن الأجدر تفادي أي عقوبات محتملة مباشرة أو غير مباشرة منعا لتداعيات مماثلة يصعب تداركها لعقود قادمة من الزمن. في وقت ينبغي علينا تعويض ما فاتنا من فرص التقدم والنهوض والتنمية لعقود خلت.

٦- المصادر:
(١) وكالة رويترز للأخبار www.reuters.com
(٢) موقع رئاسة مجلس الوزراء www.pmo.iq
(٣) قانون المصرف الاحتياطي الفيدرالي لسنة ١٩١٣
(٤) موقع معهد بروكينغز
www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2018/09/25/on-the-record-the-u-s-administrations-actions-on-russia
(٥) موقع اكس أي لتبادل العملة www.xe.com
(٦) موقع ستاتيستا www.statista.com
(٧) موقع طهران تايمز الإيرانية
www.tehrantimes.com/news/442872/Iran-exports-27b-of-non-oil-products-in-8-months
(٨) موقع الطاقة الدولية
www.eia.gov/dnav/pet/hist/RWTCD.htm
(٩) موقع البحث العالمي
www.globalresearch.ca/the-global-financial-tsunami-end-game-the-petro-dollar-regime-is-finished/5376779
(١٠) قانون القوى الاقتصادية الدولية الطارئة لسنة ١٩٧٧
the International Emergency Economic Powers Act 1977 (IEEPA)
(١١) www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-48119109
(١٢) موقع عراق اويل ريبورت www.IraqOilReport.com
(١٣) الصادرات النفطية – موقع وزارة النفط العراقية www.oil.gov.iq
(١٤) قانون الموازنة العراقية لسنة ٢٠١٩
(١٥) البيان الصحفي في ١١ / ١ / ٢٠٢٠ لعضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي د. ماجدة التميمي