الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:25 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 21 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

 

لُعبة العروش وصراعها دائمًا ما كانت على مر العصور هي لعبة الملوك المفضلة؛ ليس هناك فصل واحد من تاريخ الإنسانية لم يشهد انقلابًا على العرش، وصراعاتٍ طويلة غيرت التاريخ وخرائط العالم من أجل مزيدٍ من السُلطة، وكانت الوسيلة غالبًا هي إراقة الدماء في مشاهدَ مأساوية راح ضحيتها في بعض الأحيانِ أُسرٌ كاملة.
يروي الشاعر أحمد الشهاوي في كتابه «نواب الله» عن حادثة مقتل الخليفة العباسي «موسى الهادي» على يد أمه «الخيزران» قائلًا: «قالت لجواريها الحسناوات: اجلسن على ابني، وهو نائمٌ في سريره بالقصر، ولا تتركنه حتى يفقد النفس، أريد خبرهُ الليلة، فلا عاش من غلَّ يديَّ في حُكم الخلافة الإسلامية، فأنا أم الخليفة، لي فوق ما له وأزيد».
وهو ما ورد في تاريخ الطبري، إذ أشار إلى أن وفاة الخليفة العباسي «موسى الهادي» قد جاءت على يد جوارٍ لأمه، والدافع كان تعطُّشها للسلطة التي اعتادتها في فترة حُكم الخليفة الهادي. والحقيقة أنه وعلى مدار التاريخ العربي كله لم تكن الخيزران هي الوحيدة المتعطشة للسلطة حتى وإن أراقت الدماء، وانقلبت على أقرب الأقربين لها، بل شهد التاريخ حوادثَ مماثلة حدثت وما زالت تحدث حتى اليوم من أجل العرش.
«ائتني برأس جعفر».. هكذا قتل الرشيد البرامكة
يحكي مسرور خادم الخليفة هارون الرشيد أن الرشيد أرسله ثلاث مرات ليأتي برأس جعفر بن يحيى البرمكي، وكلما ذهب إلى البرمكي يقول له «والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران» فيعود مسرور للخليفة بيدٍ فارغة حتى إنه في النهاية قد حذفه بعمود قائلًا: «إن جئتني دون رأسه، لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولًا، ثم برأسه آخرًا. قال فخرجت وأتيته برأسه».
أما عن تفاصيل تلك الليلة فيرويها الطبري في كتابه مُشيرًا إلى أنّ الرشيد قد أرسل بمن يحيط يحيى البرمكي وجميع ولده ومواليه؛ فحبسهم وأخذ ما لهم من مالٍ وضياع مُستكملًا: «فلما أصبح أمر بتوجيه جثة جعفر بن يحيى إلى مدينة السلام، فنصب رأسه على الجسر الأوسط، وقطع جثته وصلب كل قطعةٍ منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل، فقتل جعفر في ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة لهم سبع عشرة سنة».
والحقيقة أن الرشيد قد نكَّل بالبرامكة تنكيلًا، فقتل منهم من قتل، وصلب من صَلَب، وألبس البقية لباس الجوع والخوف، في حادثة مروعة حُفرت في التاريخ.
Embed from Getty Images

(تعذيب أرشيف)
كان البرامكة من طوائف الناس الذين حيكت حولهم حكايات أسطورية، قيل إنهم من «مجوس بلخ» وهم الأفغان الآن؛ فيقول عنهم ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان إنهم أهلُ شرفٍ من ملوكِ الطوائف كان لهم قدر عظيم، عبدوا الأصنام حتى وصفت لهم مكة وحال الكعبة بها، وكيف يأتي إليها الناس من كل صوبٍ وحدب فاتخذوا من معبد النوبهار ما يضاهي قدسيَّة الكعبة، فنصبوا حوله أصنامهم وكسوه بالحرير والجواهر النفسية.
وفي بدايات العهد الإسلامي، تحديدًا في أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان دخل العرب خراسان فأسلم منهم من أسلم واعتنقوا الدعوة، مما أدى إلى شهرتهم في العصر الأموي، إلا أنهم لم يبلغوا مكانتهم العظيمة سوى في عهد العباسيين، خاصة في عهد هارون الرشيد.
يقول هولر جودت فرج في كتابه البرامكة سلبياتهم وإيجابياتهم إن البرامكة وصلوا من الغنى المفرط في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى حدٍّ دفع عم الخليفة إلى تحذير البرامكة من نظرات الخليفة الغيورة؛ إذ قاموا ببناء قصور فاحشة الثراء بعشرات الآلاف من الدراهم، وألفوا حياة الترف والبذخ وعُرف عنهم التأنُّق في الملبس، كما امتلكوا الضياع الجميلة وكأنَّ البلاد ملك خاصّ لهم، إلى حدٍ يصفه الكاتب قائلًا: «كان الرشيد إذا سافر لم يمر بضيعة أو بستان إلا قيل هذا لجعفر البرمكي».
وترجع مكانة البرامكة العظيمة في عهد الرشيد إلى ما فعله يحيى البرمكي مدافعًا عن حق الرشيد في الخلافة، إذ قام الخليفة موسى الهادي أخو الرشيد بخلعه من ولاية العهد ليتولاها من بعده ابنه جعفر، وهو الأمر الذي لم يتحقق بفضل يحيى البرمكيّ وما قاساه من عذابٍ شديد وإيذاء في سبيل ذلك، مما ترك أثرًا طيبًا في نفس الرشيد فولاه الوزارة، وتلا ذلك فترة السلطة البرمكية، حيث وصلوا بعدها إلى أعلى مكانة في الدولة العباسية.
ولكن لماذا انقلب هارون الرشيد فيما بعد على البرامكة بعد أن عظم شأنهم وساعدهم بنفسه في الوصول إلى تلك المكانة الرفيعة؟
اختلفت الروايات حول أسباب النكبة التي قضت على البرامكة، فيشير إلى ذلك الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك قائلًا إنّ إحدى الروايات عن سبب هلاك البرامكة هو جعفر بن يحيى البرمكي، إذ كان الرشيد لا يطيق معه صبرًا هو وأخته عباسة بنت المهدي، ويستكمل: «قال لجعفر أزوجكما ليحلَّ لكَ النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدم إليه ألا يمسّها، ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل من زوجته، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشراب، ثم يقوم عن مجلسه ويخلِّيهما، فيثملان من الشراب وهما شابان، فيقوم إليها جعفر ويجامعها، فحملت منه وولدت غلامًا». ولكنّ المؤرخ الدكتور عبد الجبار الجومرد يدحض هذه الشائعات في كتابه هارون الرشيد مُستشهدًا بزواج العباسة مرتين لم يكن من بينهما جعفر، كما أن أصلها العربي وأصل جعفر الفارسي كان سيحول دون إتمام مثل هذه الزيجة، مؤكدًا أن السبب الرئيس في النكبة كان سياسيًا في المقام الأول.
يحصر المؤرخ عبد الجبار الجومرد أسباب النكبة في استئثار كل من يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى البرمكي بمؤسسات الدولة وخراجها ومواردها، حتى إنّ الرشيد كان يطلب الأموال من بيت المال فلا تصل إليه، أما «الفضل بن يحيى» والذي عيّنه الرشيد واليًا على الجانب الشرقي من الدولة، فقد اتخذ من خراسان مقرًا لولايته وكوَّن بها جيشًا كبيرًا تعداده 500 ألف جندي، ليحمي البرامكة من بطش الخليفة، وبالتالي يصبح مصير الرشيد والخلافة العباسية بين أيديهم، وهو ما اعتبره المؤرخون انقلابًا عسكريًا صريحًا على السلطة.
يزيد المؤرخ هولر جودت فرج على ذلك بما رواه مؤرخو هذا الزمان قائلًا: «أرجع بعض المؤرخين سبب النكبة إلى غضب الرشيد على جعفر البرمكي لأنه أطلق سراح يحيى بن عبد الله العلوي دون استئذانه». والحقيقة أن البرامكة اتُّهِموا بالميل نحو البيت العلوي في الوقت الذي انشغل فيه الرشيد بمحاربة العلويين والشيعة، كل هذا إلى جانب الشائعات التي اتهمتهم بالزندقة وإفساد المُلك والتي أرجعها المؤرخون إلى حسد الحاقدين عليهم لما وصلوا إليه من مكانةٍ رفيعة، وينهي هولر حديثه قائلًا: «لا نعلم علم اليقين السبب العميق لهذه النهاية القاسية لحكم البرامكة، لأنَّ الرشيد لم يفصح عنه لأي إنسان، ويخبرنا اليعقوبي عن تكتُّم الرشيد في هذا الأمر فيروي أن الرشيد كان يقول: لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا؛ لقطعتها».

صقر قريش.. لماذا انقلب عبد الرحمن الداخل على أقرب الأقربين له؟
«ما هذا إلا شيطان، والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر» هكذا تحدث «أبو جعفر المنصور» ثاني خلفاء بني عباس عن «عبد الرحمن الداخل» مؤسس دولة الأندلس الأموية، كما رواها التلمساني في كتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فبعدما قتل الداخل العلاء بن مغيث اليحصبي في 7 آلاف من أصحابه، لنزولهم إلى الأندلس داعين لأبي جعفر المنصور، بعث برؤوسهم إلى القيروان ومكة؛ فألقيت الرؤوس في الأسواق سرًا.
الحقيقة أن سياسة عبد الرحمن الداخل الانتقامية والساعية للسلطة جاءت نتيجة الظروف التي نشأت بها دولته الأندلسية، فهو ابن الدولة الأموية في أوج مجدها؛ إذ استطاعت أن تُكوّن إمبراطورية مترامية الأطراف من السند شرقًا وحتى المحيط الأطلنطي وإسبانيا غربًا، ولكنها كانت قوة واهية، فقد انهارت تلك الدولة وهي في عزها كما يقول المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس؛ مُشيرًا إلى أنّ نشأة تلك الدولة جاءت في شكل انتزاع للحكم من آل البيت، ونتيجة معركة راح ضحيتها آل البيت وأولادهم هي أولى العوامل التي عجَّلت بنهايتها، لتقوم على أنقاضها دولة بني العباس – الخلافة العباسية – والتي تفنَّنت في القضاء على أهل البيت الأموي لدرجة لم تترك فيهم طفلًا ولا شيخًا تصل إليه أيديهم إلا وأعملوا فيه سنون سيوفهم.
لقِّب «أبو العباس عبد الله» الخليفة الأول لبني العباس بالسفاح، خاصة بعد أن تعهَّد لأمويِّي الشام بالأمان وأغدق عليهم الوعود حتى دعاهم لمأدبة في منزله وذبحهم ذبح النعاج، فكان الحظّ نصيرًا لقلةٍ قليلة من أمراء بني أمية هم الذين استطاعوا النجاة من بطش العباسيين، وكان من بينهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك المُلقب بـ«صقر قريش».
قيل في كتاب نفح الطيب إنّه لُقِّب بصقر قريش لأنه عبر البر والبحر، وأقام مُلكًا لنفسه، فافتتح الأندلس، واقتطعها من بني العباس، وأقام بها مُلكًا جَمَعَ شمل بني أمية ومواليهم، إذ تمكَّن عبد الرحمن من الهرب بين ربوع الدولة الإسلامية لخمس سنوات مرّ خلالها بمصر وفلسطين والقيروان حتى وصل أخيرًا إلى بلاد المغرب؛ حيث كان لأمه أصل بربري وهناك عبر مضيق جبل طارق دخل الأندلس أولَ مرة.
وأنه لما قصد المغرب من فلسطين، خرج معه أربعة من مواليه، كان على رأسهم «بدر» الذي تبعه بالأموال اللازمة له والجوهر، وعندما عَبَرَ مضيق جبل طارق نحو الأندلس كان في انتظاره زعيم موالي بني أمية أبو عثمان بن عبيد الله، وحشد له أبو عثمان حينها جموعًا كبيرة من موالي بني أمية وأهل الشام، وبجهودهم تمكَّن حينها من فتح الأندلس، إلا أنه وما أن استتب له الأمر، حتى عمد على التخلص منهم، وانقلب على مواليه «بدر وأبي عثمان».

يقول عن ذلك المؤرخ محمد عبد الله عنان: «كان عبد الرحمن وفيًا يحفظ العهد لمن يخلص له، إلا أنه لم يحجم لأقلّ ريبة أو بادرة عن الفتك بأعز أصدقائه وأقرب الناس إليه»، مُستكملًا أن الغدر والاغتيال كانا سبيله للتخلص من خصومه، وكان لا يتردد في إزهاق روح ولدهم وصحبتهم الأبرياء؛ فكان من صرامته وقسوته أن فتك بأصدقائه ومواليه الذين آزروه حتى أصبح له مُلك وهيبة.
وكان من بينهم بدر الذي جاب معه القفور حين هرب حتى يأمن نفسه، وكان أول من حارب معه في سبيل توطيد دولته الوليدة، فقلده في البداية الوزارة وولاه أسمى المناصب والمهام، إلا أنه تغير عليه في آخر عهده.
قيل إنه قدَّم له نقدًا لاذعًا وبالغ في التواضع والتبسط مع الأمير حتى إنه في بعض الأحيان كان يتعمَّد تذكيره بما قاساه من أجله، مما أغضب عبد الرحمن الداخل، فجرده من أمواله ومناصبه، ولم يستمع إلى تضرعه حتى مات في فقرٍ وضعَة، حيث أقصاه عن البلاد وشرده عن قرطبة حتى يكون عبرةً وعظة.
نال أبو عثمان أيضًا نفس المصير وقد كان أكبر أنصاره، إذ قلده المناصب والمهام حتى توطد له الأمر في دولته الجديدة، ومن ثمَّ قام بتجريده من نفوذه، ولم يتردد حينها في البطش بأغلب من آزروه وكأن الانقلاب قد أصبح مزاجه الخاص حتى إنه قد فتك بأسرته عندما نما إليه أنهم يتآمرون ضده؛ فقتل ابني أخيه، وابن عمه، فيقول عن ذلك المؤرخ رينهارت دوزي: «دفع عبد الرحمن ثمن ظفره غاليًا، ذلك الطاغية الغادر الصارم المنتقم، الذي لم تأخذه رأفة، ولم يبقِ على زعيم عربي أو بربري يجرؤ على مواجهته صراحةً، ولكن الجميع كانوا يلعنونه خفيةً، ولم يكن ثمة رجل يرغب في خدمته».

«قتلونا على نارٍ هادئة».. الملك الحسن الثاني والجنرال أوفقير
كانوا ينقلون له معلومات تفصيلية عن مأكلنا ومشربنا وملبسنا، وأحاديثنا، والحلي التي أتزين بها، والأحزمة الجديدة التي أطوق بها خصري.
لعبة العروش لم تكن حكرًا على التاريخ القديم والممالك الغابرة فقط، بل ظلَّت لُعبةً مستمرة أينما وجد النفوذ والسلطة؛ ففي المغرب العربي، وإبَّان أوائل سبعينيات القرن الماضي، قام الجنرال محمد أوفقير بمحاولة انقلابٍ فاشلة، وجدوه بعدها مقتولًا بخمس رصاصاتٍ في الظهر، إلا أنَّ المصادر الحكومية قد أعلنت أنه انتحر. ولكن هذا الموت الانتقامي أو الانتحاري لم يكن سوى بداية البطش والفتك بأسرة أوفقير.
تروي فاطمة أوفقير تفاصيل تلك الحادثة في مذكراتها «حدائق الملك: الجنرال أوفقير والحسن الثاني ونحن» حينها كانت في الدار البيضاء على البحر حيث فوجئت بأفواجٍ من الزائرين لها في الشاليه الصغير الذي تقطنه، لم تكن تعلم سوى أن طائرة الملك قُصفت، نامت فاطمة ليلتها إلى جانب طفلها في أمانٍ قبل أن يوقظها سائقها ليخبرها بأمر وفاة الجنرال محمد أوفقير، ودون أن تعلم لما قتل أوفقير سارت إلى الرباط في ثلاث ساعات تصفها بأنها لا تطاق، تستعجل فيهم الأخبار؛ عندما وصلت منزلها كان الجميع يرددون الرواية الرسمية للحدث: «انتحر الجنرال بدافع الوفاء»، دون أن يذكر أحد محاولة الانقلاب.
تستكمل حديثها: «علمتُ فيما بعد أنّ الطائرة الملكية القادمة من باريس طوردت في الجو، من قبل سربٍ من طائرات سلاح الجو المغربي يقودها العقيد أموقران الضابط السابق الذي زرته أثناء مرضه في باريس، حيث أجبر الطيارون العسكريون بمهمة مواكبة الطائرة الملكية وإجبارها على النزول في القنيطرة، حيث ينتظرها أوفقير وطيار حرب المتمردين، إلا أنّ طيار الملك اعتبرها مغامرة حياة أو موت، وتوجه متخلصًا من مهاجميه بأقصى سرعة إلى مطار الرباط».
تقول فاطمة إن ما علمته عن الحادث لم يكن من أوفقير لأنه لم يطلعها على شيء، ولكنها علمت أن الخطة الانقلابية كانت تهدف لإنزال الملك الحسن الثاني في القنيطرة وإلقاء القبض عليه وحبسه مع نسائه في أحد القصور حتى يتم تشكيل مجلس وصاية على العرش؛ مُشيرة إلى أن أوفقير لم يكن طامعًا في السلطة، فقد كانت السلطة والنفوذ كلها تحت يديه بما فيهم الجيش والشرطة، بل أراد إقصاء الحسن الثاني وتمهيد العرش من أجل تنصيب ولي العهد فيما بعد.
وعن السبب الذي من أجله قام أوفقير بمحاولته الانقلابية تُحدثنا فاطمة في كتابها عن الفترة التي سبقت ذلك، مُشيرة إلى أن أوفقير كان من أكثر المدافعين عن الملكيَّة، كما كان أشدَّهم إخلاصًا للملك الحسن الثاني، إلا أن استبداد الحسن الثاني بعد قضية بن بركة وانقلاب الصخيرات جعلا من أوفقير رجلًا آخر.
كانت تلك الفترة هي التي شهدت شكوى أوفقير الأولى من الملك الحسن الثاني، فلم يعد يطيق الحسن الثاني، ولا صلاحياته المُطلقة واعتقالاته وحبسه للخصوم، حيث كان يحكم على البعض بالإعدام دون محاكمة؛ فتروي فاطمة أن أوفقير كان مُطّلعًا على الكثير من المآسي والأسرار التي حملته على انتقاد الملك، مُصرحة بأنه كان يشعر بالحصار فأغلب من يعملون تحت إمرته هم جواسيس للحسن الثاني، حتى خدم البيت كان ينقلون للملك تفاصيل حياة أوفقير.
لم ينتهِ الأمر عند فشل الانقلاب، بل لاقت أسرة أوفقير كلها مصيرًا مأساويًا، حيث اعتقل الملك الحسن الثاني فاطمة زوجة أوفقير وأولادها، وقام بوضعهم في زنزاناتٍ منفردة وبسرية تامة.
تحكي عن تجربة السجن ابنة أوفقير مليكة في رواية السجينة: «ساقونا إلى منزل تحت الأرض يقع داخل الثكنة، وأول ما واجهنا كان رجلًا طاعنًا في السن يرتدي جلبابًا عسكريًا». فتشير مليكة إلى السجّان بوعزة آمر المعسكر على أنه رجل كُلّف طوال 40 عامًا بإذلال المعتقلين السياسيين، ولكنها كانت المرة الأولى في حياته التي يحتجز فيها ثلاث نساء وستة أطفال وكل ما يعرفه هو أن عليه إذلال عائلة أوفقير وترويضها.
أما فاطمة فتقول «قتلونا على نارٍ هادئة، وكانت ظروف حياتنا تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى الطعام كان يقلُّ تدريجيًا»؛ إذ فصلت فاطمة عن أبنائها بمدة تزيد على 10 سنوات، حتى تمكَّن بعضهم من الهرب عام 1987، أما فاطمة فقد استعادت حريتها عام 2000 وحينها فقط استطاعت أن تنشر مذكراتها، راويةً للعالم مأساة أسرتها.