الأثنين: 22 يوليو، 2019 - 18 ذو القعدة 1440 - 09:16 مساءً
سلة الاخبار
الأحد: 5 مايو، 2019

عواجل برس/متابعة

كل عام، في الأول من مايو، تحتفل الجمهورية الإسلامية الإيرانية بيوم المعلم، وذلك في ذكرى اغتيال الفيلسوف والمفكر الإيراني مرتضى مطهري عام 1979، على يد عناصر من جماعة الفرقان المعادية لرجال الدين

عُرف مطهري بكونه أحد أهم تلامذة آية الله الخميني، وأقربهم إليه، فضلاً عن كونه مفكراً ومنظراً سياسياً مهماً، وهو الأمر الذي ظهر في العشرات من مؤلفاته التي لا زالت تلقى الاهتمام داخل وخارج إيران حتى اللحظة الراهنة.

من فريمان إلى طهران

وُلد مطهري عام 1920، في مدينة فريمان في محافظة خراسان، وتلقى علومه الدينية الأولية في مدينة مشهد وفي الحوزة العلمية في قم، ودرس على عدد كبير من كبار المراجع الشيعة من أمثال أحمد الخوانساري وروح الله الخميني ومحمد حسين الطباطبائي.

بعد الانتهاء من دروسه الدينية، انتقل مطهري إلى طهران، وانخرط في تدريس العلوم الدينية والفلسفة الإسلامية، وألف مجموعة كبيرة من الكتب المهمة، منها العدل الإلهي، حول الثورة الإسلامية، الملحمة الحسينية، الإسلام وإيران، فلسفة الأخلاق، والاجتهاد في الإسلام.

مطهري والخميني

من أهم المحطات الفارقة في حياة مرتضى مطهري تلك العلاقة القوية والوطيدة التي جمعته بالمرجع الشيعي الأعلى آية الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية.

 

العلاقة بين الرجلين بدأت منذ فترة مبكرة من حياة مطهري، فقد التقى بالخميني للمرة الأولى في الحوزة العلمية في مدينة قم، ودرس عليه عدداً من علوم الدين، ويبدو أنه تأثر كثيراً بأفكار أستاذه السياسية في تلك المرحلة، إذ شارك في التظاهرات التي دعا إليها الخميني للتنديد ببعض قرارات الشاه، واعتُقل بسبب ذلك في الخامس من يونيو 1963، وظل حبيساً في سجون الشاه لما يزيد عن الأربعين يوماً قبل أن يُطلَق سراحه بعدها.

لم تنقطع الصلة بين الرجلين عقب نفي الخميني من إيران عام 1964، ويشهد على ذلك ما ذكره الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني في لقاء تلفزيوني: “كان منزل الأستاذ مطهري مركز هداية الثورة داخل البلد ومركز التنسيق مع قيادة الإمام”.

يمكن القول إن مطهري كان أحد أكثر مساعدي الخميني أهمية وتأثيراً خلال فترة نفي الأخير. تابع الفيلسوف الإيراني خطة أستاذه في الإعداد لثورة إسلامية من خلال الخطابات الدينية والفكرية، فأسس حسينية الإرشاد عام 1967، وداوم على إلقاء الخطب التوعوية من مساجد الجواد وجاويد وأرك، في طهران، ما عرّضه لملاحقة السلطة الشاهنشاهية التي اعتقلته أكثر من مرة.

عام 1976، سافر مطهري إلى مدينة النجف العراقية لزيارة الخميني، وبعد سنتين سافر مرة أخرى ليزور أستاذه في منفاه الباريسي، وتم تكليفه وقتها بمهمة تشكيل مجلس قيادة الثورة الإسلامية، فعاد إلى إيران ليكتب عن الخميني قائلاً: “هذا الرجل في الحقيقة نموذج لعلي، فقد قيل إن علياً كان يبتسم أمام العدو في الحرب، وأما في محراب العبادة فيغشى عليه من شدة البكاء، ونحن نرى نموذجاً له في هذا الرجل”، حسبما ورد في كتابه “حول الثورة الإسلامية”.

 

من أهم الأدلة التي تشير إلى عمق العلاقة بين الخميني ومطهري، أن الأول أظهر تأثراً شديداً عقب معرفته باغتيال الثاني، فأعلن الحداد، وأصدر بيان تعزية، ورد فيه: “ذلك الرجل الذي عز له مثيل في معرفة الدين الإسلامي والمعارف الإسلامية المختلفة وتفسير القرآن الكريم… فقدت ولداً عزيزاً وقد فجعت بوفاته فكان من الشخصيات التي أعدها ثمرة حياتي”.

النظرية السياسية عند مطهري

استحوذت الكتابات السياسية على حيّز كبير من اهتمامات مرتضى مطهري البحثية والأكاديمية. أولى سمات نظريته السياسية هي ضرورة الاعتراف الكامل بأهمية الإسلام عند الإيرانيين، بحيث يجري التوافق بينهم على حتمية الاحتكام المطلق إليه، وعلى الإيديولوجيا السياسية المنبثقة عنه.

يفسّر مطهري في كتابه” الإسلام وإيران” تلك النقطة بقوله: “الإسلام من صميم حياتنا، وفي ظل آداب هذا الدين ترعرع أطفالنا وعشنا حياتنا ومارسنا عباداتنا وحتى مراسم دفن موتانا، فأصبح تاريخنا وأدبنا وسياستنا، وحكمنا، وثقافتنا، وحضارتنا، وشؤون حضارتنا، بل كل شيء منّا متداخلاً مع هذا الدين ومقترناً به ومزيجاً معه”.

اتسقت الرؤية السياسية عند مطهري مع أفكار آية الله الخميني السياسية التي دعا فيها إلى ضرورة قيام الملالي والفقهاء بأدوار سياسية تتناسب مع مكانتهم الدينية في إيران، ومن هنا نجده يؤكد، في كتابه “الأئمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، على النشاط السياسي والاجتماعي للأئمة الاثناعشر، في تعارض ملحوظ مع الرأي الشيعي الاثناعشري التقليدي الذي يذهب إلى أن هؤلاء الأئمة ابتعدوا عن السياسة بشكل كامل بعد كربلاء، وأنهم ركنوا إلى التقية، ولم ينشغلوا بالحكم، ابتعاداً عن الصدام مع السلطات الأموية والعباسية.

أما في كتابه الضخم، “الملحمة الحسينية”، والذي كان قد ألقاه على شكل دروس ومحاضرات متتابعة، فقد اتخذ من مأساة الإمام الحسين نموذجاً يُحتذى به في الدعوة إلى العمل السياسي الثوري، وذلك من خلال نقد الكثير من الروايات الأسطورية الضعيفة التي يلصقها الشيعة بكربلاء، والتي غلبت على العقل الشيعي الجمعي، فدفعته دفعاً إلى الانغماس الكلي في الخوارق والغيبيات، دون استفادة حقيقة من تجربة حفيد الرسول.

ويقول مطهري في كتابه إن قضية كربلاء “ينبغي عرضها كما هي، دون زيادة أو نقصان، لأنه في حالة أي تدخل أو تصرف في اللفظ أو المعنى، مهما كان بسيطاً، سيترتب بلا شك حرف اتجاه الحادثة عن مسارها، وبالتالي، إلحاق الضرر بأمتنا بالتأكيد، بدلاً من إفادتها منها”.

وتعتبر المجهودات الفكرية التي قام بها مطهري في مبحث ولاية الفقيه على وجه الخصوص أحد أهم الإسهامات التي قام بها في المجال السياسي على الإطلاق.

في كتابه “توزيع السلطة في الفكر السياسي الشيعي: دراسة فقهية فلسفية مقارنة”، يذكر الباحث الإيراني صادق حقيقت الدور الكبير الذي لعبه مطهري في تنظيم نظرية ولاية الفقيه، فإذا كان الخميني هو مبتكر ومؤسس هذه النظرية، فإن مطهري كان المنظر الأول للقواعد والمبادئ التي يحكم الولي الفقيه من خلالها، وهي القواعد التي عُرفت باسم نظرية الإشراف.

الأصل الأول والأهم لتلك النظرية يتضح في ما قاله مطهري في كتابه “حول الثورة الإسلامية” من أن “ولاية الفقيه لا تعني أن يباشر الفقيه مهام رئيس الدولة ويحكم بصورة مباشرة وعملية. إن دور الفقيه في البلد الإسلام، أي البلد الذي يتبنى شعبه الإسلام كأيديولوجيا ويلتزم بتعاليمه، هو دور المؤدلج لا دور الحاكم. مهمة المؤدلج هي الإشراف على حسن تطبيق استراتيجية الرقابة، إذ يراقب ويمحص صلاحية رئيس الحكومة والقائم على تطبيق القوانيين في إطار إيديولوجية الإسلام”.

من هنا، فإن الديمقراطية تُعتبر من ركائز نظرية الولي الفقيه عند مطهري، “فالشعب هو الذي ينتخب الفقيه، وهذا هو عين الديمقراطية”، ولذلك عادةً ما يُنظر إلى مطهري على كونه من أبرز الداعمين لنظرية ولاية الفقيه الشعبية أو الدستورية، وهي التي تمنح الشعب الحق في اختيار الولي الفقيه، وتفصل بين السلطات المختلفة وبعضها البعض، بحيث لا تقع كل الصلاحيات في قبضة الفقيه، ولا تصنع منه ديكتاتوراً، بل تكتفي بمنحه شكل المرجعية الإيديولوجية العليا في الدولة.

كتب نظرية في ولاية الفقيه لا تلغي الديمقراطية، “فالشعب هو الذي ينتخب الفقيه”، ما قرّبه فكرياً من مجموعة مراجع دينية إيرانية امتعضت من تطبيق نظرية الخميني… عن فيلسوف الثورة الإيرانية مرتضى مطهري

قال: “لا نستطيع حراسة الإسلام إلا عن طريق قوة واحدة فقط، ألا وهي قوة العلم وإعطاء الحرية للأفكار المخالفة، ومن ثم مواجهتها مواجهة صريحة واضحة”… عن فيلسوف الثورة الإيرانية مرتضى مطهري

هذا الخط الذي انتهجه مطهري قرّبه، فكرياً، من مجموعة من المراجع الدينية الإيرانية التي امتعضت من تطبيق نظرية ولاية الفقيه بشكلها التعييني، والذي يمنح الفقيه سلطة مطلقة، بصفته نائباً للإمام الغائب، ويصور هذه السلطة على أنها ذات مصدر إلهي لا دخل للشعب فيه، وأنها مستمدة من نفس المصدر الذي استمدت منه سلطة الأئمة الاثناعشر أنفسهم.

واتساقاً مع تلك النظرية، اهتم مطهري في كتاباته بالتأكيد على قيمة الحرية، وأحقية الشعوب في ممارسة السياسة والتفكير دون تقييد من قبل السلطة الحاكمة، ويظهر ذلك في قوله: “لا نستطيع حراسة الإسلام إلا عن طريق قوة واحدة فقط، ألا وهي قوة العلم وإعطاء الحرية للأفكار المخالفة، ومن ثم مواجهتها مواجهة صريحة واضحة”.

أما بخصوص حرية المعتقد والدين، فقد اعتبره مطهري حقاً مكفولاً لكل إنسان، “فالتدين لو كان إجبارياً، لا يصح أن يقال له تدين، يمكن إجبار الناس أن لا يقولوا شيئاً، ولا يعملوا شيئاً، ولكن لا يمكن إجبارهم على أن يفكروا تفكيراً خاصاً، فالعقيدة يجب أن تكون على أساس الدين والبرهان”.

 

وفي كتابه “مستقبل الثورة الإسلامية”، وفي معرض نقده للإيديولوجيات السياسية المنتشرة حول العالم، أكد مطهري أن وجود تشابه ظاهري كبير بين الاشتراكية والإسلام يتجلى في أن الاثنين يعملان على تحقيق العدالة الاجتماعية بين جموع الشعب، لا يمكن أن ينكر الخلاف الكبير الذي يفصل في ما بينهما، فبينما تستهدف الاشتراكية الجانب المادي المحض في الإنسان، فإن الإسلام دائماً ما اهتم بالتركيز على المعاني والقيم الإنسانية، حيث “يجب أن يكون الاشتراك في الحياة المادية ناشئاً عن الاشتراك الروحي للناس، ويجب أن تتحد الأرواح أولاً ثم الجيوب، لا أن تكون الأرواح مشتتة، وتوحيد الجيوب غصباً”.

ومن النقاط المثيرة للاهتمام في خطاب مطهري السياسي أنه اصطبغ بصبغة شعبوية تعبوية واضحة، وأنه تماهى بشكل كبير مع الخطاب الثوري للخميني، والذي صار في ما بعد علامة مميزة للثورة الإسلامية كلها.

على سبيل المثال، ينتقد مطهري في كتابه “حول الثورة الإسلامية” الرئيس المصري أنور السادات، والذي كان من أهم حلفاء الشاه المخلوع، من خلال إسقاطاته التأويلية لسورة المسد، فيقول: “تبت يدا أبي لهب (أنور السادات) وتب، ما أغنى عنه ماله (أموال أمريكا وإسرائيل) وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب (هو في النار اليوم، يذوق طعم مؤامرته الجهنمية مع أخيه وحبيبه محمد رضا بهلوي)، وامرأته (جيهان) حمالة الحطب (لإشعال نار الفتنة والشنآن بين المسلمين)، في جيدها حبل من مسد (حبل عمالة الشيطان الأكبر)”.