السبت: 19 أكتوبر، 2019 - 19 صفر 1441 - 07:15 صباحاً
بانوراما
السبت: 22 أبريل، 2017

عواجل برس _ متابعة

ابراهيم بديوي

 
ترشح على غير رغبة المرشد فأُبعد بأوامره، هكذا أقر أحمدي نجاد الفصل الأخير ربما من حياته السياسية، بعد أن ظل لثماني سنوات رئيسًا على إيران.

قبل قرابة العام – يونيه (حزيران) 2016 – رصدت مجلة السياسة الدولية الأمريكية فورين أفيرز حالة جديدة على السياسة الإيرانية، كان البطل في إخراجها أحمدي نجاد، رئيس إيران السابق، عندما صال وجال في قرى إيران البعيدة متحدثًا إلى الناس في المساجد عن إمكانية ترشحه مرةً أخرى للرئاسة الإيرانية، متعللًا في تلويحاته باتهامات للرئيس الحالي حسن روحاني بالفشل في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع الدول الكبرى في يوليو (تموز) 2015، متذرّعًا في اتهاماته لروحاني باعتقاده أن الاتفاق ضحّى بالمشروع النووي الإيراني في مقابل مكاسب غير محددة المعالم.

المرشد كما نقلت الصحافة الإيرانية نصحه بألا يفعل، لكنه مع فتح باب الترشح أقدم، في 12 أبريل (نيسان) الحالي، على الترشح غير مكترث بنصائح خامنئي، فاستبعده مجلس تشخيص مصلحة النظام لعدم أهليته للترشح.

نصير المستضعفين.. «كاوه»
اليمين يجر بعضه بعضًا، هذه حقيقة، تجسدها الثنائية الإيرانية الأمريكية في واحدة من أوضح عداوات القرن الحالي، فبعد أن كانت إيران رفسنجاني وخاتمي قاب قوسين أو أدنى من تحييد الشعور الإيراني تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، أبى الرئيس بوش الابن إلا أن يحصر إيران في محور الشر، باتهامه إياها بالوقوف وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، ثم ما لبث أن عاود الكرة عليهم في مايو (أيار) 2003 متهمًا إياهم بإيواء عناصر من القاعدة تورطوا في أعمال عسكرية معادية للولايات المتحدة على الأراضي السعودية، راح ضحيتها ثمانية أمريكيين.

انقسام حاد ضرب ما سمي بالإصلاح الإيراني، فبين من رأى في رأب الصدع مع الولايات المتحدة أمرًا هزليًا لا يمكن الرهان عليه، كافرين بهذا الخط الذي انتهجه خاتمي ومن قبله رفسنجاني، وفئة قليلة بقيت على إيمانها بضرورة مواصلة السعي نحو إيران أكثر عالمية، حتى باغتتهم الأيام فأتت لهم بأحمدي نجاد على رأس السلطة في العام 2005.

كاميرات التلفاز سريعًا ما ذهبت لبيته، وأظهرته واحدًا من المواطنين العاديين، محمود أحمدي نجاد، ابن الطبقة الوسطى الدنيا ونصير المستضعفين. والده كان حدادًا كما كان كاوه في أساطير الفرس، المدونة في الشاهنامه.

قاد، بُعيد توليه السلطة في أغسطس (آب) 2005 حربًا على الفساد، ودعم الفقراء وأعاد الثورة لمهدها كما كانت في ظل الخميني، هكذا نُظر إليه من قبل قطاعات واسعة من الشعب الإيراني. عمل على رفع الأجور لا سيما الخاصة بموظفي الحكومة، لتخفيف حدة الفقر، وتعامل بحزم مع مشكلات البطالة والإسكان، وتوزيع العلاوات على المتزوجين حديثًا، وتبنى خطابًا مفاده العدالة الاجتماعية، وحدد لها محاور أربعة: نشر العدالة وتوسيعها، والعطف، والتقدم والتعالي المادي والروحي، وإيصال الخدمة.

حدد لنفسه مهمة تهيئة البلاد لاستقبال الولي الفقيه المنتظر، وأعلن بوضوح لا لبس فيه، أن الثورة لم تقم لتدعيم ديمقراطية الغرب وإنما لإرساء عدالة الإسلام، ولهذه المهمة حشد الجهود وجاب البلدات الإيرانية على كثرتها، ما وفّر له دعمًا جماهيريًا غير مسبوق، لأحد من السياسيين من غير رجال الدين.

اندلعت الفتنة في أعقاب انتخابه للولاية الثانية عام 2009، وشكك تيار الإصلاح في النتائج التي أهّلته للفوز بنسبة 63%، بينما حل موسوي ثانيًا ورضائي وكروبي ثالثًا ورابعًا (على الترتيب)، «الاحتجاج بالتزوير كان قناعًا اتخذه تيار الفتنة»، كما سُمي في إيران حينها من قبل قيادات الحرس الثوري، للتنديد بدعم المرشد لترشح نجاد والذي بدأ من جولته الأولى 2005، وهو الأمر الذي بلوره كروبي في الرسالة التي وجهها للمرشد الأعلى في 20 يونيو (حزيران) 2005، يستوضح فيها موقفه قائلًا: «بالرغم من أن مواقف سيادتكم شفافة ولكن هناك أنباء تتحدث عن دعم نجلكم الموقر – السيد مجتبى – لأحد المرشحين، كما سمعت بعد ذلك بأن أحد كبار الشخصيات أبلغكم بأن (ابن السيد يدعم فلان) فرددتم عليه: إنه ليس ابن السيد بل هو سيد، لذا فإن هذا القول يدل على أن الدعم المذكور كان من السيد مجتبى الخاص وليس من فضيلتكم».

لكن ما لبث هذا الدعم أن تحول في الفترة الرئاسية الثانية (2009-2013) إلى شقاق، فما أسبابه ومآلاته، بعد أن استبعد مجلس تشخيص مصلحة النظام ترشح نجاد لانتخابات الرئاسة القادمة أمس، الخميس 20 أبريل (نيسان)؟

غضب في صفوف الحرس الثوري
جدل كبير شاب العلاقة بين كل من الحرس الثوري ونجاد، فدعم الأولى لنجاد كان ملحوظًا وتخطى الحرس الجميع في كل من القطاعين التجاري والصناعي ورجع تزايد نفوذه لأسباب أمنية أتاحت له بسط النفوذ على العديد من المشاريع دون الدخول في مناقصات.

كذلك اختيار نجاد لأحد قيادات الحرس الملاحقين دوليًا على قوائم الإنتربول، أحمد وحيدي، وزيرًا للدفاع، وثّق العرى بين الرجل والمؤسسة، متحدّين معًا غضب واشنطن ومؤسسات العدالة الدولية، وحمل اختياره العديد من الرسائل أعادت للأذهان تحديات ما بعد الثورة، فنجاد يعلم أن وزيره للدفاع لن يتمكن من السفر خارج البلاد.

أراد نجاد للحرس لعب دور اقتصادي، يخفف من وطأة العقوبات المتزايدة من جراء الملف النووي الإيراني، لا سيما في مجالي النفط والغاز، وشكلت إمبراطورية الحرس الاقتصادية صمام أمان لضمان استمرار المشروع النووي الإيراني في ظل العقوبات المتلاحقة، فنجاد يعلم أن ممارسة العناد مع الغرب لن يكون إلا بدعم هذه المؤسسة وفرعها الاقتصادي المعروف اصطلاحًا بـ«خاتم الأنبياء». وحلّت الشركات المحلية وثيقة الصلة بالحرس محل الشركات الأجنبية في السوق الإيرانية، حتى بات ما يعادل ثلث الاقتصاد الإيراني بيد المؤسسة.

ثنائية نجاد والحرس الثوري ألقت بظلالها على الصراع ما بين نجاد ورفسنجاني، وتحدثت تقارير حكومية عن ضلوع رفسنجاني في محاولات لعرقلة أنشطة الحرس الثوري في مجال النفط لصالح مقربين منه، الأمر الذي أكّده نجاد بتصريحه بأن مافيا النفط في إيران قُطعت يدها، بانتقال جُل المشاريع للحرس الثوري، حتى اختار نجاد وزيرًا للنفط من داخل المؤسسة، مسعود مير كاظمي.

كانت لحظة الصدام وشيكة، عندما أراد نجاد أن يخضع المؤسسة لحكومته بدلًا من مجرد الاستفادة منها واستعمالها، فخاض حربًا معها حول الأعمال الاقتصادية الخارجة عن رقابة الحكومة ودرايتها، وبدا غاضبًا بشأن قضية الأرصفة البحرية غير المرخصة والتي لا تخضع للإشراف الحكومي، ووصفها بأنها غير قانونية.

في خطاب متلفز، وجه نجاد الاتهام للمؤسسة بممارسة عمليات تهريب للبضائع والعملة الصعبة، ولم يتأخر رد محمد علي جعفري، قائد الحرس معتبرًا اتهامات نجاد حرفًا للأنظار بغية التستر على بؤر التهريب الحقيقية.

نجاد مؤسسًا لـ«تيار الانحراف»!
عقب انتخابه رئيسًا في أغسطس (آب) 2005، عُقد أول مؤتمر دولي بشأن العقيدة المهدوية، وقد جاء المؤتمر مباشرةً بعد حديثه في الأمم المتحدة تناول فيه فكرة المهدي الموعود، ما كان خروجًا عن النسق الدبلوماسي، أربك الحاضرين.

تعددت إشارات نجاد لفكرة المهدي إمام الزمان الغائب وقرب موعد ظهوره، وجعل المهمة المنوطة بإدارته إقامة المجتمع النموذجي لاستقبال هذا الحدث العظيم.

هذا التوجه قوبل بالكثير من النقد من قبل قيادات الحرس الثوري والمرجعيات الدينية الشيعية، معتبرين التيار الذي انضوت عليه حكومة نجاد والمتبني لهذا الخطاب تيار الانحراف، بزعامة مدير مكتبه رحيم مشائي.

ورغم أن رجال الدين يعتقدون في انتظار المهدي الغائب، إلا أن تحديد موعد ظهوره أو التنبؤ بقربه كان وجه النقد المرفوع في وجه نجاد ومدير مكتبه، وكانت هذه واحدة من أوجه الخلاف بين نجاد ورجال الدين في الحوزات.

نجاد لم يكتف بذلك في حربه مع رجال الدين، فأعد قائمة بالفاسدين منهم من وجهة نظره واتهمهم بتشكيل جماعات اقتصادية خاصة، وكانت قضية »تسريبات باليزدار« أوج الفتنة بين الرجل ورجال الحوزات،

وهذه القضية، تدور أحداثها حول محاضرة ألقاها عباس باليزدار، مراجع الحسابات في المحكمة العليا، في جامعة همدانن تحدث فيها عن ملفات فساد اتهم فيها 44 شخصية معروفة في إيران، منها إمام جمعة طهران، كاشاني، ويزدي الرئيس السابق للسلطة القضائية، وبالطبع كان عدو نجاد اللدود رفسنجاني ضمن المتهمين.

3 محطات حاول فيها نجاد تجاوز خامنئي
تثار الكثير من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين مرشد الثورة وأحمدي نجاد، ربما كان نجاد سوط الخميني على تيار الإصلاح الإيراني المزعج، وبالتأكيد استفاد نجاد من دعم خامنئي ومن ورائه مؤسسة الحرس الثوري.

إلا أن العلاقة بينهما تعرضت للكثير من الشقاق، تجاوز نجاد في ثلاث محطات نصائح المرشد بينما كان رئيسًا، حاول أن يصنع لنفسه نفوذًا ومسارًا مستقلًا عن المرشد الأعلى.

كان أولها، عندما عيّن نجاد صهره رحيم مشائي نائبًا له، على غير رغبة خامنئي، ولم يتراجع عن قراره إلا حين أمره خامنئي مباشرةً بتنحيته.

لطالما شكل مشائي محل أخذ ورد بين نجاد ورجال الدين بما يمثله من نزعة قومية صريحة، حتى إنه في يوليو (تموز) 2008، وصف الإيرانيين بأنهم أصدقاء لجميع شعوب العالم بما فيهم الإسرائيليين، ما استدعى تقريح رجال الدين، والسيد خامنئي شخصيًا وطالب صراحة بتنحيته عن منصبه، وأجرت اللجنة الثقافية بمجلس الشورى استجوابًا له في جلسة علنية، ما كان إنذارًا شديد اللهجة لنجاد، الذي عاند -كما اعتاد- وعزله ليعينه بعدها مديرًا لمكتبه في تحدٍ صريح لخامنئي. لم يقف التحدي عند هذا الحد، حتى توسعت صلاحيات مشائي وأضيف لمنصبه (16) منصبًا آخرين.

المحاولة الثانية في التغريد بعيدًا عن رغبة المرشد، تجلّت عندما أراد نجاد إقالة وزير خارجيته منوشهر متكي، بعد خلافات بشأن السياسة الخارجية، وبعد أن خلق نجاد مسارًا دبلوماسيًا موازيًا للخارجية الإيرانية، على الرغم من معارضة خامنئي ذلك.

المحاولة الثالثة تمثلت في إقدام نجاد على إقالة وزير الاستخبارات الإيرانية، حجة الإسلام حيدر مصلحي، على غير هوى خامنئي، ومع الإصرار النجادي أقدم خامنئي على تجاوز العرف السياسي الإيراني السائد فبعث للوزير برسالة أشاد بما أنجزه وأمره بالبقاء في منصبه.

ومع تصاعد الخلافات بين نجاد ورجال الدين في قم وكل من السلطتين التشريعية والقضائية كان خامنئي قاب قوسين أو أدنى من إقالة نجاد، ويخوّل له الدستور هذا، لكنه آثر أن يحافظ على هيكل السياسة الإيرانية وينتظر نهاية فترته الرئاسية الثانية.