الثلاثاء: 17 يوليو، 2018 - 03 ذو القعدة 1439 - 10:00 مساءً
ملفات
الخميس: 1 مارس، 2018

 صبري هلال

 

في حين انعقدت النقاشات في البنتاجون – مقر وزارة دفاع الولايات المتحدة – حول الأسلحة فائقة السرعة (والتي تزيد عن خمسة أضعاف سرعة الصوت)، وقاذفات قنابل الجيل القادم، كانت الطائرات – بدون طيار – الإيرانية والروسية إلى جانب بعض طائرات هجوم أرضي سورية تقليدية تشن هجمات مثّلت تحديات فريدة من نوعها للتفوق الجوي للتحالف المناهض لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» بقيادة الولايات المتحدة.

كان التحالف يستخدم طائرات حديثة عالية الأداء، بينما كان النظام السوري يستخدم أنظمة قديمة ذات أجهزة استشعار ضعيفة نسبيًا وقدرات محدودة، بينما كانت تكنوولوجيا الروس أكثر حداثة، لكنها ليست بنفس مستوى تكامل معظم القوات الجوية الغربية. كان ميزان القوى التكنولوجية في صالح التحالف، إلا أن بعض السياسات والظروف العسكرية أثناء حرب التحالف ضد تنظيم (داعش) حرمت التحالف من ضمان السيطرة على الهواء.

في حين انهارت الحملة الجوية للتحالف ضد داعش، وتغير دور القوة الجوية من الهجوم إلى تحقيق الاستقرار، سلّط مقال للكاتبين ريان فيشِل، وهو ضابط أنظمة سلاح، وآرون ستاين، كبير باحثين بمركز «رفيق الحريري» للشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي، نشره موقع شركة «WarOnTheRocks» – الضوء على الفروق والتحديات في طريق تحقيق التفوق الجوي والفضائي، وعلى كيفية تفكير صانعي القرار والقادة العسكريين في القوة الجوية، وعن طبيعة الحرب متعددة الجوانب، مثلما هو الوضع في سوريا.

عادة ما يلجأ قادة العالم إلى استخدام القوات الجوية، وعدد صغير من قوات العمليات الخاصة؛ بهدف حرمان المجموعات الإرهابية من أي ملاذ آمن، لكن هذه السياسة تقوم على افتراض أن هذا التدخل منخفض المخاطر، وأن فائدة حرمان الجماعات الإرهابية من الملاذ الآمن تعوض التكاليف الضخمة المستخدمة لتحقيق ذلك. تفترض هذه السياسة كذلك أن المجال الجوي يمكن التحكم فيه محليًا بشكل دائم، ويرى كاتبا المقال أن جميع هذه الافتراضات يجب أن تكون محل شك دائمًا.

عملية التخطيط: المركزية والتحدّي السوري

ليست الولايات المتحدة وحدها التي تستخدم التكنولوجيا والقوى المتخصصة قليلة العدد للتخفيف من المخاطر السياسية؛ فقد استخدم كل من روسيا وإيران هذا النموذج من خلال نشر طائرات ثابتة الجناحين، ومركبات موجهة عن بُعد؛ لتحقيق أهدافهم في سوريا. يعد الصراع السوري بالنسبة للولايات المتحدة فريدًا من نوعه؛ فهو يختلف كثيرًا عن تجاربها السابقة في العراق وأفغانستان.

تهتم الولايات المتحدة في الصراع السوري بتحقيق الاستقرار في المنطقة في المقام الأول، وذلك من خلال إطاحة تنظيم (داعش)، ومواجهة دعم إيران للمجموعات الوسيطة التي تتسبب في تفاقم العنف الطائفي، بحسب ما جاء في المقال. على الرغم من معارضة كل من روسيا وإيران وسوريا لتنظيم (داعش)، إلا إن التشابه مع الولايات المتحدة في الأهداف يتوقف عند هذه النقطة؛ فكل من روسيا وإيران يستخدم نموذجًا منخفض المخاطر من أجل تحقيق حالة استراتيجية مواتية بهدف تعزيز مصالحها السياسية بأي شكل من الأشكال.

في حرب خاضعة لسيطرة محكمة مثلما الوضع في سوريا، يعد وجود ثلاثة أطراف مختلفين غير متحالفين تحديًا فريدًا لمخططي الحرب؛ فهم مكلّفون بالحد من التصعيد غير المقصود، والتركيز بشدّة على الحملة الجوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. في مواجهة هذه التحديات، فإن الغريزة الطبيعي تكمن في زيادة مركزية التخطيط، ومحاولة اتخاذ إجراءات تكتيكية صغيرة النطاق لضمان الحفاظ على أهداف القتال على المستوى الصغير؛ ومن ثمّ تخفيض المخاطر.

لكن لسوء الحظ لا يتزامن ذلك مع سرعة الحرب، ويسعى المعارضون لاستغلال ذلك، خصوصًا مع هيمنة التحالف في التكنولوجيا التقليدية، من خلال خلق معضلة الانتساب، أي: جعل تحديد المسئول عن هجوم إرهابي أمرًا صعبًا؛ مما يتسبب في تأخر وتعقيد صنع القرار؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تحديات تتعلق بالتفوق الجوي.

أشار الكاتبان إلى أن التخطيط للعمليات الجوية يعد عملية مركزية وجامدة بدرجة كبيرة، وتتبع وثيقة مهام القوات الجوية «ATO». تقوم تلك الوثيقة بتحديد الأھداف، وتخصیص الموارد اللازمة للهجوم عليها. بعد ذلك تركز هذه العملية على قياس النتائج باستخدام مجموغة من المعايير لجدولة الهجمات الجوية، والذخائر المستخدمة، ومساحة الأراضي التي ستشملها. جدير بالذكر إن إلقاء العدو للسلاح لا يعني تحقيق الانتصار، بل إن الانتصار أو الهزيمة يتحدد بناء على التسبب في تغيير سلوك الخصم.

الواقع يختلف عن التجارب

لمنع التصعيد غير المقصود وتجنب وقوع إصابات بين المدنيين في الصراع السوري متعدد الجوانب، يستخدم الجيش الأمريكي أساليب اشتباك مركّزة للغاية. أحيانًا تقلل هذه الأساليب من المزايا التكنولوجية لأجهزة الاستشعار في الطائرات الأمريكية، وتقلل من الأداء بشكل عام.

إضافة إلى ذلك فإن ديناميكيات البيئة التشغيلية في سوريا تختلف كثيرًا عن تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وهما التجربتان اللتان شكلتا التفكير العسكري الأمريكي، وكونت لديهم مفاهيم، مثل: الدعم الجوي القريب.

في الدعم الجوي القريب غير المتنازع عليه، مثل التجربتين الأمريكيتين في أفغانستان والعراق، عدد الطائرات يكون كبيرًا لدرجة أنها تحتاج إلى تنظيم حركتها مع حركة الطائرات الأخرى؛ لتجنّب التصادم عن بعضها البعض، وتسيطر كثيرا مثل الطائرات التجارية في مطار مزدحم، الأمر أشبه بعض الشيء بحركة الطائرات التجارية في مطار مزدحم. لذلك فإن كل طائرة تحلق على ارتفاع معين وفي مكان معين، بناء على تعليمات من محطة مشتركة للتحكم في الهجوم «JTAC»، والتي توزع المهام أيضًا ما بين الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والهجوم.

خلال هذه العملية تتمكن القوات الجوية من وتوجيه ضربات سريعة على مواقع الدفاعية للعدو، وأيضًا توجيه ضربات ديناميكية تتحرك بسرعة ضد التهديدات غير المخطط لها. على الرغم من أن الطائرات الأمريكية تعمل بهذه الطريقة في سوريا، إلا إن التحديات تظهر عندما يكون العدو غامضًا، أو عند تحدّي نظام التواصل لتنظيم موقع الطائرات، والذي يعد ضروريًا لنجاح الدعم الجوي القريب.

لا يأتي التهديد للأفضلية الجوية الأمريكية من نظام صواريخ أرض- جو متقدم، أو من مقاتلات متطورة، كما أنها لا تحتاج إلى التطور خطيًا، كما هو الحال في الغالبية من التدريبات القائمة على الموقِف في تدريبات الولايات المتحدة. السيطرة الجوية المحلية يمكن أن يهددها شيء بسيط، مثل طائرة روسية بدون طيار غير مسلحة تحلق بين سرب الطائرات الأمريكية. على الرغم من أن الطائرة الروسية يمكن أن تعرض الطائرات الأمريكية لخطر تصادم جوي غير مقصود، إلا أن الفعل لا يستوجب تبادل إطلاق النار؛ لذلك يظل التخطيط والتفكير التقليديين من أجل التفوق الهواء مثارًا للأسئلة.

الدروس المستفادة من سوريا

ذكر الكاتبان أن الدروس المستفادة من الحرب في سوريا من شأنها أن تطرح إعادة التفكير حول التخطيط للعمليات العسكرية والتجهيز والتدريب للعمليات الحركية في المستقبل، والتي من الممكن ألا تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها. حتى الآن تميل القوات الجوية ووزارة الدفاع الأمريكيتان إلى التعامل مع العمليات في حروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) على أنها استثنائية من حيث التخطيط والتدريب والأهداف، والاستعداد دائمًا في حالة قيام حرب كبرى.

على كلٍ، فإن تحديد أهداف بشكل لا سبيل للشك فيها، وقواعد الاشتباك البسيطة، وأمر إنهاء الحرب الواضح، كلها تمثل المخاوف الرئيسة في التخطيط للحرب؛ مما يعني أن أي شيء آخر – على سبيل المثال: عمليات استعادة الاستقرار – ثانوي.

يقول الكاتبان: «إنه على الولايات المتحدة أن تكون واقعية مع نفسها بشأن عدم وجود رضا استراتيجي خلال الستة عشر عامًا الأخيرة؛ فقد تسببت الحملة الجوية على أفغانستان – على سبيل المثال – في أن حركة (الطالبان) ما زالت تعيش بدون سلاح جوي أو نظام دفاع جوي، إضافة إلى ازدياد الحالة الأمنية في أفغانستان سوءًا».

هنا لا تقع المسئولية على عاتق القوات الجوية وحدها، ولكن لأن السياسة المسئولة عن الحروب لا تحدد طبيعة الحرب نفسها، بل تحدد فقط مكانها ووقتها، وبنسبة ما كيفية خوضها. يجب النظر إلى الحرب بنظرة أكثر شمولية، مع مراعاة الصراع الذي يتشكل عند تبادل السياسات على جميع الأصعدة، والتي لا بد من أن تشمل الحرب على المستوى الصغير. من الناحية العملية يجب الأخذ بحقيقة أن كل حرب مختلفة؛ لذلك لا بد من وجود مرونة في تقييم القوة الجوية واستخدامها وكفاءتها.

في سوريا قام التحالف بعمل مثالي للتكيف مع الظروف المتغيرة والتغلب على التحديات المختلفة، لكن يرى الكاتبان أن الحاجة الدائمة لنظام التحكم الخاص بالدعم الجوي – والذي يحتاج إلى التحكم محليًا – القريب أثناء التحكم في التصعيد؛ أدى إلى ظهور العديد من التحديات الجديدة، وسلط الضوء على بعض الاعتبارات المتعلقة بطبيعة الحرب في المستقبل، وإمكانية أن تتناسب مع المفاهيم والمَرْكبات التقليدية.