الأثنين: 18 يونيو، 2018 - 03 شوال 1439 - 11:49 مساءً
ثقافة وفن
الأربعاء: 28 فبراير، 2018

صبري هلال

يسعى البشر باستمرار إلى أن يكونوا أفضل أو أكثر ذكاءً أو أقوى أو أكثر ثراءً أو أكثر جاذبية، لذلك يتخلَّلهم شعورٌ بالتعب وضعف الثقة بالنفس، فهم لا يستطيعون تحديد ما إذا كانوا قد حقَّقوا ما يكفي. لذلك، فإنّ خيبة الأمل هي النتيجة الحتميَّة للطموح غير المحدود، وعادةً ما يصيب البشر الشعور بمرارة الخسارة عند فشلهم في تحقيق طموحهم. «الأنا» هي جزءٌ مشترك بين جميع البشر، وهي يمكن أن يكون لها دورٌ في تلك المشاعر. على الرغم من شعورنا بأنّ الأنا – أو الغرور – يقف إلى جانبنا، إلّا أنها بسعيها الدائم لجذب الانتباه وامتلاك القوة تقوّض الأهداف التي تفترض هي تحقيقها. إذا أردنا حياة أكثر إرضاءً، فعلينا تعلّم كيف نحد من قبضتها على مسار حياتنا.

نشر موقع «Bigthink» اقتباسًا من كتاب «Advice Not Given: A Guide to Getting Over Yourself» للكاتب مارك إيبشتاين، إذ يناقش دور الأنا في حياة الإنسان إذا ما كانت تساعده، أم تستعبده.

يقول الكاتب إن هناك الكثير من الأشياء في الحياة لا يمكننا التحكم فيها، مثل ظروف طفولتنا أو ما يحدث حولنا في العالم أو الأمراض أو الحوادث، لكن ثمّة شيئًا يمكننا تغييره، ألا وهو كيفية تفاعلنا مع الأنا. في هذه الحياة، لا يجد الإنسان مساعدة حقيقية من قِبل الآخرين، فدائمًا ما نتلقَّى توجيهات لتعزيز شعور قويّ بالذات عن طريق حبّ الذات واحترامها والثقة بالنفس والقدرة على تلبية احتياجاتها.

وعلى الرغم من أهمية هذه الأهداف، إلا أنها لا تكفي لضمان سعادة الإنسان، فهؤلاء ممن لديهم شعورٌ قويٌّ بالذات ما زالوا يعانون. السبب وراء ذلك هو أنَّ الإنسان عندما يضع كامل تركيزه على نفسه فقط، فإنه لا يستطيع الاسترخاء، أو الإبداع، أو التعاطف مع الآخرين. أي أن الأنا تؤدِّي إلى تقطّع السبُل بصاحبها، لأن أهم الأحداث في حياة الإنسان تتطلب منه التخلي عن بعضٍ من الغرور.

على الرغم من ذلك، يقول الكاتب إن الأنا لا تعرف كيفية القيام بذلك، لأنَّها لن ترى ذلك بين مهامها بالأساس. لذلك، ليس هناك ما يدعو لسيطرة الأنا المطلقة على حياة الإنسان، ولا يجب أن تكون جوهره. يرى الكاتب أن الإنسان لا يجب عليه التركيز فقط على النجاح في العالم الخارجي، بل عليه توجيه اهتمامه إلى الداخل للتفاعل مع الأنا، والتعلُّم كيف يستسلم ومتى، لأنه بذلك يحظى برضا كبير.

 

«الأنا»: بين بوذا وفرويد

في حين أنّ المجتمع لا يدعم فكرة الحدّ من دور الأنا والسيطرة عليها، إلا أنّ كلًا من علم النفس البوذي وعلم النفس الغربي يدعو لـ«أنا» أكثر مرونة، أي ألا تدمّر الأنا صاحبها في محاولة اكتساب ثقة زائدة بالنفس. على الرّغم من ظهور البوذية وعلم النفس الغربي في أوقاتٍ مختلفة تمامًا، واختلافهما التام عن بعضهما البعض، حتى وقتٍ قريب. لكنّ سيدهارتا جوتاما مؤسس البوذية الذي زهد الحياة، والطبيب النمساوي سيجموند فرويد، كل منهما رأى أنّ الأنا غير المقيّدة هي سبب في تقييد سعادة الإنسان. أي أن ما توصل إليه الاثنان هو أن الأنا مطلقة الحرية سببٌ في معاناة الإنسان، بحسب ما ذكره الكاتب.

في الواقع، لا البوذية ولا العلاج النفسي الغربي يسعيان إلى القضاء على الأنا، فهذا من شأنه أن يكون سببًا إمَّا في الضعف أو اضطراب العقل. نحن بحاجة للأنا لممارسة حياتنا الطبيعية، وللتحكُّم في غرائزنا، وللتوسُّط في الصراع بين الذات والآخر، وهذه هي الأهداف التي تُستخدَم الممارسات العلاجية في البوذية والعلاج النفسي لبناء الأنا من أجلها.

على سبيل المثال، يسعى العلاج لإصلاح الأنا لمن يعاني من انخفاضٍ في تقدير الذات. في الوقت ذاته، يَتبَع الكثيرون ممارسات التأمل البوذيَّة بهدف بناء الثقة بالنفس، لأنَّ هذه الممارسات تقلِّل من التوتر والقلق وتساعد على التكيُّف مع الحياة وبيئات العمل الصعبة. تُستخدم ممارسات التأمل هذه في بعض المستشفيات وفي الساحات الرياضية، وتكمن فائدتها في قدرة الأنا على منح البشر المزيد من التحكُّم والسيطرة على عقولهم وأجسادهم. لذلك، يؤكّد الكاتب على أهمية سعي هذين النهجين إلى تعزيز الأنا، ولكن دون الوصول إلى حدٍّ مُفرط.

 

يهدف كل من البوذية والعلاج النفسي إلى إعادة التوازن إلى الأنا، وتقليص مركزية الذات، وهما يقومان بذلك بطرقٍ ورؤى مختلفة، وإن كانتا ذات صلة. 1- التّداعي الحرّ و2- تحليل الأحلام هما الأسلوبان الرئيسيان لفرويد، ولم يعد يتمّ استخدامهما سوى لدى القليل من الناس، إلا أنّها لا تزال أحد الأساليب العلاجية الهامة، بحسب ما ذكره الكاتب. تكمن أهمية التأمل الذاتي لفرويد، في أنها تُعطي للإنسان الفرصة لتقبُّل تجاربه الأليمة، وللاسترخاء من إجهاد سعي الأنا للكمال.

تفترض البوذية أن المعاناة هي جانب من جوانب الحياة لا يمكن أن ينفصل عنها، إلا أنها تدعو إلى البهجة والسعادة. خلال التأملات البوذية، لا يتم تدريب المتأمِّل على التخلّي عن الأفكار البائسة ولا التمسُّك بالأفكار السعيدة، بل على تقبُّلهما معًا. يشير الكاتب أيضًا إلى اهتمام البوذية بالسلوكيَّات المندفعة متمثلةً في الحبّ والكره، لتعلّم الناس أن يكونوا أكثر اتساقًا في رصدهم لوعيهم. يقوم التأمُّل ورصد الوعي بدورٍ هامٍّ في تقليص مركزية الذات، فهي تعزِّز التوازن في مواجهة التغيير المستمر في حالة الأنا.

الوعي واللاوعي

على الرغم من تشابه النهجين إلى حدٍّ كبير، إلا أنَّهما يهتمَّانِ بمجالاتٍ مختلفة. يهتمّ فرويد بالغرائز والمشاعر التي تَبرز لدى الإنسان عند مراقبة الأنا، فقد رأى فرويد نفسه ساحرًا لـ«اللاوعي». يمكن أن يكشف الناس عمّا بداخلهم عندما لا يُطلب منهم ذلك، وهم بذلك يكتشفون أنّ لديهم جوانب سلبية فتتكون لديهم نظرة أعمق لأنفسهم، ويقلُّ شعورهم بمركزيَّة الذات. بالنسبة لفرويد، لا يمكن تطوُّر الأنا إلى الأفضل إلا بالتخلّي عن طموحها في التمكّن. شجّع فرويد الأنا المتواضعة، غير المدفوعة بشدة عن طريق الغرائز، والقادرة على استخدام طاقاتها لمساعدة الآخرين.

في المقابل، تجد البوذية الإلهام في ظاهرة الوعي نفسها. يحمل التأمُّل واليقظة في البوذية مرآةً لجميع أنشطة العقل والجسم، مرآة تعكس الأشياء دون تشويه؛ هذه المرآة هي وعينا. في الواقع، لا يعطي الكثير من الناس الاهتمام لهذا الوجود الغامض المسمَّى بالوعي، لكنَّ التأمُّل في البوذية يقوم بالأساس على الوعي. خلال عملية التأمُّل العميق، يتلاشى الشعور بالأنا، ويبقى الوعي الذاتي، ومن ثم يشعر الإنسان بالرضا والراحة.